‫الرئيسية‬ مقالات ضرورة بناء تحالف واسع لقوى الثورة
مقالات - 21 ديسمبر 2021, 7:10

ضرورة بناء تحالف واسع لقوى الثورة

• عرضنا لمليونيات ١٩ ديسمبر وملحمتها البطولية، والتي برهنت على أن أدوات المقاومة السلمية وتكتيكاتها في مواجهة القوة العسكرية أكبر وأعظم مما يتصور كثير من الطغاة، وقلنا إنها حققت مكاسب عظيمة، وهي بالمقابل كشفت عن أهمية ما ظللنا نطالب به لأشهر، وهو أهمية قيام التحالف السياسي المطلبي بمظلته الثورية الاجتماعية الواسعة، والقيادة الجماعية والتنسيق المحكم بين كل أطراف العمل الثوري، كمدخل مهم لحسم معركة إسقاط الانقلاب والانتصار الكامل لمطالب الثورة.

• لقد حققت الجماهير أمس الأول انتصارها الكبير، بعد أن اقتحمت كل الجسور وهزمت كل الموانع والتدابير القمعية حتى وصلت لساحات القصر، وكان المطلوب بعدها ترتيبات الخطوة التالية وتوضيح أهميتها للجماهير. وتداول الناس أن هناك ترتيبات لتنظيم اعتصام أمام القصر بناء على ما رشح من بعض بيانات سابقة، وبقيت الجماهير لساعات بمواقعها بانتظار ذلك الإعلان، وسط تردد كبير من اللجنة المعنية في حسم قضية الاعتصام، ودون تنظيم ذلك الحشد الضخم وترتيب قواعد الحماية له، وقد أدى ذلك لانسحاب أعداد كبيرة من ساحة القصر ومغادرتها قبل وأثناء هجوم قوات الشرطة وإطلاق الغازات المسيلة للدموع، وقد تم إعلان الاعتصام لاحقاً بعد تفرق كتلة ضخمة من الحشود، مما سهل عملية تفريق البقية بالقوة. هذا الارتباك ليس الأول من نوعه، فقد شهدته كثير من المليونيات التي شاركنا بها، ويعود ذلك في تقديري لغياب التنسيق المتكامل والاستعداد لكل السيناريوهات.

• ولكن الاعتصام وإن كان قراراً تستطيع لجان المقاومة اتخاذه لوحدها، لكنه يحتاج لجبهة سياسية كاملة لدعمه حتى يحقق أغراضه ولضمان أكبر قدر من الحماية له، فهو يحتاج لإسناد لوجيستي كبير، وهذه توفرها قطاعات مختلفة، على رأسها قطاعات مهنية مثل الأطباء والإعلاميين والقانونيين وغيرهم، ويحتاج لغطاء سياسي بتقدم تحالف أو قوى سياسية ومدنية بجانب لجان المقاومة لإسناده، وتولي التعريف به واستقطاب الدعم والتأييد له داخلياً وخارجياً، وهذا يقع ضمن منظومة الحماية الصلبة للمعتصمين.

• مسؤولية القوى الثورية الآن هي بناء هذا التحالف، وهو عمل قد تأخر إنجازه لوقت طويل، وكما بينت من قبل في رؤيتي لذلك التحالف أن يتضمن لجان المقاومة وتجمع المهنيين “وهناك تنسيق وعمل مشترك جار بين الطرفين”، بجانب القوى المدنية والكيانات المطلبية، وتكوينات أسر شهداء وتنظيمات ضحايا نظام الإنقاذ بكافة فئاتهم، بجانب القوى السياسية المساندة لإسقاط الانقلاب، والحكم المدني الديمقراطي، والتغيير الجذري للمعادلات السياسية القائمة.

• كان بالإمكان أن يتحول الإعلان والميثاق السياسي الذي طرحه تجمع المهنيين لمدخل لحوار عريض يضم كل هذه الأطراف، ويقود لإنتاج وثائق متوافق عليها مما يصبح أساساً لقيام هذا التحالف، ولكن في تقديري التشويش الذي حدث في أعقاب نشر إعلان التجمع السياسي، واختزال النقاش في عدم تسمية د. عبد الله حمدوك في منصب رئيس الوزراء الوارد بالإعلان، هو ما قاد لخلق رأي عام سالب تجاهه، ودفع باتجاه إعداد لجان المقاومة لوثائق خاصة بها، ويمكن تدارك هذا الأمر من خلال اتفاق الطرفين على تشكيل لجنة مشتركة للمواءمة بين هذه الوثائق وغيرها من أطروحات القوى المختلفة، وصياغة وثائق محكمة موحدة، وطرحها للقوى المختلفة لإبداء الرأي حولها واستصحاب ملاحظاتهم.

• لقد خلفت تجربة تحالف الحرية والتغيير وما أسفرت عنه من هيمنة مجموعات سياسية على ذلك التحالف، وفرض رؤيتها للتعامل مع واقع ما بعد سقوط البشير تفاوضاً واتفاقاً وشراكة، ومن ثم احتكار القيادة ودور الحاضنة السياسية، انتهاءً بالدخول لمواقع الحكم، بكل ما اعتراها من ضعف وتنازلات كرست لهيمنة العسكر وتمددهم، مخاوف عميقة من الدخول في تحالفات سياسية جديدة خوفاً من حرف مسار الثورة وإقصاء قواها والتلاعب بشعاراتها مجدداً مثلما حدث من قبل، ولكن تلك المخاوف يجب ألا تعمينا عن رؤية الأهمية المتعاظمة لبناء تحالف جديد وبرؤية جديدة للتعامل مع قضية إسقاط الانقلاب، وتصورات ما بعد ذلك من قضايا الحكم، وهذه خطوة لا غنى لإحكام العمل المشترك والتنسيق بين مختلف المجموعات الثورية، ولتقديم قيادة جماعية متفق عليها ووفق برنامح ورؤية تعبر عن أوسع قطاع من أهل السودان.

• القضايا التي كشفت عنها السنتان المنصرمتان من عمر الفترة الانتقالية هي قضايا لا يمكن التغاضي عنها، وتستوجب جهداً حقيقياً للتعامل معها، وعلى رأس ذلك كيفية حسم هذه الثنائية المهددة للوطن بوجود جيشين يتمتعان حالياً وبموجب الوثيقة الدستورية بوضع قانوني، كيف ستتم معالجة هذه المعضلة وإنهاء وجود الدعم السريع بما لا يهدد أمن وسلامة البلاد، وذلك سيقود لحوار حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع القوات المسلحة وهيكلتها وحدود دورها الوظيفي في ظل وجود هذا الكم الكبير من الحركات والمليشيات، باعتبارها الجهة التي يجب أن تتولى تنفيذ عملية ترتيبات أمنية واسعة النطاق لمعالجة هذه القضية المهمة.

• هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية مثل كيفية معالجة وإعادة بناء منظومة العدالة من نيابة وقضاء وقد شهدنا كيف تحولت لحجر عثرة حقيقي في طريق إنفاذ العدالة، بكثير من قراراتها وتعاملها مع قضايا عناصر النظام البائد، ونفس الأمر ينطبق على الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية والشرطية، والتي تتطلب وجود رؤية كاملة لكيفية هيكلتها وإصلاحها وليس طرح الأمر كشعار فقط، وبالطبع يمكن الحديث عن عدد كبير من القضايا التي كشفت عنها فترتا الحكم الانتقالي، وهي كلها يجب أن تجد مكانها في رؤية أي مشروع لما بعد إسقاط الانقلاب وإقصاء عناصره من المعادلة السياسية.

• يتوجب علينا الآن أن نتعامل بالجدية الكافية مع قضية الدولة، في نظرنا لما بعد إسقاط المجلس الانقلابي، وهو الخطأ الذي وقعت فيه جميع القوى في أبريل ٢٠١٩م، وأن نمتلك رؤية كاملة للتعامل مع هذه القضايا فهي لا تحل بالشعارات، ولن تحل بإسقاط النظام.

• ما لم تشرع القوى الثورية الآن في بناء تحالفها، وتقديم مشروعها الوطني الشامل للتعامل مع قضية الحكم وإدارة الدولة، فإن ذلك سيفضي لتبديد هذا النهوض الجماهيري، وفي أفضل الأحوال حالما قادت الثورة لإسقاط المجلس العسكري الانقلابي وحلفائه، ستجد القوى الثورية أن عليها أن تقبل بحلول لم تشترك في صياغتها ولم تكن جزءاً من إنتاجها، وهو ذات الموقف الذي أفضى من قبل لهيمنة قوى الحرية والتغيير على كامل المشهد، وفاقمه غياب تمثيل القوى الثورية بالتحالف، وعدم امتلاكها لرؤية لما بعد إسقاط النظام.

الثورة مستمرة وستنتصر
#الردة_مستحيلة
#لاتفاوض_لاشراكة_لاشرعية
#مليونية25ديسمبر

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال