‫الرئيسية‬ مقالات ارفع راسك أنت سوداني
مقالات - 24 نوفمبر 2021, 10:44

ارفع راسك أنت سوداني

وائل محجوب
من يؤمن بالثورة السودانية وعمقها وقدرتها يدرك جيداً أن ما يُعبِّر عنها هو هذا الثبات الملهم الذي ميزها بين ثورات العالم لثلاث سنوات متواصلة، وهذه القدرة العصية على الكر والفر والمناورة والتراجع المنظم والتقدم المندفع وصولاً لأهدافها، والجسارة التي يتصف بها الثوار والتي ما استطاع القتل والقنص والسلاح الناري والمطاردات والملاحقات والاعتقالات ردعها.
ولك أن تفتخر بأنك تنتمي لبلاد تدخل ثورتها عامها الرابع بذات قوتها وتمرسها، ونهض ثوارها بمجرد ما طار نبأ الانقلاب، وخرجوا من فورهم قبل انبلاج الفجر يشيدون المتاريس ويدقون النحاس، وسرعان ما انتظمت صفوفهم وعلت أصواتهم بالهتاف بالحر، يتصدون له دون كلل أو ملل، تتريس، موكب، مليونية، موكب دعائي، تتريس، مليونية، عصيان مدني، إضراب جزئي، وقفة احتجاجية، مليونية، حراك ثوري متصل غمر كل مدن وقرى وحلال السودان، وأجبر ثوار العالم على التفاعل معهم ومع قضيتهم العادلة وكلمتهم الماضية في الحكم المدني الديمقراطي.
نحن سودانيون ونفتخر.. لا نمجد شخصاً ولا نتعلق بأحد كبيراً كان أو صغيراً إلا بمقدار انتمائه وثباته على أهداف الثورة ومطالبها والانحياز لها، ونثق في قدرة شعبنا الغلابة على الانتصار، والخروج من أحلك المواقف متوجا بالنصر.
هكذا علمنا التاريخ الطويل لنضالات أهل السودان، وكذا فعلت ديسمبر المجيدة بثوارها وجرحاها وصفوف الشهداء المتراصة فداءً لفجر جديد وبزحفها المقدام الحاسم، ونحن بالغيه طال أو قصر المسير، فالمجد للسودان.
وعليه.. فإن توقيع حمدوك على الإعلان السياسي ملزم له ولا إلزام له على غيره، فهو قد ارتضى لنفسه أن يكون موظفاً يقيله قائد الانقلاب ويلغي قرار إقالته، ويغادر معتقله وطاقمه الوزاري داخل السجون والمعتقلات، ويقبل إقصاء حاضنته السياسية من المشهد، وفتح المشهد لحلفاء الإنقاذ ليكونوا جزءاً من حاضنته الجديدة التي هندسها له أهل الانقلاب، ويعمل تحت مجلس سيادي تم تعيينه بدون سند قانوني أو دستوري، ويرتضي بكل القرارات التي صدرت بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر، وهي التي نسخت كل قرار أصدره منذ توليه السلطة في طريق إصلاح الخدمة المدنية، فما الذي حمله على قبول عقد الإذعان هذا الذي فارق بموجبه ضفة الشعب، واختار أن يمنح شرعية لم يعد يملكها لحظة قبوله الإعلان لانقلابيين لا يستحقونها، وهو الذي كان في موقف تفاوضي أفضل بما لا يقاس من الانقلابيين، إذ يحظى بسند شعبي ضخم وبدعم إقليمي ودولي، وصل حد الاعتراف بحكومته كحكومة شرعية من أعلى هيئة أممية، ورفض التعامل مع الانقلاب وقراراته ومؤسساته.
هذا الإعلان السياسي لا قيمة له من الناحية القانونية والدستورية، وكل ما يترتب عنه يفتقر للغطاء الدستوري، وهو لا يمثل إلا أطرافه، ولن يفلح في إكساب العمل الانقلابي الشرعية التي يبحث عنها.
والأهم أنه حتى ولو أفلح في تخفيف الضغط الخارجي الكبير “رغم أن ذلك مستبعد والمتوقع المزيد من الضغوطات عليهم”، والذي وصل إلى مرحلة التهديد بفرض العقوبات المباشرة على قادته، فإنه لن يوقف الرفض الثوري ولن يعطل الحركة المتصاعدة لإنهاء الانقلاب، والتي تحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى للتنظيم السياسي، ووحدة الهدف والرؤية المتماسكة لإسقاط الانقلاب ولما بعده.
ومنذ التوقيع يجتهد مساندو انقلاب ٢٥ أكتوبر في تصوير الاتفاق الذي تم أمس الأول مع د. عبد الله حمدوك بأنه انتصار سياسي لهم، ويمارسون قدراً عالياً من الهجوم على رافضي الانقلاب، هدفه بث التماسك الداخلي والإيهام أكثر منه تعبير عن حقائق ما جرى طيلة شهر منذ الاستيلاء على السلطة، بينما في حقيقة الأمر هو إعلان بهزيمة تخطيطهم وفشله، ومحاولة الالتفاف على كل ذلك بصناعة واقع جديد عبر ورقة الإعلان السياسي، التي لا تملك أي قوة نفاذ ولا قيمة لها سوى توقيع طرفيها فاقدي الشرعية والسند الدستوري وقتها.
واجه قادة الانقلاب ومسانديهم لحظات الضعف والتفكك، جراء سوء تقديراتهم ونواياهم، التي حولت انقلابهم لمحض تكتل عسكري يستولي على السلطة ولا يدري ما يفعل بها، ولا يملك خلاف القمع المفرط سبيلاً للحفاظ عليها، واضطروا في آخر المطاف للرضوخ واللجوء مكرهين لإعادة رئيس الوزراء الذي انقلبوا عليه لموقعه، بعدما عجزوا لشهر كامل عن تجاوزه وقد كانت هذه رغبتهم مجتمعين، وتشكيل حكومتهم وفق ما التزموا به في بيانهم الأول خلال أسبوع.
لقد واجه هذا الانقلاب عزلة وحصاراً دولياً بدءاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأمريكا والمنظمات الدولية، وقد تلقى من فوره وقفاً فورياً وتعطيلاً لكل التدفقات المالية وعودة للديون والحصار الاقتصادي، واتجهت الحملة الدولية لملاحقتهم بشكل شخصي بالعقوبات الفردية، واتضح لهم جلياً أن الاستئثار بالحكم ليس بالسهولة التي تصوروها، ولا يحسم باعتقال الوزراء والسياسيين، وإذاعة البيان والمراسيم ولا بإقالة الخصوم من مواقعهم بجهاز الدولة، ولا بقمع الثوار وسفك دمائهم على الطرقات.
أما القوى الإقليمية من محاور والتي دعمت وساندت هذا التحرك الانقلابي سراً، فقد أسقط في يدها بعد الضغط الدولي، وعجزت حتى عن تقديم الدعم السياسي للانقلابيين، بل اضطرت تحت الضغط والموقف الدولي الموحد لإعلان رفضها للانقلاب والمطالبة بالحكومة المدنية، وقد لعب ذلك دوراً في كشف ظهر الانقلابيين وإضعافهم وإفقادهم أي مساندة.
داخلياً يُعدُّ هذا الانقلاب هو الأول في تاريخ السودان الذي وجد مقاومة شعبية متنامية قبل أن يذيع بيانه الأول، وظلت المقاومة متصاعدة بلا توقف، رغم القمع الدموي، وتضعضعت حتى الحاضنة الهشة ممثلة في حركات جوبا وانتهازيي وعوالق السياسة الذين مهدوا الأجواء للانقلاب، واتضح أنهم بلا سند جماهيري ويفتقدون للقواعد، حينما عجزوا حتى عن تحريك مواكب داعمة ومساندة له، كما أن مواقف قادة هذه الحركات قادت لانقسامات وانشقاقات في صفوفها، وبات هؤلاء القادة يعجزون حتى عن تقديم الدعم السياسي بعد الحصار الجماهيري لهم.
لقد حاصر الشعب السوداني هذا الانقلاب ببسالته وجسارته ومواكبه الصلبة، وأفقده طوال شهر القدرة على الحكم والسيطرة على البلاد، وفرض شللاً تاماً على الحياة العامة قاد لتعطيل دولاب العمل بالدولة، وصار أهل الانقلاب يملكون المقاعد ولا يستطيعون الحكم، وتكشف بوضوح أنهم لا يملكون أي تصور سياسي أو خطة للتعامل مع إدارة الدولة، وقد توالت الاعتذارات من كل من تواصلوا معه لمشاركتهم السلطة الانقلابية وتولي رئاسة الوزراء، مما يدل على حجم وقوة الرفض الشعبي الذي قوبلوا به الذي عزلهم وشل قدراتهم، وكان ذلك دليلاً ساطعاً على قوة وثبات الشعب السوداني، وعمق ثورته وقدرته على الدفاع عنها والانتصار لها.
واصطدمت كل طموحاتهم في الاستيلاء الكامل على السلطة بقوة المد الشعبي وحصار دائم أعجزهم حتى عن التحكم في مقاليد الأمور، ودفعتهم المليونيات المتوالية لإطلاق موجات من القمع المفرط والعنف، نتج عنه أكثر من ٤٠ شهيداً ومئات الجرحى والمصابين خلال شهر واحد، تضاف لسجل الجرائم التي يتحملون وزرها.
لكل ذلك، فإن محاولات تصوير ما تم بأنه انتصار للانقلابيين إنما هو محاولة للتماسك والإيهام النفسي غرضها إثارة حالة واسعة من الإحباط واليأس، فلا أظن أن هدف الانقلاب كان تشكيل حكومة من التكنوقراط، أو إعادة د. حمدوك لمنصبه، أو حتى إقصاء الحرية والتغيير من مقاعد السلطة بدعوى حكومة التكنوقراط، أو توسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية، فكل ذلك مما قد يتحقق بالحوار والضغط السياسي دون الحاجة إلى اللجوء للانقلاب، بقدر ما كان الهدف الحقيقي الاستئثار الكامل بالحكم، وإنهاء العمل بالوثيقة الدستورية والتحلل من جميع التزاماتها، ومطالب وأهداف الثورة، والإفلات من المحاسبة على مجزرة فض الاعتصام، وكل ذلك لم ولن يتحقق لهم، فما تم التوقيع عليه محض إعلان بلا سند من قانون أو دستور، مثله مثل كل القرارات التي تلت الانقلاب، ومثل مخرجاً من الورطة التي حشروا أنفسهم فيها، وهي ستتحطم على أرض الواقع وسيهزمها الاصطفاف الثوري.
هذا الإعلان لا يعني تلك القاعدة المليونية العريضة في كل أنحاء السودان التي لم يوقف سيولها الدائمة انقطاع الانترنت والاتصالات والاعتقالات والملاحقة والقمع والقتل في الطرقات، وهي ستجمع قواها وتنظم صفوفها وتستعد لجولة طويلة وجديدة تطيح بالانقلابيين وأعوانهم وبقايا النظام البائد من كامل المشهد وتنتصر لأهداف الثورة كاملة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *