‫الرئيسية‬ مقالات آراء نذر التسوية الجديدة في السودان وما أشبه الليلة بالبارحة (1)
آراء - مقالات - 4 يناير 2022, 9:21

نذر التسوية الجديدة في السودان وما أشبه الليلة بالبارحة (1)

كتب الدكتور عمار الباقر لمداميك

المتابع للمشهد السياسي هذه الايام يشتم بوضوح رائحة تسوية تلوح بالأفق، فهاهي الانباء ترشح عن مبادرات دولية واقليمية لإيجاد مخرج للوضع المتأزم بالبلاد، كما تواترت الادانات للعنف المفرط لمليونتى الثلاثين من ديسمبر والثاني من يناير علي الرغم من ان حجم القمع والخسائر في الارواح هي اقل منها مقارنة بمليونيات سابقة، كذلك نجد تحرك عدد من الدوائر المعروفة بنفوذها علي صناعة القرار الاقليمي بدعوة الجيش صراحة تقديم قيادة بديلة تتولي ادارة المسرح السياسي والامني ويكتمل المشهد بقرار السيد رئيس مجلس الوزراء وهو التنفيذي الأول في البلاد الاستقالة.
بغض النظر عن صواب قرار السيد رئيس الوزراء من خطاءه _تعاطفنا معه ام تحاملنا عليه_، هذا المشهد وتلك التحركات تشبه والي حد كبير تلك التي تسيدت المشهد السياسي خلال الفترة من مارس وحتي ابريل 2019م وهو ذات المشهد الذي مهد الي قيام اللجنة الامنية لنظام البشير بالانقلاب عليه وفرض التسوية السياسية التي افضت الي الشراكة الحالية حفاظاً علي مصالح القوي الاجتماعية والاقتصادية المسيطرة علي الحكم بالبلاد والمتمثلة في الطبقة الفاسدة من قيادات المؤسسات العسكرية والامنية المسيطرة علي موارد البلاد الاقتصادية بالتحالف مع طبقة الرأسمالية الطفيلية التابعة. ان ما يجمع بين جميع أطراف هذا التحالف هو التبعية لموك الخليج وأعني بهم السعودية والامارات وحلفائهم الاقليميين في المنطقة وعلي راسهم مصر وهو وضع يجعلنا ننظر الي مواقف هذه الدول كمؤشر لمواقف وردود افعال هذا التحالف المسيطر على البلاد في الوقت الحالي.
ما يتوجب على قوي الثورة الانتباه له هو محاولة تكرار سيناريو الحادي عشر من ابريل 2019م بإزاحة البرهان وطاقمه والدفع بوجوه عسكرية جديدة تعمل على اعادة انتاج الشراكة بصورة جديدة تعمل بما يضمن الحفاظ على المصالح الاقتصادية لهذا التحالف ومن هم خلفه من دول الاقليم، وأكثر ما اخشاه هو انقسام الشارع في حاله تنفيذ هذا السيناريو بما يفتح الطريق امام القوي السياسية الداعمة للتسوية للانخراط في تفاوض مضر يفضي الي اعادة انتاج هذه الشراكة.
ان الترياق هذا السيناريو هو وحدة الشارع خلف شعاراته الثلاث (لا تفاوض، لا شراكة، لا مساومة) وترجمة هذه الشعارات الي مطالب عملية ملموسة والتأكيد على التحول الديمقراطي عبر سلطة انتقالية مدنية لها السيطرة الكاملة على جميع مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات العسكرية والامنية كما لها الولاية الكاملة على جميع موارد البلاد.
أثبتت الاحداث الاخيرة ان المدخل للتحول الديمقراطي يتمثل في محورين، محور اصلاح المؤسسات العسكرية والامنية والمحور الاقتصادي. ومن ينظر بتمعن الي كلا المحورين يكتشف انهما مرتبطين ببعضهما ارتباطاً عضوياً، فثمانين بالمئة من موارد البلاد هي في ايدي المكون العسكري، وهو وضع تقليدي موجود في عدد كبير من دول العالم محدودة الموارد حيث ان تكلفة بناء الجيوش باهظة ولا تستطيع حكومات هذه الدول توفيرها وبالتالي تلجأ هذه الجيوش الي الهيمنة علي السلطة بهدف السيطرة علي موارد الدولة وتسخيرها لصالحها، ولتحقيق ذلك فأنها تتبني سياسات ليبرالية تعمل علي سحق المواطن الفقير عبر غل يد الدولة من الصرف علي الخدمات الاساسية واغراقها في الديون عبر بوابة الاستثمارات والتمويل الاجنبي وتبني مشروعات لا تنموية يعمل فيها عدد محدود من المواطنين ويعود ريعها اما لصالح الجيش مباشرة او الي طبقة رأسمالية متحالفة مع الجيش كما هو الحال في السودان واثيوبيا ومصر والجزائر وتونس والعديد من دول المنطقة.
ان التحول الديمقراطي لن يتحقق مالم تسيطر الدولة علي مؤسساتها الامنية وهذا لا يتأتى إلا عبر سيطرة الدولة علي جميع الموارد بما فيها موارد المؤسسات الامنية والعسكرية هذه هي الخطوة الاولي.
الخطوة الثانية هي تسخير هذه الموارد نحو مشروعات تنموية تصب في صالح المواطن، فلا تحول ديمقراطي دون استقرار اقتصادي وسياسة تنموية تعمل لصالح المواطن محدود الدخل. إن خيارات الناخب وارادته في اي دولة ديمقراطية هي رهينة باستقراره الاقتصادي وتمتعه بمستوي معقول من الخدمات.
هذا هو الإطار المفاهيمي للتحول الديمقراطي حسب تقديري المتواضع وسوف اعمل على تفصيله في شكل خطوات عملية في مقالات قادمة ان أمد الله في الايام وادعو الجميع الي مد يد العون لي في هذه المحاولة المتواضعة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.3 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *