منتصر عبد الماجد
‫الرئيسية‬ مقالات الانقلابيون.. الوثيقة الدستورية على أسنة الرماح
مقالات - 13 أكتوبر 2021, 9:36

الانقلابيون.. الوثيقة الدستورية على أسنة الرماح

كان متوقعاً أن يزور وفد الانقلابيين الدولة العبرية إلا أن المثير في الزيارة الطابع السري الذي فضح الخفايا التي دبرت داخل غرف تل أبيب المغلقة بغرض استجداء اعتراف دولي لانقلاب اللجنة الأمنية بعد أن منحته  “مصر -الإمارات” الضوء الأخضر، تمحورت الأجندة  المطروحة من الانقلابيين لإقناع الدولة العبرية بتسويق مخططهم للولايات المتحدة وإجبار إدارة بايدن للاعتراف بالانقلاب تحت الضغط اللوبي الصهيوني مقابل التعهد بالتطبيع وتقديم تنازلات كبرى لنجمة داوود في البحر الأحمر والتعدين والمجال الجوي، وتم استباق الزيارة بعرض اللجنة الأمنية لمسرحية صورت الخرطوم كساحة حرب مع الجماعات الإرهابية لتسويق فكرة أن الانقلابيين أكثر قدرة على إحكام السيطرة لمحاربة الإرهاب للإغراء بإشراكهم في الحرب على الإرهاب. وكعادة المجرم منذ الأزل لا بد من تركه دليل إدانته، وبهذا الإخراج السيء لفزاعة يستوجب على البرهان الإجابة على أسئلة تجريمية تتعلق بصلته بالجماعات الإرهابية بوصفه رئيس لجنة البشير الأمنية ومستودع أسراره، ولماذا قرر مصادمتهم  الآن، وهو على علم بنشاطهم قبل أعوام.

منذ أكثر من عام تناولنا مراراً حدوث انقلاب كامل وارتداد عن الوثيقة الدستورية خططته مخابرات دولة ترتعد من أن تمد جذوة حريتنا لشعبها المقهور، ورسمت سيناريو  انقلاب للجنة الأمنية عبر طريق طمس الحقائق بتزوير الوثيقة الدستورية تجنباً لصوت المارش العسكري الذى يوخز ضمير الغرب. ولم يكن يكتب نجاح هذا الانقلاب  لولا خيانه واستسلام بعض من مثلوا المدنيين في الحكم الانتقالي.

ويعكس مشهد البلاد السياسي اليوم حصيلة من حلقات تآمر متصلة منذ أن تناقلت الأسافير آنذاك صور ملابس الجنجويد المغسولة معلقة لتجف على جدران القصر الجمهوري وسط سخرية السياسيين قصار النظر  من تلك المشاهد التي حوت إشارة رمزية مفادها انتقال اللجنة الأمنية من الثكنات إلى القصر الجمهورى مقر الحاكم، ثم أظهرت جريمة فض الاعتصام من قتل واستباحة للنساء أنياب سلطة الأمر الواقع، لترهب على التفاوض والتوقيع على الوثيقة الدستورية بكل ثقوبها، وكانت اتفاقية السلام بجوبا وعرابها “حميدتي” الذي سلب الملف من المكون المدني الضعيف، بمثابة المارش العسكري للانقلاب ثم تلاه بيان الانقلاب الذي خلق واقعاً دستوراً مغايراً، وكان تعديل الوثيقة الدستورية لتعلو عليها الاتفاقية وإدخال مادة مجلس الشركاء، مع الاحتفاظ بأن هذه التعديلات إجراءً وموضوعاً مطعون في صحتها، حيث لا يجوز تعديل الوثيقة إلا بواسطة الأغلبية المطلقة للمجلس التشريعي الذي لم يتشكل حتى الآن وإجرائياً تم التعديل بمجلس وزراء به ثمانية وزراء مكلفين هم وكلاء الوزارات (الكيزان)، أما الظواهر الآنية مثل شخصيات الكمبارس  أمثال التوم هجو والناظر ترك وشاكلهم ليسوا أصلاً في خطة الانقلاب، وهم عربة يجرها حصان اللجنة الأمنية ويجيدون لعب الأدوار القذرة.

الآن القوى المدنية في مفترق الطرق بحكم حقائق على أرض الواقع تتمثل في انقلاب على الشرعية أعاد البلاد لزمان قبل ثورة ديسمبر المجيدة بنسخ غير منقحة من حوار وثبة المخلوع وزمرته، دون مساحيق أو تجميل هذا هو الواقع السياسي اليوم ولن يجدي لإصلاحه البكاء على اللبن المسكوب أو عنتريات من فرطوا في الحلم والتضحيات، وبالطبع يضع هذا الواقع أزمة القوى السياسية أمام خيارين، تبعات أحلاهما مر، وهما مباركة  الانقلاب ومنحه الشرعية أو رفضه ومناهضته والعمل على إسقاطه وانعتاق الثورة من شروط الشراكة المجحفة التي ألزمت بها دون مبرر.

وبغض النظر عن خيارات القوى السياسية تفرض المعطيات على القيادة المدنية تحمل المسؤولية الأخلاقية الوطنية البعيدة عن الضبابية وأنصاف الحلول، وعار أن نرى بعض السياسيين تراودهم آمال الاحتفاظ بقشرة  المكاسب التي منحتها لهم شراكة مجردة من أي سلطة ومناصب لا تقوى على إدارة شرطة المرور ويزيدهم عار سعيهم لوساطة ستفرض تقديم مزيد من التنازلات لشريك مفتقر للخلق والأخلاق ينفذ مخططاً دون شرف  يهدد شعارات الثورة، وهذه آفة القوى السياسية التي تعاني من معضلة افتقار للوعي والأخلاق.

ويكشف أزمة افتقار الحركة السياسية للوعي عدم وضعها لخطة واضحة المعالم في هذا الوضع المفصلي الذي يشكل فيه الزمن عاملاً حاسماً لمقاومة الانقلاب وإسقاطه وإسكات قادتها لانفعالات رد الفعل غير الموازي لسخافات وأكاذيب حميدتي، غير مدركين أن الانقلابيين يستندون لقاعدة عسكرية منظمة يساندها الفلول وانتهازيون، ويفرض الظرف الحالي على الحركة السياسية تشكيل خلية عمل طارئة ومرصد للتطورات وتحليل المعلومات وتبني خطاباً آنياً وفورياً لتعبئة الجماهير وتنظيمها لتكون جاهزة ومتأهبة تستلهم العبرة من تجربة دحر انقلاب اللجنة الأمنية فى 30 يونيو 2019.

أما الشطط أن تفرض الحركة السياسية على رئيس الوزراء أن يؤدي دور الوسيط بينها وبين العسكريين، وهي مهمة تتطلب الحياد، وتغفل روح نصوص الوثيقة  الدستورية التي تفصل مهام رئيس الوزراء في ضمان مدنية الدولة الذي هو شعار السودانيين، وبين يديه شرعية طلب الحماية من مجلس الأمن بالبند السابع  ويكبل دور الوسيط قرار رئيس الوزراء في الانحياز المطلق للمدنية، وتجعله عرضة لمساومات تقريب وجهات النظر والضغط على المكون المدني لتقديم مزيد من التنازلات.

والحركة السياسية مطالبة قبل أي إجراء بالتزام أخلاقي معلن تجاه تضحيات السودانىين والعمل بجدية ومصداقية لإعادة زرع الثقة بالاعتراف بالأخطاء التي رفعت على أسنة رماح الانقلابيين للمطالبة بدماء من قتلوهم  ونفترض في الحركة السياسية شفافية كاملة مشفوعة بنقد ذاتي وإنزال عقوبات على من فرطوا في التحول لإعادة زرع الثقة فيها لتنال دعم السودانيين الكامل، حتى تتمكن من تقديم مرافعة أخلاقية ذات مصداقية ومقنعة تدين الانقلاب ومن يقف وراءه من حملة قميص ابن عفان، هذا الطريق الأوحد أمام الحركة السياسية لتلقم حميدتي حجراً على بذاءته التي درج أن يوزعها على كل منبر وتفضح حقيقته البائسة، قاتل شهداء الاعتصام ومغتصب الصائمات، ولص ذهب السودان ومدبر أزمة الشرق المفتعلة بهندسته لاتفاقيات السلام  ومسؤوليته عن مسار الشرق، وتفضح بالدليل كذب الكومبارس أصحاب الأدوار القذرة بنشر إحصاءات عدد الوزراء والوزارات في اتفاقية محاصصات جوبا.

ما يقلق حقاً في المشهد الحالي عجز الحركة السياسية عن توضيح الحقائق للرأي العام مثل أن ملف الأمن وتبعاته من إغلاق الطرق القومية والفتن القبلية هو فشل المكون العسكري في أداء مهامه في حفظ الأمن بحكم الوثيقة الدستورية. وكشف أن المكون العسكري متسلط في 80% من اقتصاد السودان، ويشارك الدولة في مواردها بمرتبات ضباطه وجنوده وتمويل تسليحه ومركباته وعملياته وتعينياته، وحميدتي بوثائق البورصة العالمية يهرب الذهب إلى الإمارات، والأمر من ذلك لماذا يصمت متحدثو المكون المدني على اتهام الانقلابي برهان وحميدتي بأنهما طلاب سلطة وبإمكانهم الكشف عن أن أي  عضو عسكري سيادي يستحوذ على ست وظائف دستورية؟ لم لا يفضحون مناوي وجبريل بأن من لاخير له في أهله لا يتحدث عن الإصلاح؟ لماذا لا يفتحون ملفاتهم المشبوهة مع النظام البائد وهروبهم إلى ملاذ العمل المسلح؟ لماذا لا يكشفون للضحايا أن من وقعوا باسمهم صفقتهم المشبوهة ثمنها عدم مثول المخلوع للقصاص؟! أهو العجز ما لجم الألسن أم غياب الرؤية والإدراك؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 7

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

  1. للاسف مقال غير مهني، ويهبط بموثوقية الصحيفة ويضفي عليها طابع الكتائب الاليكترونية التي تستغل تدني وعي الجماهير

    1. على العكس تماماً، هذا مقال مهني ووطني وجدير بالقراءة لأنه يكشف مؤامرات هؤلاء الذين يمثلون الشق العسكري بمجلس السيادة على دولة الحقوق والمواطنة والعدالة المرجوة من جماهير الشعب السوداني في كل ربوع بلادي. ولكن هيهات هيهات أن يحققوا مخططاتهم فالشعب السوداني واعي وقد حسم أمره على رفض الحكم العسكري الشمولي إلى غير رجعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *