‫الرئيسية‬ مقالات قحت التي هزمت الثورة.. قحت التي هزمت نفسها .. “حكاية ثورة تأكل ابناءها”
مقالات - 14 أكتوبر 2021, 8:32

قحت التي هزمت الثورة.. قحت التي هزمت نفسها .. “حكاية ثورة تأكل ابناءها”

الثورة.

محمد حيدر المشرف

لا أعتقد أن إعلان هزيمة قحت يمثل خبراً عاجلاً حتى، فتشظي المكون المدني لثورة ديسمبر يمثل مسلمة من مسلمات الراهن السياسي السوداني. هو (خبر بايت) لو جاز التعبير. وهذا التشظي تسبب بصورة مباشرة في هزيمة ذاتية للمكون المدني للثورة السودانية ومن ثم تسبب بصورة منطقية ومشاهدة، وتجري أحداثها أمام أعين الجميع في هزيمة الثورة. حتى ليتحسر المرء منا في اليوم ألف مرة إن أضاعوها … وأي ثورة أضاعوا؟!

وحتى لا يخطئ أحدهم بأنني كاتب كتابي هذا لأصب عليهم اللعنات. ليس ذلك سبب الكتابة، أنا هنا بصدد تلمس طريقي مع القارئ لمعرفة الأسباب الجوهرية لهذه الهزيمة بعيداً عما تعج به الميديا من تفسيرات قاصرة على الاتهامات العريضة والتخوين، وتعمل في ذات الوقت على تكريس نموذج الفشل الفاعل والمستمر النشط الآن في البيئة السياسية للمكون المدني لثورة ديسمبر.

تعددت الأسباب والفشل واحد. ذلك صحيح، ولكن الصحيح كذلك أن الأوان لم يفت بعد على إنجاز اختراقات كبيرة في مسار الثورة يفضي لوحدة قوى الثورة مجتمعة وفقاً لمشروع وطني واضح وشامل وعملي وممكن, وهذا الأمر ليس خياراً, هو في الواقع فرض عين كل القوى السياسية المنتمية للثورة. وبالتالي يكون تسليط الضوء على الأسباب الاكثر جوهرية التي أفضت لهذا الواقع هي مسألة غاية في الأهمية، إذ لن يكون هناك, وبصورة منطقية, اختراق حقيقي في هذه الوضعية الراهنة دون تدبر عميق في هذه الأسباب الجوهرية.

أولاً، ما هو التوصيف الصحيح للراهن والذي نبحث عن أسبابه الجوهرية؟!

أجزم وبصورة قاطعة أن الصورة البانورامية لما يحدث تكشف وبوضوح وجود (4) تيارات أساسية.

التيار صاحب الفاعلية الأكبر هو تيار الانقلاب وفقاً لتعريف منضبط ومحدد وواضح لكيفية وطبيعة الانقلاب، والتي تتباين عن الشكل التقليدي للانقلابات عبر التاريخ السوداني الحديث. لا نرجم بالغيب وهناك الكثير من المعلومات information المفقودة، ولكن كل المعطيات ومدخلات التفكير الواعي تشير لوجود انقلاب دستوري يكون من شأنه  حال نجاحه المحافظة على مصالح سلطوية واقتصادية وطبقية تتناقض بصورة أساسية مع ثورة ديسمبر.

يمتلك هذا التيار الفاعلية السياسية والسلطوية الأكبر، كما يحظى بعمق اجتماعي متنزل عن الصيغ الاجتماعية التقليدية السائدة في السودان. تجانس هذا التيار هو محل شكوك كبيرة ولكنهم يتمتعون بالبراغماتية العالية في الحفاظ على هذا التحالف المرحلي، ولن تتفجر خلافاتهم إلا من بعد إنجاز الانقلاب, وذلك سبب إضافي لكون الانقلاب مهدد أساسي لوحدة وسلامة الوطن في حال نجاحه.

مكونات هذا التيار هي المؤسسة العسكرية والأمنية, حركات الكفاح المسلح الدارفوري الموقعة على اتفاقية جوبا لسلام دارفور (في تمييز عن الحركات الموقعة على سلام جوبا للمنطقتين).. طبقة الرأسمالية الطفيلية, الإدارات الأهلية وزعماء القبائل, جحافل الإسلاميين بشتى تبايناتهم, تيار الانتهاز السياسي من مخلفات الإنقاذ ممثلة في عدد كبير من الأحزاب الملقحة صناعياً بالفساد في معامل النظام البائد.

وهنا يمكن القول بأنهم يمثلون تماماً الدولة العميقة في بعدها البيروقراطي والإعلامي والاقتصادي والأمني والعسكري، بالإضافة لحركات الكفاح المسلح الدارفوري وبعض المسارات الأخرى.

ثم يأتي التيار المدني المنتمي للثورة المجيدة والمنخرط في العملية السياسية الانتقالية الماضية الآن. وهو تيار يرزح تحت وابل النيران الكثيفة لتورطه في إدارة الانتقال سياسياً وسلطوياً وأخلاقياً. وذلك من بعد أن استحوز على كامل الحقوق الدستورية لقوى إعلان الحرية والتغيير بعد خلافات كبيرة ضربت هذا الجسم التحالفي السياسي القائد للثورة (*قيادة ذات طبيعة سياسية لا تتمتع بذلك العمق الجماهيري الكبير*). ولقد خرج هذا التيار بهذه الغنيمة الدستورية لو جازت التسمية, وبالتالي يحوز على نسبة مقدرة من الحكومة التنفيذية ويستند على شرعية دستورية منقوصة كما ذكرت.

هذا التيار لا صليح له على الإطلاق, ويعتبر الهدف الأساسي للتيار الانقلابي الذي يسعى وبكل قوة لتقويض هذا التيار. وتعمل كل الآلة الإعلامية والسلطوية للتيار الانقلابي في تشويه هذا التيار وشيطنته وتحميله كل ذنوب السودان التاريخية منذ الاستقلال, فقضية تاريخية كتهميش الشرق وإنسان الشرق على سبيل المثال, نراها وبصورة درامية تتحول بقدرة قادر لمجرد نتيجة لفشل هذا التيار المدني في إدارة الانتقال, والغلاء الطاحن الذي يكابده المواطن السودان هو بسبب هذا التيار بالتحديد وليس بسبب الاختلالات الاقتصادية السائدة منذ (3) عقود, وليست بسبب العسكر مثلاً والذين يحوزون على سلطات مضاعفة، وحتى على المستوى الاقتصادي, وليست بسبب الحركات المسلحة المشاركة في ذات الحكومة التنفيذية.. لا أحد منهم يتحمل جزءاً من الفشل الاقتصادي كما تكرس لذلك ماكينتهم الإعلامية المصروف عليها جيداً. وإنما هو كله بسبب هذا التيار كما تروج الآلة الإعلامية الرهيبة. حتى ليقول القائل: لو عثرت بغلة في صحراء بيوضة لكان هذا التيار مسؤولاً عنها. والآن تنحصر مطالب التيار الانقلابي في إبعاد هذا المكون بالتحديد من السلطة تحت دعاوى المطالبة بحل الحكومة وتوسيع قاعدة الانتقال .. إلخ.

هذا التيار يحظى بعداءات مستفحلة مع التيارات الأخرى (التيار الثوري الراديكالي ممثلاً في الحزب الشيوعي, والتيار القحتاوي المناوئ للجنة المركزية لقوى إعلان الحرية والتغيير. وذلك نتيجة طبيعية لكون الواقع الآن هو تجلي الخلافات العميقة التي عصفت بقوى إعلان الحرية والتغيير. وبأسهم بينهم شديد, وتكتسب هذه العداءات أبعاداً أخلاقية متعلقة بالشرف الوطني والثوري, فقائمة الاتهامات المتبادلة تشمل فيما تشمل الخيانة والعمالة وبيع دم الشهداء والتكالب الرخيص على الوظائف الحكومية. وبصورة عامة تمت عمليات تحديد وتقزيم واسعة لمقدرات هذا التيار على إدارة الصراع بفاعلية مع المهدد الرئيسي للثورة السودانية, وتم حصره تماماً في خانة ردود الأفعال الضعيفة والمقيدة.

وكتداع تاريخي هنا, فإن أحوال هذه التيارات الثلاثة لا تستدعي لذهني إلا تلك الحالة التاريخية حسب السرديات الإسلامية، والتي أفرزت ثلاثة تيارات أساسية ما بعد موقعة صفين، إذ انقسم أنصار الإمام على بن أبي طالب لثلاثة تيارات، أولهم الشيعة، وثانيهم الخوارج، بينما ذاب الموقف السياسي للقسم الثالث في تيار الإرجاء (المرجئة). وكانت محصلة كل ذلك أن أتى الملك يسعى لبني أمية يتوارثونه جيلاً بعد جيل حتى الهزيمة على يد العباسيين.

في خلفية تلك الصورة البانورامية تتواجد حركتا تحرير السودان /عبدالواحد، والحركة الشعبية شمال / الحلو. وهما حتى الآن بدون فاعلية حقيقية في داخل هذا الجو المشحون، وإن كانا يمثلان إمكانات ثورية كبيرة وكامنة في تقديري.

الأسباب الأكثر جوهرية لهزيمة قحت:

1- الطبيعة الداخلية المتماسكة للتحالف كانت مفسرة ضمن سياق (تسقط بس), وذلك بالتحديد ما أكسبها الفاعلية السياسية والاجتماعية والثورية. ذلك ما يعلمه الجميع ولكن الأكثر جوهرية هنا أن أسباب هذا التحالف ومقومات تماسكه *كانت لتكون مستمرة لو أن العقل السياسي السوداني كان أكثر وعياً بطبيعة الفترة الانتقالية وكونها استمراراً للمنفيستو الأكثر فاعلية في تاريخ السودان (تسقط بس). وهنا أؤكد تماماً أن السياق الأكثر صحة للفترة الانتقالية هو ذات سياق (تسقط بس). والطريف أن الوعي الشعبي كان مدركاً لذلك, فعدد من القروبات التي أشارك فيها في الواتساب على سبيل المثال قد غيرت أسماءها وعناوينها الأساسية لعبارات من شاكلة (لم تسقط بعد) و(تسقط تالت) .. إلخ. *والربط الطبيعي *هنا هو أن صلاحية الرابط الداخلي في طبيعة العمل التحالفي ما زالت قائمة إذا ما نظرنا للانتقال كامتداد ثوري أو مرحلة ثورية نحو تحقيق التحول المدني والديمقراطي والوصول لدولة الثورة.

كثيراً ما أستشهد هنا بمقولة السيد المسيح: (مملكتي ليست على الأرض, مملكتي في السماء), وبالقياس الصحيح فإن دولة الثورة ليست في الانتقال, *الانتقال مجرد مهمة ثورية لإنجاز (تسقط بس).* وبالتالي تتغير برايدايم التفكير, وتراكبت مدخلات التفكير في تراتبية ونوعية القضايا المركزية في أضابير الذهن السياسي على هذا النحو, لكنا خرجنا الآن لواقع أفضل ولو نسبياً.

ما نعيشه الآن يكشف بوضوح أن القضية المركزية هي الوصول للتحول المدني الديمقراطي, الوصول لدولة المواطنة والدستور وسيادة حكم القانون والتعددية الديمقراطية والحوكمة المدنية الراشدة وتعزيز قيم الحرية والسلام والعدالة كإطار للحكم المدني في السودان. وبداهة تتقدم مسألة بناء الإطار الصحيح للدولة على ما دونها, قضية كقضية كسر الدائرة الشريرة للانقلابات العسكرية والحد من قدرة الشمولية على استعادة نفسها بالانقلاب في وقت وجيز ما بعد الثورات الشعبية تمثل مركزاً ومنطلقاً لكل القضايا الأخرى, ويجب أن تتمتع بأولوية مطلقة عند صناعة أي رؤية سياسية تتناول الفترة الانتقالية.
الأمر هنا يبدو بديهياً جداً أليس كذلك؟.. ولكنه ليس كذلك عند العقل السياسي السوداني, هو – أي العقل السياسي السوداني- يفهم ذلك جيداً ولكنه لا يعمل بمقتضياته.

مركزية هذه القضية مثلاً تستوجب العمل على تكريس كل الموارد وتطويع كل المعطيات وتحشيد كل القوى ذات المصلحة في خوض هذا الصراع المركزي, ومن ثم اكتساب الزخم الثوري والفاعلية السياسية والعمق الاجتماعي وقوة الدفع اللازمة لكسر دائرة الانقلاب والحفاظ على مكتسبات الثورة والوصول بها لمحطة التحول المدني الديمقراطي.

2- غياب المفاهيم والرؤى الكبيرة يمثل أحد الإشكاليات التي قادت لهذه الوضعية المتشظية لقوى إعلان الحرية والتغيير. رؤى ومفاهيم من قبيل الفهم العميق للقصور الذاتي للثورة السلمية والتعامل الذهني الدقيق لتجاوز هذا القصور سياسياً وثورياً. ومفاهيم كالعدالة الانتقالية والبناء المؤسسي السليم والإصلاح الكلي للاقتصاد واستعادة مكانة السودان في المجتمع الدولي وطبيعة الهياكل الأساسية الحاكمة للانتقال وكيفيات ضبطها لخدمة التحول المدني الديمقراطي. غياب مفاهيم ورؤى تتعلق بالانفتاح السياسي على المجتمع ما بعد الثورة لاعتبارات تتعلق بالتحرك لمربع الحكم الذي لا يحكم جماهير الثورة بصورة حصرية، وإنما هو بطبيعة الحال يحكم كل أهل السودان ومن المهم بمكان أن يعبر هذا التحالف الحاكم (افتراضاً) عن الجميع.

مثل هذه الرؤى أهم بكثير من مجرد برامج اقتصادية ساذجة صيغت على عجالة وبشغف ثوري غير منضبط ومن قبل تيارات افتقدت حساسية الحكم بعد غيابها لثلاث عقود في غياهب المعارضة. برامج إسعافية ضعيفة المحتوى العملي وكثيراً ما تذكرني بعناوين الكتب الرخيصة كـ (كيف تتعلم إدارة الاعمال التجارية في 10 أيام).

وجود مثل هذه المفاهيم الكبيرة يقلل كثيراً من حدة الخلافات الأيديولوجية والبرامجية, كما أن عملية الفهم العميق للقصور الذاتي للثورات السلمية والمتمثل في ضرورة انحياز المكون العسكري *لها تركز ثقل التفكير السياسي والاستراتيجي في أوراق الواقع الحي والمعاش بعيداً عن الادعاءات والمزايدات المصاحبة للشعارات الثورية البراقة وسهولة ارتداء الزهو الراديكالي الثوري بدون فاعلية حقيقية في الواقع المعاش.*

3- *تباين المقاربات الفكرية للثورة السودانية وممارسة الاستعلاء الأيديوءلوجي والسياسي والنضالي على جماهيرها ذات القاعدة الفكرية والطبقية العريضة كان من شأنه صناعة بيئة مهيئة تماماً للتشظي والخلافات العميقة والموجعة*. ولعل من المدهش حقاً عدم ورود أي ذكر لثورة ديسمبر في اتفاقية جوبا لسلام دارفور ما عدا مرة يتيمة في المقدمة. وتبدو ملامح الاستعلاء على مكونات ثورة ديسمبر الجماهير واضحة في خطاب وسلوك الحركات الدارفورية الموقعة على اتفاقية سلام جوبا. ولا حاجة هنا لاستدعاء حديث جبريل إبراهيم وهو يتناول بمنتهى السخرية اعتصام القيادة العامة، وكيف أن الجماهير وجدت في الاعتصام الطرب والغناء والرقص والأكل والشراب و(الشاشات)، ويشكك في عملية تمويل الاعتصام، وهو التمويل الذي تنادت لها كل فئات الشعب السوداني خارج وداخل السودان تحت شعار (عندك خت ما عندك شيل) العظيم والسامي لدولة الاعتصام.

كما تواتر عن قيادات الحزب الشيوعي السوداني تسمية هذه الثورة العظيمة بالانتفاضة، وهو تعبير مقصود به التقليل من شأن الثورة وجماهيرها، باعتبار أن هذه الجماهير وبصورة طبقية لا تمثل بطبيعتها مكوناً ثورياً أصيلاً, وبالتالي تنتفي صفة ثورة ويتحول كل ما حدث لمجرد انتفاضة أو هبه شعبية محدودة الأثر في الطريق نحو الثورة الحقيقية. وهو موقف أيديولوجي مصمت في تقديري.

ويلاحظ في هذين التيارين تكرار مصطلح (أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير وجماهير الثورة). وللمسألة دلالات خطيرة وانعكاسات سالبة على طبيعة التحالف السياسي للمكونات المدنية المنتمية لهذه الثورة. فالآخرون المتحالف معهم (وفق رؤية هذان التيارين وبالخلفية المذكورة للتو) لم ينجزوا ثورة أصلاً, فالثورة صنعتها حركات النضال المسلح وكان لها السهم الاعلى فيها من ناحية, ومن ناحية أخرى فالجماهير التي صنعت الثورة كما هي طبقياً ليست إلا مكوناً طبقياً غير ثوري, وهم بالضرورة لا يمكن أن يمثلوا جماهير الثورة الحقيقية أو أصحاب المصلحة فيها. هذا التجريد التام للآخر من أي رصيد ثوري ونضالي يمهد الطريق لوسمه بالعمالة والخيانة ويهيئ العقل تماماً لتفسير كل المواقف على خلفية عدم الأصالة الثورية والاستعداد التام لممارسة الخيانة والمتاجرة بدماء الشهداء .. إلخ، المواويل المحفوظة.

4- *الاختلالات التنظيمية الهيكلية في قوى إعلان الحرية والتغيير والمؤثرة على آليات صناعة القرار داخل منظومة التحالف الذي قاد الثورة سياسياً.* وظهور تناقضات تتعلق بالأثقال الممنوحة لكل حزب أو كتلة في عملية صنع القرار مقارنة بالعمق الاجتماعي الجماهيري لهذه الأحزاب/الكتل.

5- *وجود تفاهمات خارجية لبعض القوى السياسية ما قبل وأثناء مسيرة الثورة. سواء أكانت تلك المرتبطة مع محور الإمارات ومصر السعودية أو تلك المرتبطة بالغرب*. مثل هذه التفاهمات والارتباطات يجب قرائتها مع الضرورة الطبيعية لسعي هذه الأحزاب لتشكيل بعد دولي وإقليمي مساند للثورة في تلك المرحلة، وهو أمر حيوي ومطلوب. صحيح أن النظام في ذلك الوقت كان يعاني من عزلة دولية ولكنها عزلة غير كاملة, وتحركت خارجية غندور والدرديري ما وسعها لإحداث اختراقات في هذا الملف. وتوجه السودان آنذاك بفاعلية تجاه دول *كبرى كروسيا والصين بالإضافة لمحور تركيا إيران قطر*, وكان لا بد من حراك دولي مضاد لقوى الثورة السياسية. *وهذه مسألة كانت تشكل ضرورة في ذلك الوقت حسب تقديرات تلك القوى السياسية ومن الممكن تفهم ذلك جيداً في إطار السياسة*. ولكنها شديدة الخطورة والعواقب كذلك, ويجب ضبط اتجاهاتها وبحيث لا تؤثر على القرار الوطني المستقل, حينها يتحول الأمر لعمالة وخيانة وطنية لتنفيذ الأجندات غير الوطنية والتحول لأداة في تحقيق المطامع الخارجية. وفي كل الأحوال شكلت مدخلاً للريبة والشكوك العميقة تجاه هذه الارتباطات وسرعان ما تحولت هذه القضية من خانة الشك لخانة الاتهام المباشر بالخيانة والعمالة في تصورات العقل السوداني القابل للتناول العاطفي الحاد للأمور والقابل بسهولة بالغة لتخوين الآخر في أجواء ثورية مشحونة كثورة ديسمبر مما مهد الطريق لهذا التشظي المعاش للمكون المدني للثورة.

6- *الأسباب متعددة بكل تأكيد, وديناميكيات الحياة السياسية تعمل وفق مبدأ التراكم، وبحيث تبدأ الظاهرة السياسية صغيرة ومحدودة وتتمدد بتراكم مدخلات التفكير الخاطئة* والتي تفضي بدورها لواقع أكثر تشظياً وبمدخلات تفكير أكثر أثراً في تكريس مزيد من التشظي. Negative feedback mechanism أو تلك الدائرة الشريرة المعروفة Vicious cycle … وهي دائرة ستؤدي وبصورة مباشرة إلى إتمام دائرة الشمولية والانقلاب من جديد *ولابد من كسر هذه الدوائر*.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *