‫الرئيسية‬ ثقافة أحتفي بزنوجتي
ثقافة - 24 نوفمبر 2021, 21:08

أحتفي بزنوجتي

رانيا مأمون

تغنَّى الشاعر محمد مفتاح الفيتوري بإفريقيا كثيراً، ومنذ أول قصيدة كتبها عن إفريقيا «إلى وجهٍ أبيض» عام 1948، اعتبر أن كل ما سبقها من كتابة شعرية إنما هو إجهاض لميلاد تجربته الإنسانية الحقيقية، التي يريد التغني بها وإعلانها على الملأ؛ فهو كما قال يريد أن يكون صادقاً مع نفسه أولاً، وأن يكون ما يكتبه هو ما يحسّه، غير أنه يطمح إلى أن يتعرَّف على الوجه الآخر لشقائه، وهذا الوجه الآخر هو إفريقيا ومأساتها الإنسانية الكبرى.

ومنذ ما انطلقتُ ضائعاً مشرداً

أطوي ليالي غربتي

وأمتطي خيول سأمي

كنتِ عذابي.. أنتِ يا إفريقيا

وكنتِ غربتي التي أعيشها

وشئتُ أن أعيشها

هو إذن في سابق أعماله لقصيدة «إلى وجه أبيض» كان يبحث عن ذاته، بحث شاعر قلق متعدِّد الهويات والجنسيات يقبع بين البين، بين التخوم، يبحث عن هويته، عن وطنٍ ينام مطمئناً على ذراعه متمرغاً في ترابه، كان كذلك يبحث عن شكلٍ فنيّ يتَّسع للتمزقات النفسية، للألم والعذاب الذي عاشه لأنه مختلف، مختلف اللَّون، الشكل والجذور. لوعيِّه التّام بهذا الاختلاف رسمَ لنفسه اتجاهاً شعرياً جديداً، أذاب فيه ذاته الصغرى في ذاتية أعمّ، إفريقيا أرضاً وشعباً، نضالاً وتطلعاً للانعتاق.

الفيتوري أوفر الشعراء إنتاجاً عن موضوعة إفريقيا (ثلاث مجموعات ومسرحية شعرية)، بل أكثر من كتب عنها في اللغة العربية مقارنة بشعراء العربية، لكنه ليس الوحيد الذي كتب عن إفريقيا من الشعراء والكتّاب السُّودانيين، فقد كان معه من رفقائه وأصدقائه الشاعر تاج السِّر حسن (1935 – 2013) شاعر القصيدة الشهيرة آسيا وإفريقيا:

عندما أعزفُ يا قلبي الأناشيد القديمة

ويطلّ الفجرُ في قلبي على أجنُح غيمة

سأغني آخر المقطع للأرضِ الحميمة

للظلال الزُرقِ في غابات كينيا والملايو

وكان معه في القاهرة كذلك الشاعر محيي الدين فارس (1936 – 2008)، صاحب قصيدة (لن أحيد):

أنا لستُ رعديداً يكبِّل خطوه ثقل الحديد

وهناك أسراب الضحايا الكادحون

العائدون مع الظلام من المصانع والحقول

ملأوا الطريق

وعيونهم مجروحة الأغوار ذابلة البريق يتهامسون

وسياط جلَّاد تسوق خطاهمو

ما تصنعون؟

ولاحقاً الشاعر جيلي عبد الرحمن (1931-1990)، الذي مجَّد ثائر الكونغو العظيم لومومبا في قصيدته (خمس أغنيات إلى لومومبا ):

وردةٌ حمراء، كقلبك

أرعشتها الرِّيح في موحل دربك

مثل خدِّ الشمس ذابت فيك أنفاس المروج

فتفاءلت وغنيت لشعبك

يا عيون الطير، يا أرض الزنوج

كل شيء يتلَّون

كل روح تتكوَّن

لحظة الميلاد ما أروع أن نشقى ونحزن

شعبي المغروس في الكونغو المغضّن

دفء أيامي، عذاباتي ونبضي

كثيرون هم الشعراء السودانيون الذين اتجهوا صوب إفريقيا في شعرهم، سواء أكانت صيحةً نضالية وثورية ضد المستعمر، أم رؤية تسعى إلى إحياء البعد الإفريقي ثقافياً وعرقياً وحضارياً، والارتكاز على هويَّة سودانية بمنهج تجديدي، على سبيل المثال برز في هذا الاتجاه الشاعر محمد عبد الحي (1944 – 1989):

سنارُ تسفر في بلاد الصَّحو جرحاً

أزرقاً، قوساً، حصاناً

أسودَ الأعراف

فهداً قافزاً في عتمة الدِّم

معدناً في الشمس، مئذنة

نجوماً في عظام الصَّخر، رمحاً فوق مقبرةٍ –

كتاب

وسنار هي عاصمة السَّلطنة الزرقاء (1504- 1821)، واتخذها الشاعر رمزاً لهذه العودة في قصيدةٍ مطوَّلة (العودة إلى سنار).

الفيتوري (1936-2015) أحد هؤلاء الشعراء من الجيل الذي عايش المدّ الثوري التحرري في إفريقيا، حملت أشعاره الصرخة الإفريقية العارمة والرافضة للمستعمر ولاستعباده، وقد واكب هذا المدّ الشعبي، بل سبقه اتجاه ثقافي تبلور في حركة (الزنوجة) في الثلاثينيات، التي أقرّت بقبول وتماهي الإنسان الأسود لحقيقة كونه أسود صاحب قيم ثقافية وفنية تخصَّه وتختلف عن غيره، يُعبِّر الفيتوري عن هذا بقوله:

قلها لا تجبن.. لا تجبن

قلها في وجه البشرية

أنا زنجي..

وأبي زنجي الجدّ

وأمي زنجية

أنا أسود..

أسود لكني حرٌّ

أمتلك الحريَّة

الأسود حرّ، اللون لا يستتبع العبودية، فليس لأنه أسود هو عبد، وإنما لأن هناك أبيض في قارة بعيدة رغب أن يستعبده ويشحن به السفن، يكدّسه ويكبلّه كي يخدمه، يسأله الفيتوري:

ألئن وجهي أسود

ولئن وجهك أبيض سميتني عبدا

ووطئت إنسانيتي

وحقَّرت روحانيتي

فصنعت لي قيداً؟

الأسئلة التي حرَّقت روحه وهي تستدعي تلك الأجساد في السُّفن، الأصفاد والجباه المتعرِّقة والأقدام الدامية في مسيرتها الأليمة كي تبني حضارة شعوب أخرى بعرقها ودمها وكرامتها، كي تعمل في المزارع والمناجم ثم تُغتصب وتُقتل، فقط لكونها ولدت بوجوه سوداء!

لقد أراد الشاعر فضح الواقع اللاإنساني وتعريته وإظهار الجانب القبيح للوجه الأبيض:

كنتُ صغيراً

عندما أبصرت عيناي وجه الأبيض المحتقن

ولم أزل أذكر لي إخوة

مشوا عبيداً تحت ثقل القيود

والسيد الأبيض من خلفهم

وسوطه ملتصق بالجلود

يمكننا القول إن الفيتوري شاعر ثوري، شاعرٌ ثائر ضدّ الأبيض، ليس مطلق أبيض، إنما الأبيض المُستبد، الجلَّاد، المُستعمِر، المُستغِل، تاجر الرقيق، مُذل ومهين الإنسان. والحقدُ الذي يأتي ذكره في شعره، ليس حقداً لعقد نفسية من أسود تجاه أبيض (عقدة لون)، إنما الحقد نابع من هذا الحقّ الذي أعطاه السيِّد لنفسه ليسترق بذريعته إنساناً آخر، كان آمناً في حقله

لتنتفض جثة تاريخنا

ولينصب تمثال أحقادنا

آن لهذا الأسود.. المنزوي

المتواري عن عيون السنا

آن له أن يتحدَّى الورى

لكننا نقرأه في موضع آخر بمرارةٍ ونظرةٍ قاتمة يتنبأ بمصير شاب ساقه الجند إلى السجن، في قصيدة (مات غداً) حكم عليه بالموت مشنوقاً متّسخ الجثة منسيّ الكفن:

مات

وملء روحه المسوَّدة المحترقة

ماضٍ يغطيه دم المشانق المعلَّقة

وصرخات الثائرين في السجون المطبقة

وأوجه العجائز الأليمة المشققة

وهنَّ يرفعن إلى السماء

في أسى ذليل

أذرعة معوجَّة مثل مناجل الحقول

وأعيناً يغوص فيها ظلُّ مشنقة

إلا أنه وسط القتامة يحلم بغدٍ أخضر، دون قحطٍ دون جوعٍ، غدٍ يتحقق عند دحر المستعمِر وطرده من جنة إفريقيا، فالشاعر لا يستطيع تغيير لون الأرض ولا السماء، لكنه يقدر أن يرسم لوحة ملونة زاهية يبثُ بها الأمل في الغد:

لا بُد أن تصبح يوماً غِلة الحصاد لي

وتصبح السماء والأرض ومجرى الجدول

وتنتهي مجاعة التراب

والبشر

رؤية الفيتوري الشعرية (الإفريقية) هامت بالمضامين وشغفت بالقضية الإنسانية، فانصبَّت في توصيفها من زواياها المُتعدِّدة، لم تعبأ هذه الرؤية بالشكل والأسلوب؛ لأنه يرى أن الأصالة ليست وفقاً للشكل والأسلوب، وإنما الأصالة أصالة الفكر والعاطفة. وعاطفته ملتهبة وانفعاله مضطرب وغضبه عارم، لذا ينادي إفريقيا مناداة متوترة تشي بالانفعال والغضب:

إني أناديكِ

أنادي دمي فيكِ

أنادي أمتي العارية

إني أنادي الأوجه البالية

والأعين الرَّاكدة.. الكابية

فويكِ إن لم تحضني صرختي

زاحفةً من ظلمة الهاويَّة

عاصفةً بالأبيضِ المعتدي

يحتفي الشاعر بالأسود، الأسود الرمز، القارة، الثائر، الإنسان الذي ستنحني الشمس لهامته وتخشع الأرض لصوته؛ لأنه سيملؤها فرحاً كما امتلأت قروناً بأحزانه، وتزخر مجموعاته الشعرية بهذا الأسود، أو ما يرمز إليه من مترادفات أو معانٍ كالدجى، الظلام، الليل، الزنوج، الأبنوس، الأمس وسواها من مفردات.

يحتفي بالإنسان الزنجي الذي هو أحد الملايين التي لا تموت والتي تولد في كل صباح من جديد، ويحتفي بالمناضل والثائر ببن بلا، مانديلا ولومومبا:

ابقَ مكانك

لن تصدأ في تربة روحي

فتوهَّج في نار جروحي

اصبغ أعلام الثورة يا سيف بلادي

لازَم الشاعر الحنين والشوق الدائم إلى الأرض المقدّسة التي لا يملك شيئاً سوى الإيمان بشعبها وتاريخها، هذه الأرض البعيدة، إفريقيا الأرض الموعودة، الأرض الحلم.

وسِّد الآن رأسك فوق التراب المقدَّس

واركع طويلاً

لدى حافة النهر

اركع

ثمَّة من سكنتْ روحه شجر النيل

أو دخلت في الدُّجى الأبنوسي

أو خبأت ذاتها في نقوش التضاريس

ثمَّة من لامست شفتاه القرابين

قبلك

مملكة الزُرق الوثنية

قبلك

عاصفة اللحظات البطيئة

قبلك

طقس الوجوه المدلاة في مهرجان المشانق

قبلك.

ولأن الفيتوري الشاعر مناضل، جاء إلى الخرطوم في ذلك اليوم الأول من يناير/كانون الثاني 1956 يوم الاستقلال ليشهد رفع العلم السوداني وتنكيس علم بريطانيا، كي يحضر ويعيش وينفعل بهذه اللحظة التاريخية المفصلية في تاريخ وحاضر السودان ليكون جزءاً من هذا الحدث، هو المتغرّب طول عمره، اللحظة التي حلم بها متمنياً أن يُنثر حبة رمل في جبال وطنه أو أن يُكتب حرفاً صغيراً في نضاله، وحقّ له ذلك، فالكلمة نضال والكلمات أصوات حياة وثورة لا تعرف الموت.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.4 / 5. Total : 7

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *