‫الرئيسية‬ مقالات بعيدا عن حمدوك !!
مقالات - 24 نوفمبر 2021, 7:03

بعيدا عن حمدوك !!

(قراءة في الاتفاق الإطاري/السياسي الموقع في 21 نوفمبر)

يستطرد جليبر الأشقر في مقاله “العقد الأول من السيرورة الثورية العربية”: ” أن إنجاز التغيير الذي تحتاج المنطقة إليه لتجاوز أزمتها المزمنة يتطلّب قيادة أو أطر قيادية للحراك الشعبي على درجة عليا من التصميم الثوري والوفاء للمصلحة الشعبية بحيث تتمكن من إدارة العملية الثورية واجتياز الامتحانات والمِحَن العسيرة التي يقتضيها التغلّب على الأنظمة القائمة باستمالة قواعدها المدنية والعسكرية، قيادة كفيلة بأن تُشرف على تحويل الدولة من أداة نهب للمجتمع لصالح أقلية إلى أداة خدمة للمجتمع بأغلبيته الكادحة. وما دامت مثل هذه الأطر القيادية لم تنبثق أو تفرض نفسها بعد، فإن السيرورة الثورية سوف تستمر لا مُحال في تعاقب بين المدّ والجزر وبين الهبّة الثورية والردّة المضادة للثورة.”

انتهى استطراد جليبر. وكان يشير (بصورة عامة)  لعمق الازمة البنيوية في طبيعة النظام السياسي والاجتماعي في دول الربيع العربي. تركيبات بنيوية خرسانية مصبوبة في هيكل الدولة تعمل على تماسك الأنظمة السياسية الاجتماعية القديمة وتحول – لاعتبارات تتعلق بصلابة وصلادة العمود الفقري لهذا الانظمة بشقيها المدني والعسكري دون انجاز تغييرات جذرية ثورية حاسمة وسريعة كما قد يطيب لي وللناس عامة أن يتمنوا. وهو الامر الذي أنتج نوع من السيرورة الثورية طويلة الأمد والتطلع لانجاز التغيير الجذري بصورة مؤجلة (تكون او لا تكون!!).

اذن هي سيرورة ثورية طويلة الاجل من ناحية, وبمآلات مستقبلية متفاوتة الاحتمالات مع ترجيح واضح لاحتمال انجاز التغيير الجذري في نهاية المدى (انتصار الخير والفضيلة). ولكن, وفي ذات الوقت, وبصورة عقلانية, لا احد يستطيع استبعاد الانزلاق لحالات متفاوتة ومخيفة من تآكل الدولة الذي قد يفضي لأسوأ احتمالات الحرب الاهلية, او قد يكفي فقط للدخول في سبات من الانحطاط الطويل (جميعها واردة وفقا لشروط موضوعية وذاتية مختلفة).

باستلهام ذلك محليا في وضعية ما بعد اتفاق 21 نوفمبر, ومع خصوصية ثورة ديسمبر,  فان المراوحة بين حالتي المد الثوري والردة الثورية ستنتج في تقديري (اذا تجاوزنا تلك التصورات الرغبوية الفائقة) ذات الحالة من السيرورة الثورية طويلة الاجل التي أشار لها جيلبرت, و من غير منجز ثوري حاسم وسريع. وذلك لاعتبارات تتعلق بطبيعة الازمة البنيوية المتجذرة في عمق وطبيعة النظام السياسي والاجتماعي الشرس والمتماسك بخلفية الإحتكار البذيء لاداوت العنف بالاضافة للهيمنة الاقتصادية بصورة أساسية. ولكن لا يمكن (طبعا) تجاوز عوامل أخرى تتمثل في وجود عمق اجتماعي وثقافي كبيرين لهذا النظام السياسي/العسكري/الديني/المليشياوى/الجهوي/القبلي بتجلياته المختلفة (اقانيم عديدة لكينونة قديمة واحدة).

اعلاه هو التحدي الموضوعي أمام الثورة السودانية, ويجب ان لا نخطيء (في مقام التحديات الموضوعية هذا) في مسالة مهمة مفادها أن التحليل السليم لاتفاق 21 نوفمبر قد يخلص الى ان هذا الاتفاق يمكن ان يفضي في حال استمرار الزخم الثوري بذات وتيرته ما بعد انقلاب 25 أكتوبر واستثمار وضعية ما بعد 21 نوفمبر ثوريا للأمام, قد يفضي لوضعية افضل نسبيا للثورة في مقابل الوضعية السابقة للإنقلاب بتلك المعادلات والخيارات الصفرية.

اذن, وفي حال التفكير في براح الاطار الواسع البانورامي لسيرورة الثورة الممتدة في صراعها مع السلطة التأريخية (اذا اتفقنا حول هذه الطبيعة المستمرة والممتدة للثورة), يمكننا الوصول لحقيقة مفادها ان ما يحدث يمكن ان يكون بمثابة (او يمكن أن يفضي ل) نقل الصراع من حافة الهاوية التي قادنا اليها العسكر (بصورة لااخلاقية ولاوطنية) الى ارضية اكثر تماسكا نسبيا بوجود قيادة مدنية (ايا كانت واي كان مقدار صلاحياتها) برئاسة عبدالله حمدوك. حكومة ستعمل في حدودها الادنى على تشكيل حاجز امان Buffer zone   بيننا والحيز الضيق لحافة الهاوية, وبالتالي بيننا وأمكانية أن يأخذ الصراع بيد العسكر لرمي البلاد في هاوية الحروب الاهلية والفوضى العارمة والتي ستنتج بصورة حتمية (في اعتقادي) جراء تآكل الدولة وانهيارها اقتصاديا.

هنا لابد من الاشارة لحقيقة مهمة تغيب عن الأذهان. فصحيح جدا أن التمسك بسلمية الثورة ضروري لتفادي الانزلاق في الفوضى العارمة. الا أن للفوضى العارمة شروط أخرى تعمل بمعزل عن طبيعة الثورة (سلمية/عنيفة). ومتى تحققت هذه الشروط لا يمكن وقف الفوضى بمجرد التمسك بسلمية الثورة. لذلك أقول أن مجرد تآكل الدولة سياسيا وانهيارها اقتصاديا نتيجة لعدم الاستقرار هو ولوحده اكثر من كافي للانزلاق نحو الفوضى، حتى ولو تعلقنا جميعا باستار السلمية.

يقال ان خيار الحرب لا يحتاج الا لطرف واحد.. بمعنى انه لا يتطلب تفاهمات مشتركة.. اليس الامر كذلك !!

ناتي هنا للظروف الذاتية والتي قدمت لها بالاقتباس عن جيلبرت أشقر. وهي في اعتقادي ظروف ذاتية متعلقة بطبيعة الثورة السلمية مقروءة مع تطلعاتها وأهدافها الراديكالية في التغيير الجذري ومدى المفارقة او التحديات الموجودة هنا.  وظروف ذاتية متعلقة ببروز وانضاج شكل قيادي سياسي وتنظيمي للحراك الثوري. ثم ماهية تصورات هذه القيادة الثورية لطبيعة المكونات الثقافية والايدلوجية والطبقية والسياسية المسموح لها بالدخول تحت مظلة الثورة بما يتطلبه ذلك من وضع الاعتبارات اللازمة لكفالة التعبير عن تطلعات هذه المكونات المتباينة داخل المنفستو الثوري (هذه مسألة حاسمة جدا نحو استقراء المآلات الثورية). وبتعبير آخر ما هي التصورات هنا, ثورة صماء ومنغلقة ايدلوجيا وثقافيا ام ثورة مفتوحة  ممتدة الايادي لمصافحة الجميع أم يكون أمرها ما بين بين.

كل اعلاه يدخل في عملية بناء تصورات صحيحة للكيفيات التي ستكون عليها السيرورة الثورية الممتدة والتي سترسم ملامح التأريخ السوداني نحو صيرورة جديدة نتمناها تغييرا حقيقيا وجذريا ونهائيا للازمة البنوية في طبيعة النظام السياسي/الاجتماعي وليست مجرد معطى اضافي من معطيات الفوضى العارمة والتشظي والانقسام والحرب الموجودة مسبقا.

كل ما ورد اعلاه يعتمد ويتبنى ويشترط استمرار الزخم الثوري بذات وتيرته ما بعد انقلاب 25 أكتوبر واستثمار وضعية ما بعد 21 نوفمبر ثوريا وبصورة واعية ومدركة للتحديات والمطلوبات السياسية والتنظيمية للثورة مع ضرورة بناء تصورات اكثر انفتاحا على المجتمع السوداني باطيافه ومكوناته المختلفة وتحجيم حالة الصلف الثوري المقيت في أكثر الاحيان ومع الكتابة الجماعية الملونة للمنفستو الثوري في مقابل المنفستو المطبوع سلفا برسم التبصيم فقط لا غير..!!

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *