
قراءة تحليلية سريعة لبيان قوى الحرية والتغيير الصادر أمس، الأول من نوفمبر. لمن يهمه الأمر.
عبدالرحمن فاروق
قبل البدء في تحليل النقاط الخمس الواردة في بيان الحرية والتغيير الصادر من اجتماع المجلس المركزي الأخير المنعقد في دار حزب الأمة، يجب تثبيت قضية في غاية الأهمية، وهي أن قوى الثورة لديها تخوفات مشروعة من أن تنتهي هذه الأزمة، بمساومة جديدة مع بقايا اللجنة الأمنية لنظام البشير، تعيد إنتاج الوضع السياسي لما كان عليه قبل انقلاب 25 أكتوبر، وهو وضع أدخل الثورة في انسدادات واضحة جداً، عطلت الكثير من استحقاقتها، لا سيما تلك المتعلقة بالقصاص للشهداء، وتقديم المتورطين الحقيقين في جريمة فض الاعتصام إلى محاكمات عادلة.
لكن هل فعلاً يصب بيان الحرية والتغيير في تعزيز تلك المخاوف، أم أنه يفتح الباب على وضع سياسي جديد، يكون أقرب إلى تحقيق أهداف الثورة؟
في البدء طالب البيان بإسقاط الانقلاب العسكري. معنى ذلك أن الحرية والتغيير تتمسك بالتوصيف الثوري لما حدث في 25 أكتوبر، وهو توصيف أقره الشارع السوداني منذ اللحظة الأولى، ثم بعد ذلك بَنت على هذا الإقرار القوى الدولية مواقفها، خصوصاً دول الترويكا والاتحاد الأوروبي، بالتالي فإن الحرية والتغيير بدأت في توضيح معالم خطها السياسي بشكل صحيح، ينسجم مع موقف الغالبية العظمى من السودانيين.
ثانياً: طالب البيان بمحاسبة الانقلابيين وتحقيق العدالة للشهداء والمصابين (والمقصود هنا الشهداء والمصابين منذ 25 أكتوبر). وأفهم من عبارة (محاسبين الانقلابيين)، الواردة في البيان، الذي لم يشير إلى محاسبة البرهان، أو محاسبة العسكريين، أن أمر المحاسبة سيشمل الجميع، من عسكريين ومدنيين. بمعنى محاسبة كل من أيد الانقلاب وباركه. والمحاسبة هنا بطبيعة الحال تعني تقديم الانقلابيين لمحاكمات تحقق أيضاً العدالة للشهداء. وهذا يوضح أن الأفق السياسي للحرية والتغيير، لا يضع في حسبانه أن البرهان وأعوانه من العسكريين والمدنيين سيكونون ضمن المشهد السياسي بعد إسقاط الانقلاب.
ثالثاً: نص البيان على إطلاق سراج جميع المعتقلين فوراً، وأكد ضرورة العودة للنظام الدستوري لما قبل 25 أكتوبر. وبالنسبة لقضية إطلاق سراح المعتقلين، فإنها لا تحتاج إلى الوقوف عندها، لكن الجزئية الأخرى، من المهم تحليلها، كونها قد عززت مخاوف العديد من السودانيين في الإطار المذكور آنفاً. فلماذا تُصر قوى الحرية والتغيير على العودة للنظام الدستوري؟. في الواقع بدون استصحاب شرعية الوثيقة الدستورية، لا يمكن وصف ما حدث في 25 أكتوبر على أنه انقلاب عسكري، فحتى يتسنى لنا إطلاق هذا الوصف، يجب الإقرار بوجود نظام دستوري تم تقويضه بالقوة، بالتالي فإن إسقاط الانقلاب يعني العودة للشرعية الدستورية ولا يعني منطقياً وقانونياً وسياسياً أي شيء آخر. إضافة إلى ذلك، فإن قوى الحرية والتغيير تستمد شرعيتها السياسية أمام المجتمع الدولي من الوثيقة الدستورية. والتخلي عن هذه المشروعية سيحولها إلى مجرد قوى سياسية مدعومة بطيف من الشارع، عدا أنه لن يكون لها أي صفة أخرى لدى المجتمع الدولي. وحينها سيتعامل الأخير مع الوضع السياسي في السودان، ليس بالضغط على البرهان بوصفه قد قوض النظام الدستوري، وإنما سيتم التعامل معه بوصفه طرفاً في صراع سياسي محلي. وحينها سيتساوى البرهان سياسياً بقوى الحرية والتغيير، وأعتقد أن هذا ما يريده الانقلابيون. لذلك ليس هناك أي معنى لأن تتنازل الحرية والتغيير عن مشروعيتها السياسية أمام المجتمع الدولي، الذي يُفرق بشكل واضح بين المدنيين المناهضين للانقلاب، والمدنيين المؤيدين له، وتتوعد بمعاقبة المؤيدين، حتى لو أطلقوا على أنفسهم العنوان ذاته (الحرية والتغيير). فلماذا لا يتم الاستفادة من ذلك؟
رابعاً: عودة رئيس الوزراء وحكومته للقيام بمهامهم. وهنا لم يذكر البيان شيئاً عن عودة أعضاء مجلس السيادة. وربما يكون السبب في تقديري، عدم رغبة قوى الحرية والتغيير في إعادة تشكيل “السيادي” وفقاً للتوازنات السابقة. وهو ما يشير إلى أنها ستسعى لاستبعاد العسكريين عنه، بناء على تعديلات قد تتم على الوثيقة الدستورية.
خامساً: التأكيد (القاطع) بأن لاحوار ولاتفاوض. وهذه النقطة واضحة فيما يخص الدخول في أي مساومات مع الانقلابيين سواء كانوا مدنيين أم عسكريين. كما تأتي لتقطع آمال الانقلابيين في الوساطات المحلية، التي تُمثل مخرجاً آمناً لهم.
وأخيراً، فإن الإجابة على السؤال الأول المتعلق بمخاوف قوى الثورة، قد وضح من خلال التحليل أعلاه. كما أود التنويه على أن هذا التحليل لم يستند إلى أي معلومات خارجة عن البيان، وإنما تناول البيان بشكل مجرد ومستقل تماماً.
التعليقات مغلقة.


مقال تحليلي واقعي