‫الرئيسية‬ مقالات جراح وأشواك .. على جدار الحنين
مقالات - 13 أكتوبر 2021, 13:52

جراح وأشواك .. على جدار الحنين

عربدت المشاعر وحاصرتني التهاني وأنا أتجاوز العقد السادس من عمري.. وفي القلب دفء أن تحتفل بعد حين والوطن قد تعافى، وتمر خاطرة تزين خاصرة هذا الصباح والاحتفاء بأنه بعد ثلاثة عقود يحق لنا أن نفرح وأن نفتح أبواب الحنين.

رغم عبير الفرح ودفء الحنين، لكن تشعر أن في القلب وخزة، وعلى جدار المحبة والحنين، ترى أشواكاً وجراحاً نازفة تفرح باليوم ولا تمنعها من الحسرة على الأمس، جراحاً تحكي كيف استلبوا أحلامنا.. واستباحوا تاريخنا.. وسنين من عمرنا ونحن تحت سيوف الظلم والمسغبة، نتجرع الألم ونعايش النكبات والمحن.. سنين من عمرنا فرضوا أنفسهم بالبطش ليتسربوا جراثيم بين المسام ويسرقوا كل شيء جميل في حياتنا… فمهما فرحت بالحاضر وتسامت نفوسنا وزادت مراتب العفو والتسامح لن تستطيع النسيان.

فمازالت تحاصرك مشاعر الدهشة والغضب، حاشى أن تكون منابعها رغبات للتشفي والانتقام، ولكنها تساؤلات صادقة عن كيف فقد هؤلاء البشر قيم التعاطف وسمات الإنسانية، فلا ندم يطوقهم ولا حسرة على ما اقترفت يداهم، وفوق ذاك يلبسون ثوب البراءة ويزعمون أنهم ناصعو السريرة والصحائف ما داموا لم يشاركوا في سحل وتعذيب وفساد.

فيا سبحان الله، أي فساد أكثر من تكون أن جزءاً من آلة البطش تؤسس لها تدعمها وتغض الطرف عن الظلم، الذي يأخذ من عمر أهلنا وصفائهم…فيسرق النبض من حياة الشرفاء وأحلام الملايين.. فإن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس فما بالك إذا لم يكن سكوتاً بل دعماً وتهليلاً؟! وجزء من جهاز دولة الظلم والبطش تساهم في إطالة عمرها وتزين سوآتها.

حين قال شعبنا: “كل كوز ندوسو دوس” نقول لهم: عليكم أن تعلموا.. أن من أجرم فالقانون فيصلنا.. ومن شارك بالتأييد أو من صمت فلن نعفيه من غضبنا وامتعاضنا، وفي انتظاره دعواتنا وحساب الواحد القدير، ولن نستطيع أن نفتح له قلوبنا صفاء ومحبة فحاجز الدهشة يمنعنا أن نثق في إنسانية كل من كان جزءاً من عصبة الإنقاذ حتى وإن لم يصوب بندقية في قلوب الشرفاء، فإنه سرق من سنين عمرنا نضارتها، وكتب علينا المنافي والشتات، فزرع الجراح والأشواك في جدار المحبة والحنين… فكيف الباب للتسامح والغفران؟

إن باب الغفران تفتحه أحاسيس الندم ودموع الاعتذار فهي بلسم يمسح على الجراح ويزرع بذور التسامح.. ولكن كيف تهب نسائمه وخفافيش الظلام خلت قواميسهم منه وغابت عن قلوبهم الإنسانية ليروا كيف سرقت الإنقاذ من أحلامنا؟! وكتبت علينا الألم لثلاثة عقود تجرعنا فيها مرارة الحنين والفراق وقساوة الظلم وأحلامنا الموؤدة.

قلب لم يمر بخاطره أن يعيش بعيداً من نبع الوطن ولكن بين سنين الاعتقال ومحاربة في الرزق، ووالد تجاوز الستين يقضي الليالي في محطات البنزين ليوفر لقمة عيش شريفة، ووالدة فقدت معنى الطمأنينة من زوار الليل وهي تجلس على كرسيها حتى أنصاف الليالي تنتظر عودتك خشية ألا تعود.. فكانت حتمية الغربة والألم ولا مفر.

كتب يومها علينا المنافي لثلاثة عقود تعاقر الحنين، وأنت تفتقد في كل صباح دعوات حاجة سعدية وهي تتمنى أن تصبح في رعاية الله، وحاج إسحق يتمنى أن يحفظك الله من إخوان الشيطان كما يسميهم… كيف أنساهم ودموعهم وأنا أفارق الوطن والحاجه تقول: “أنا عافية منك وراضية عليك ويحفظك شقيش ما تقبل”.

من الذي أعطاكم الحق أن تسرقوا من أعمارنا سنين كنا نحلم أن نكتحل بمرآهم في كل يوم نتكئ تحت أقدامهم في الأمسيات، وبيننا شاي المغربية وحلو الحديث وضحكات من القلب تغسل الروح وتزيل الهموم والعنت.. سرقتم غير عابئين، كل ذلك كما سرقتم موارد الوطن ليبقى لي من حصاد تلك السنين بقايا ذكريات صعبة النسيان…. وأنا أسارع الزمن لأصل أرض الوطن من المطار لغرفة العناية المكثفة، لأكون بجانبه.

أو تلفون قبيح الرنين ونصل في القلب مازال يؤلم.. وأنا في أرض المنافي ينبئني بأن الوالدة قد توفيت..وأظلمت الدنيا وأظلم الوطن، ولن يكون كما كان بدون الحاجة… فمن أنتم لتسرقوا حلم أن أكون معهم أستزيد من نبع محبتهم وعذب حديثهم.. أرعى كبرهم وأجلس بقربهم وهم في فراش المرض… فيا جرحاً ما زال ينزف ويا ذنباً تحملون وزره فهل أنتم تشعرون..؟!

لم تكن المنافي داراً للمناحة والبكاء على حالنا، بل صارعنا الألم ورسمنا درباً للتطور في دروب المهنة والعمل، وإن تبوأنا المناصب ورسمنا الابتسامة على شفاه مرضاهم وطلابهم، لكن لم تفارق القلب ذكرى حاجة التومة التي تأتي من أقصى الغرب مع بنتها لثقة زرعها القدير في مقدرتي على شفاء وحيدتها، وهناك أيمن طالب الجامعة الذي فقد الثقة في مجتمعه من ذكرى الاغتصاب.. والعشرات غيرهم كيف أنسى دمعاتهم الغالية وأنا أخبرهم بأنني سأفارق الوطن؟!

أعلم أن رفاقي لم يتركوهم.. ولكنهم تركوا في قلبي جرحاً من المحبة ينزف… فمن أنتم لتكتبوا علي المنافي لأحرم من كلمات حاجة التومة ووجهها الصبوح ودعوات مرضاي بالله يخضر ضراعك… ولأفارق تلاميذي وزملائي الذين كانوا يتحلقون حولي نتدارس ونتحاور نزرع في عقولهم النضرة قليلاً من المعرفة وكثيراً من المودة وحب الوطن.. كيف أنسى أحضانهم الدافئة وعيونهم المبللة في أطراف الليالي وهم يقرعون الباب ليشاركونني لحظات الوداع؟!

في المنافي تجولنا بين ساحات المدن فرغم عصير الدهشة الأولى والانبهار لكنها كانت تفقد بريقها في ثوان، فهي لم تكن يوماً في الخاطر ولا في الأحلام، فما زال في القلب اشتهاء وحنين ينزف لرمال الكوة ولياليها.. وحواري أمدرمان.. وأزقة الموردة وشوارع مدني.. ورمال أمروابة.. وشواطئ بورتسودان.

فمن أعطاكم الحق لتسرقوا منا متعة التسكع في سوق الموردة، والعصرية في دار الرياضة أمدرمان، وأمسيات الأفراح والمناسبات مع الحبان، ومن خلفنا يسري صوت الباشكاتب ودندنة زيدان ومعه ضحكات من القلب تعطي للحياة معنى؟! كم كان حلمي أن أعيش بين أصدقائي وصديقاتي أمسح آلامهم، أراقب أطفالهم يكبرون، نقتسم الفرح والمعاناة، نتكئ على قلوب بعض في دروب الزمن، لا نفترق، لكن بكم أصبحت لحظات ألم في الموانئ ودموع فراق في المطارات.

رغم بطشكم تزودنا بالعلم وقليل من الزاد لنلقي عصا الترحال ونعود… وعدنا لنجد الفقر ضارب بجذوره، فصممنا أن نشارك أهلنا فيه، ولكن سيف الظلم كان مشرعاً، فلا وظيفة في الدولة المستلبة، ولا يخجل زميلك أن يصارحك متخوفاً أن تعمل في جامعته لأنك شخص غير مرغوب لدى السلطات… فترتمي في دوامة العمل الخاص فلا تقوى على أن تعيش على دريهمات لم تفهم مريضتك لماذا أرجعتها لها، بعد أن ذكرت لك بعفوية أن العلاج غال (والواحد بيقطع من لحمه) فلم تدر أنها بذلك قد حرمت نقودها عليك، ويومها رفعت عصا الترحال لتغادر وطناً استباحه الأوباش، وقفلت فيه أبواب الرزق، وطناً لم يغادرك بل كل يوم يتغلغل في القلب وما بين المسام.

نعم سأحتفي بفرحة ميلاد والوطن ترفرف فيه أعلام الحرية، وأركع لربي شاكراً أن أحضرني هذا اليوم… ويحق للقلب أن يمتلئ بالدفء والأمل.. ولن نتحسر على ثلاثة عقود من عمرنا حاول أن يسرقها الأوباش، ورغم الألم وعذابات المنافي لم نستسلم بل نحتنا على الصخر عذاباتنا وأحلامنا بيوم الخلاص… ولكن مازالت تخدش عبق الذكريات أشواك بطشهم وتجبرهم وسرقتهم للحظات صفاء وحياة كنا نحلم بها.. ليرسموا لنا سنين في المنافي لم نرغب فيها ولم نستسيغها… عشناها قسراً ونجحنا ونحن نعض على رصاص الألم.

لن نغفر لهم خطيئتهم فهي من الكبائر، ولكننا سنفتح باب التعايش معهم بحذر إذا تعلموا ما اقترفت يداهم وقدموا صفائح الندم ومطالب الغفران.. فإن لم يفعلوا.. وأشك أنهم فاعلون فقد كتبوا على أنفسهم غضب شعبنا وسخطه على كل ما ضاع ليؤخذون به عند عزيز مقتدر وليكون لنا كفارة وابتلاء في دنيانا يزكي نفوسنا ويرفعنا درجات في في عشق الوطن وفي مقامات الإنسانية والمحبة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *