ثقافة - 11 أكتوبر 2021, 9:28

بت تمودة

أيمن هاشم

… ثم قال لي: قابلتها عندما كانت (تمرة) خضراء صغيرة، فصاروا يقولون عني: ظهر ود الحرام، لأنني لم أكن منهم.

النخلة التي حملتنا كانت كريمة وكانت القرى سبائط، لكنها في مخبئها طائر يُعُشرِقُ في حلقي. ثم تناول بيده الماء من الجدول وبلَّ ريقه، فصار صوته يستوي في جلسته بين النعاس والصحو، وعيناه التي تحدق أشارت للنخل الذي حركته الريح، ثم كان تساقط تمر الهبوب فأردف قائلاً: لم نكن نملك سعة صدر، عندما سقطنا إلى الأرض في البلاد الدميرة، تناثرنا كأولاد البارود.

سألته: من يقصد بالتمودة؟! وانتحى في نبرته إلى جانب الجريد ثم رسم بيديه قولًا عجيبًا لم أحفظ منه سوى آية: “المُحب في التراب أن تأخذه الغواية”. ثم قلب نواة تمر وكانت الدائرة في وضوحها كالسُّرة في الليلة المقمرة، وإن فكر فيه صُيِّرَ إلى جريد ونخل، فلما حركت الريح جلبابه، رأينا السعف في رسغه.

كُنا صغارًا، أذكر أننا تدفقنا عند ضفة النهر، وكان في عتمته يضلل السمك فيقفز لأيدينا، وقتها سحبت الشمس قفطانها الصفراء واستحالت السماء للبرتقال. خرجت بنات البحر من حكاية قديمة لأحد الأولاد الغرقى، يحملن خرزة الضريرة وكُنَّا من البلاهة بحيث رقصنا وهززنا الجريد الذي بلا سعف.

أما النهر الذي هو أب التمرات، كان يعي بأن عياله (الدِفيق) الذين يطفون في يديه، ممدين في الدميرة ومصحوبين بغناء القَانقُرد، كل ذلك والخريف يرمي شباله، وسوط المطر جلد ظهري.

ولكن كيف رأتك التمودة أول مرة؟!

قال: رأتني وأنا غَضٌّ، في خضرة بائنة، كنت أجلس في عتبة النظر حيث رياح العتمور تحمل سخونتها في بساط الشمس الدائم. عندما مرت قامت القُرير في صدري، قامت بشعرائها المائة. قمت بساقي الضعيفتين راكضًا من ظلّي ومتتبعاً إياها، وكان فستانها المُشجر يُسَرِّب زهور صباح الخير، ولكن هل قلتُ: صباح الخير؟! قلت أشياء لا معنى لها، أخجلتها، أربكت موسمها ثم كما نفعل للصبيات الصغيرات؛ قبلتها وختمت في خدها سورة الإخلاص.

ها قد عُدت للكذب مجددًا، لم أستطيع أن أقترب منها، والعصر، العصر الذي انسحب لتوه من بين أقدامي وصارت الظُلمة تشخبط بعتمتها سحب المغيب. تبادلت الأصوات أماكنها بهدوء تام وأنا مثل لص أتسَحَّبُ من سَهَرٍ لسهر لما يقرب الثلاثة أعوام.

كيف ونديداتها يحملن التيراب ويلقينه في الكلام: ود ناس فلان. كانت هنالك نحلة تطن في قلبي، قلبي صغير وتذوق العسل، أسكرتني الصبية شراب القنديلة المعتق، فقصدت بيوتهم للشراب، كنت أجفُّ ولكن هل هي التي أسمتك بلح الصير الفارغ؟!

هي التي بجريدها ظلَّلت بيوتي المسكونة بالشياطين، تخلقت من غربتي، منذ مطارين ونيف عندما كانت البلاد تستفرغ أولادها، إبان مرضها، لم يكن الصدأ يكسو عيني والشَّعر الأبيض ليس إلا شيبات ضللن الطريق مثل مخاوف أخرى، مخاوف أن تنمو التمودة خارج بيتي، تلك التي لم تضاهيها عجوة العرب.

كل شيء رأيته كان في قلب شجرة تمود، أسابق عيال الهواوير في اقتحام سماوات النخل، عضني نمل الدرة، شوك التَخَيُّل. وكانت هي في حوض البرسيم تقطف بلح التمودة، سالمتها بيدي الجافة وسرى الماء في شرارة اللمس، ثم فتحت باطن يدي هذه وكان المنجل قد أعمل فيها أخدود، فناولتني بيت عنكبوت، وبنى ذلك البيت فوق جرحي –حوش كبير وصالة وغرفة، هل عرفت لماذا أعطتني بيت عنكبوت ولم تناولني النطرون.

قلت لها: تحسسي يدي. إنها تحبك. أنظري لقدمي إنها تجري خلفك، أنظري إليَّ ولا شجرة محبة غيري. سال العرق من جبهتي وكان كل نهر في داخلي يمور والبلاد التي ودعتني قاصراً في سرير الأبدية لولا تمر التمودة، لولا مديدة الشهداء.

كنت قبل زمن طويل قد بادلت الوطن بكيلة عشم، عسى أن تكون التمودة منطوقة بشكل صحيح في لسان الفصول، في فم كل طفل كنته عند حَش التمر، تعشرق في حلقه حلاوة البنت.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *