‫الرئيسية‬ مقالات الفترة الانتقالية التي بها نحلم.. أو الطوفان
مقالات - 6 يناير 2022, 8:22

الفترة الانتقالية التي بها نحلم.. أو الطوفان

كتب مجدي إسحق لمداميك
الفترة الانتقالية التي بها نحلم.. أو الطوفان

يؤكد علم النفس السياسي بأن الشعب المتحد الهدف هو الذي يخلق التغيير ويحافظ عليه. إذن الشعب الذي يؤمن بالوطن الواحد وحيادية جهاز الدولة والتغيير السلمي للسلطة هو صمام الأمان والضمان لاستقرار الوطن ومستقبله. إن الإيمان بالأركان الثلاثة هذه لا تأتي من فراغ، بل يؤسس لها الواقع ويسندها التاريخ. في دولة القهر نجد أن جهاز الدولة يستغل لمصلحة شريحة محددة تقهر به بقية الشعب وتستلبه حقوقه. مما يجعل الدولة أداة بطش وقهر لشرائح عديدة لا تفقد الثقة فقط في جهاز الدولة، بل تصبح في خانة عداء لها.

عندما يفقد الإنسان ثقته في جهاز الدولة يبحث عن الدعم والسند من الأسرة والقبيلة والعرق أو الجهة الجغرافية او الثقافية التي ينتمي لها. حينها يصبح التنافر والتناحر ليس ضد جهاز الدولة الظالم، بل ضد كل الشرائح الاجتماعية التي تستغل جهاز الدولة والشرائح الأخرى المستفيدة منها. هذا الواقع المأزوم لا يهدم جسور الثقة بين شرائح اجتماعية وبين جهاز الدولة فحسب، بل ويهدم جسور الثقة بين أبناء الوطن حسب موقع الفرد والجماعة من جهاز الدولة وظلمه.

هذا المجتمع المتنافر ذو الرؤى المختلفة يفتقد المقدرة على رسم هدف واحد مشترك في كيفية بناء المستقبل.

هذا التباين هو أزمة الوطن الكبرى التي قادت لعدم وجود مشروع متفق علية يدافع عنة كل أبناء الوطن. هو أزمتنا في فشلنا في رسم مشروعا وتعريفا ثابتا للوطن يرسم ملامح المجتمع.. والدولة السودانية يتوافق علية ويدافع عنة الجميع.

هي أزمتنا التي جعلت شرائح واسعة من أبناء شعبنا لا تشعر فقط بالغربة داخل وطنها، بل تشعر بالظلم والاستلاب من الشرائح الأخرى.

هذا الواقع المأزوم لا يمكن ان يخلق شعبا متوحداً حول ثوابت لبناء الوطن والحفاظ على جهاز الدولة وطريقة إدارته. وفي ظل عدم التوحد يصبح وطناً يفتقد للعامل الوحيد والحاسم في صناعة التغيير والحفاظ عليه.

إننا نرى آثار هذا التشرذم تدفع بعض قوى الثورة للتحالف مع العسكر ضد حلفائهم من قوى الثورة تخوفا من أنهم يريدون استلام جهاز الدولة القديم بكل ممارسات القهر والاستلاب لمصلحة شريحة محددة. لذا لا نستغرب ان يكون الاصطفاف والانقسام عرقياً في ظاهره، ولكن جوهره يستند على عدم الثقة في الآخر وجهاز الدولة غير المحايد.

إذن يجب علينا البدء والعمل الجاد في بناء جسور الثقة بين شرائح المجتمع، وتحديداً قوى التغيير إذا كنا نريد بناء وطن معافي ومستقر. نتفق فيه على هدفنا لنرسم مشروعا للوطن يستند على التعايش السلمي وإعادة الثقة بين شرائح المجتمع ورسم ملامح الدولة التي تحمي حقوق الجميع بلا قهر أو إقصاء أو استلاب.

إن الهدف هو بناء دولة المواطنة والانتخابات وسيلة وليست هدفا في ذاتها، بل يجب ان يسبقها حرث الأرض والنظر في واقع المجتمع وجهاز الدولة الذي كرس للقهر والظلم.  إننا ان لم نفعل سنكون قد غيرنا الأفراد ووضعنا مساحيق على وجه مجتمع فاقد الانتماء والثقة في جهاز الدولة، والتي لن تستطيع إخفاء ما به من شروخ وجروح تمنع تعافيه. إن السعي لإجراء انتخابات في واقع مجتمعنا المتنافر مهما رفعت من شعارات الديمقراطية لن يساعد في نزع الفتيل من قنابل التوتر الاجتماعي وعدم الثقة في جهاز الدولة.

لذا يجب ان يكون هدف الفترة الانتقالية التمهيد لبناء وطن جديد وذلك بخلق الأرضية والمناخ المناسب لبناء الشعب المتوحد حول مشروع الوطن والمستقبل.

إن جسور الثقة التي انهدمت لن يتم بناءها في فترة الانتقال، ولكن البدء في ترميمها سيفتح الباب للتمازج بين أبناء الوطن خالقا حاجز الصد والحماية من التشرذم والانهيار والضمان لبناء دولة التعدد والقانون.

ان علم النفس السياسي يؤكد أن التمازج بين قوى التغيير لن يحدث الا إذا بدأت ببناء جسور الثقة من خلال العمل لتفكيك بنية القهر الأربع وهي:

أولاً

القهر الاجتماعي من تمايز واستلاب عرقي وعنصري وجهوي على مستوى المؤسسات والأفراد

ثانيا

القهر الاقتصادي من استلاب وتمايز في توزيع الموارد والخدمات

ثالثا

القهر القانوني والسلطوي من استلاب وتمايز في مستوى الحقوق وإدارة البلاد

رابعا

القهر الثقافي من استلاب وتمايز وفرض ثقافة واحدة على بقية الثقافات

إن الاعتراف بالظلم التاريخي المتجسد في أركان القهر الاربع هي الخطوة الأولى في بناء الثقة ثم يليها العمل على رسم مشروع الدولة السودانية التي لا تسمح بقيام أي من هذه الأركان ووضع الضمانات في عدم تكرارها.

إن السعي لجعل الفترة الانتقالية مجرد مرحلة ترتيب للانتخابات سيكون خطأً تاريخياً فادحاً سندفع ثمنه تصارعاً، نرى إرهاصاته، وعدم استقرار. وسيقودنا لاستولاد دولة من رحم بنية القهر تحمل في وجهها كلمات السلام والديمقراطية لكن جسدها مشبع بالجراح والقنابل الموقوتة.

هي أركان القهر الاربع التي خلقت التشرذم والتناحر ومازالت تحافظ عليه.

هي أركان القهر التي تجعل مستقبل الوطن متأرجحاً في كف عفريت.

هي أركان القهر الاربع التي أفقدت الثقة في جهاز الدولة وعمقت الانتماء للجماعة والقبيلة، وبذرت بذور الفرقة بين قوى الثورة.

إن توحد شعبنا هو الضمان الوحيد للاستقرار وبناء دولة المواطنة والقانون.

إن العقبة الحقيقية أمام توحدنا هو أركان القهر الأربع. فنحن إذا فشلنا في خلق مشروع الوطن والتوحد بين شرائحه فإننا نكون قد كتبنا على مستقبلنا الصراع التشظي والدمار.

فلنجعل هدف فترتنا الانتقالية البدء في بناء جسور الثقة والبدء في هدم أركان القهر الاربع. لأننا إذا سرنا لمستقبلنا غير عابئين بهدمهم ومسح أثارهم فحتماً هو الطريق للهاوية.. وحتما هو الطوفان..

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. خان من يدعون أنهم قادة الفور و النيل الازرق شعوبهم

    تقسيم البلد هو الحل

    سيتاجر و يبتز هؤلاء العنصريون من غرب البلد البلد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *