‫الرئيسية‬ مقالات صُلح حُديبِيَّة جديد .. غير أن حمدوك ليس بِرسُولٍ حتى يَتْبعُه الثُوار ناحِرِين وحَالِقِين !!
مقالات - 22 نوفمبر 2021, 12:26

صُلح حُديبِيَّة جديد .. غير أن حمدوك ليس بِرسُولٍ حتى يَتْبعُه الثُوار ناحِرِين وحَالِقِين !!

” ما أعتى غُبْنَك يا ولد وأعدل قَضِيتَك وأعْظَمَّا لاتْرَجِع السيف الجفير والدنيا فايره مُصَادمه . من غير تجيب تار البلد ورِيح العوارِض تَهزِمَّا . وتَطْرُد مع إبليس الأخِير دُعاة الضَّلال من جَنْتَك يا آدما ”
إن أسوأ ما أنتجه الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك ، أنه أكسب الانقلاب ورقة توت تُخفِى عورته البائنة وتُربك الموقف الدولى الذى طالما جاهر – قبل الاتفاق – برفض ماترتب عليه من إجراءات ، لا أدرى كيف راق لحمدوك أن يُمضِى إتفاقاً تأسس على قرارات القائد العام للقوات المسلحة فى إعترافٍ بواح بحاكمية تلك القرارات ، ولا أدرى كيف جاز له وهو المُتوج رمزاً للمدنية ذبحها على محراب الاتفاق حينما وقع على أربعة عشر بنداً فيها ثمانية مما يُفسر الماء بالماء ، بينما الستة المتبقية لا تُؤسس إلا إجهاضاً لحراك دام لأكثر من خمسة وثلاثين شهراً من التضحيات الجِسام ، فما بين تقويض الوثيقة الدستورية بتوسيع قاعدتها لتشمل من هم فى حُكم اعداء التحول الديمقراطى مروراً بإقرار المجلس السيادى مشرفاً على إنفاذ مهام المرحلة الانتقالية مما يوحى بتحول مجلس السيادة الى محض مجلس عسكرى على قرار تجربة ابريل 85 والذى غالباً ما يفضى الى انتخابات لن تكون افضل من انتخابات تلك الفترة التى استعاد فيها سدنة النظام البائد مقاليد السلطة مجدداً ، وليس إنتهاءاً بغبر لجنة تفكيك الثلاثين من يونيو بتراب إعادة هيكلتها ومراجعة اعمالها !!!
قُلنا – ولا نَمْلُ التِكْرار – أن هذه الثورة إنطلقت لتنتصر ، قد تعترض طريقها كثيرٌ من التحديات والمصاعب ، وقد تعانى حالات إنحسارٍ او حتى إنكساراتٍ لحظية ، لكن تيارها الجارف يسير حتماً صوب مصبه غير آبِه بما يعترض طريقه من معوقات ومتاريس ، هكذا علمنا التاريخ أن ما من ثورةٍ نضُجَتْ ظروفها الموضوعية وتولتها بالرعاية قوى إجتماعية متماسكة وذات حيوية كما ثورتنا ، أعاقها عائق او أجهضها تحدى ، نعم قد يخبو أوارها مرة وقد تتراجع مرات ، لكنها حتما تواصل مسيرها ولو بعد انقطاع، هكذا قالت الشعوب التواقة للحرية كلمتها مرة تلو الاخرى ، وما الثورة الفرنسية بعيدة عن الاذهان حيث لنا فيها مثلٌ وبرهان ، فإن كان شعارها الخالد ( حرية ، إخاء ، مساواة ) فقد ماثلناها فى واحد و علونا عليها فى اثنين ؛ فلا أخاء بلا سلام و لا مساواة بلا عدالة ، أكثر من ذلك فإن كان تحديها الأساس أن (بوربونها) لم ينسوا شيئا ولم يتعلموا شيئاً ، فإن ( بوربوننا) قد تعلموا كل موبقةً ونسوا كل مكرمةً ، فأوصلونا الى هذا الدرك ، ولكن تظل الحِكمة ؛ أن الزبد دائماً ما يذهب جفاءً و دائماً سيبقى ما ينفع الناس !!
ما يُحمد لمِحنة الانقلاب الاخير وما تلاه من إتفاق ، أنها أعادت الثورة مرة أخرى لجادة طريقها الثورى ، وأتاحت فرصة تصحيح مسارها وتنقية صفوفها وإعادة إصطفاف قواها ذات المصلحة الحقيقية من جديد ، فما أضرَّ بالثورة شيئاً أكثر من إحتواءِ تحالُفِها على من لا يُؤمنون بقِيمها وأهدافها مِثل حركاتِ كفاحٍ مسلح، لم يرتقِ وعى قياداتها لتنظر الى قضايا التحول الديمقراطى كرديف لقضايا السلام و مطلوباته فتماهت فى اللحظات المفصلية من تاريخ الثورة مع تحالف إجهاضها ، بل كانوا على رأس ذاك التحالف وملهمى حِراكُه المُضاد بالتنسيق مع مدنيين لا يحملون من المدنية إلا أزيائِها بينما هم شموليون حتى النخاع ، لا يتوانون لحظة فى تغليب مطامحهم الذاتية على مصالح الوطن وقيم الثورة واهدافها العظيمة ، إذن هى فرصة لاعادة النظر فى طلب الاجماع الذى أضرَّ طلبه المستحيل بمتانة تماسك صفوف القِوى الثورية ، فما من ثورة قادها إجماع ! وما من ثورة خلا واقعها من أعداء !، فالواجب إذن العمل على إعادة الإصطفاف الثورى من جديد ، بحيث تضم صفوف الثورة المؤمنون حقاُ بقيمها والمستفيدون فقط من قطف ثمارها والمستعدون حقاً للتضحية من أجل نجاحاتها ، أما الآخرون فلهم كامل الحرية فى أن يختاروا ما يناسبهم من طريق وما يوازى تطلعاتهم واحلامهم من مقابل .
يتوجب على القِوى الثورية فى هذا المنعطف الحاد من تاريخ الثورة ضرورة إعادة تنظيم صفوفها وابتدار خطوات تنظيم تُركز على مخاطبة هموم القطاعات الإجتماعية الحية والاستماع الى طموحاتها وأشواقها وليس من قوة أكثر حيوية من شباب المقاومة والطلاب وقطاع المرأة والمهنيين والعمال وغيرهم من القوى المنتجة ، يجب تشجيع إنتظامهم المُستقِل ورعاية تشبيك تنظيماتهم أُفقياً ورأسياً بما يخدم التحالف الثورى الجديد ، يتم ذلك جنباً الى جنب مع القوى السياسية الحزبية المؤمنة بالمبادئ الديمقراطية الراسخة غض النظر عن مرجعياتها الفكرية ، فالمهم مدى إلتزامها بقيم الثورة ومبادئِها فعلاً لا قولاً حسب ما أفرزته التجربة السابقة من مواقف ، فلقد أتاحت العشرة سنين الماضية مجموعة إختبارات غاية فى الاهمية تسمح بتمحيص مدى إيمان الكيانات والتنظيمات المختلفة بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة ، فمن يمكن أن يتخطى انتفاضة سبتمبر 2013 كمعيار لقياس ذلك الإيمان او حيثيات الاربعة اشهر التى سبقت سقوط الطاغية مروراً بفاجعة فض الاعتصام إلى أن نصل لمحطة الانقلاب الاخير وما تلاه من إتفاق مهين ؛ كلها إذن محطات محورية يمكن إتخاذها معياراً لإعادة إنتاج تحالف أكثر تماسكاً وأعلى ايماناً وأمضى عزيمة وأعظم اثراً .
ألإنشغال بتمتين التحالف الثورى ، يجب ألا يعنى إغفال مخاطبة التحالف المضاد، والذى غالباً ما يتكون من هرم المؤسسات العسكرية والامنية ، بعض حركات الكفاح المسلح ، بعض زعماء الإدارات الأهلية ومكونات حزبية بائدة بالاضافة للجهود التآمرية لبعض دول الجوار الاقليمى ، محاولة تشريح ومحاصرة هذا التحالف مهمة لابد من إيلائها ما تستحق من إهتمام لان التعامل الراهن مع بعض مكونات هذا التحالف المضاد كْكُتَل صماء يعزل قواعد إجتماعية ذات مصلحة حقيقية فى قضية التحول الديمقراطى ، عليه يجب مخاطبة هموم هذه القواعد وتبصيرها بحقيقة مصالحها ، فمثلاً السلام الذى تُوطِدْ دعائِمه الدولة المدنية المنشودة يعنى إنتفاء أسباب الحروب الداخلية العبثية عالية الكُلفة مما يقود لإسكات صوت البندقية وبالنتيجة أمان وسلامة ضحايا الحروب من الأطراف كافة ، كما أن التنمية التى غالباً ما تَعْقُب الإستقرار تقود حتماً لإنتفاء أسباب اللجوء والنزوح و تُؤسس لرتق النسيج الإجتماعى لمناطق الحروب مما يُعزِز كرامة وحقوق إنسان تلك المناطق كغاية ، فما الذى يدعُو الكتلة الغالبة للمقاتلين من الاطراف كافة لمعاداة التَوجُه الديمقراطى المدنى ما دام مصالحهم الانسانية و الاجتماعية والاقتصادية تنمُو وتتعزز فى هذا الاتجاه .
تظل مسألة عدم توافق القِوى الثورية على مشروع وطنى شامل واحدة من إشكالات تحالفاتنا السياسية ، فعادةً ما تَصْطَرِع المرجعيات الفكرية والسياسية فيتْعَذُر ألإتفاق حول رؤى وتفاصيل المشروع المنشود ، ليتم اللِجُوء لمواثيق مُعْمَمَّة تدعى فيها القِوى الحزبية تراضِيها على برنامج حد أدنى بينما هى تستبطِن سقوفها العليا ، فتنفتح تبعاً لذلك الأبواب لصراعات وتناقُضات القِوى المُشكِلة لتلك التحالفات ، إذن يتوجب على القِوى الثورية – فى هذه اللحظة التاريخية – محاولة بلوغ النُضج الضرورى لتجاوز هكذا معضلة بعد كل التجارب السلبية و المآلات المريرة ، يتوجب عليها هذه المرة إبتِداع صِيغة تُآلِف بين البُعد الإستراتيجي والمرحلى بلا تناقض بحيث يكون المشروع مرِناً لِيَسْتوعِب تطلُعات مُكوِناتِه عبر مراحله المختلفة التى يجب أن تبدأ بمشروع مقاومة الإلتفاف على مهام المرحلة الانتقالية بإبتداع اساليب مقاومة لا عنفية تُبقِى على جذوة المقاومة مشتعلة وتقلل فى ذات الوقت كُلفة الدماء المراقة لتنتهى بالترويج لمشروع تكتل إنتخابى لما بعد المرحلة الانتقالية يخاطب تطلعات القوى الثورية الحية التى لم تفارق شوارع البذل والتضحية لأكثر من خمسة وثلاثين شهراً من النضالات النبيلة !!

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *