منعم عمر
‫الرئيسية‬ مقالات  “كلّو بالغانون”……. (القضاء في قمته وترهّل العزيمة)
مقالات - 9 أكتوبر 2021, 14:28

 “كلّو بالغانون”……. (القضاء في قمته وترهّل العزيمة)

*منعم عمر

المحكمة العليا ليست – بحسب الأصل أو القاعدة – محكمة فصل في الخصومة، وإنّما جهة شكوى ضد المحكمة التي أصدرت حكماً مطعوناً فيه، من حيث صحة تطبيق القواعد القانونية وتأويلها، وكذلك من حيث الإجراءات التي اتبعت في المحاكمة، دون أن يكون لها التطفل في وصف الوقائع أو في تقدير الأدلة، فهذا هو الأصل العام في اختصاصها. ومن شروط الطعن أن يتم رفعه في القيد الزمني؛ وأن يكون محله هو الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف، وبعد استيفاء إجراءات الطعون، تنظر المحكمة العليا الشروط الشكلية في الطعن، والحكم المطعون، والأسباب، والطلبات، ثمّ تقبله أو تقرر عدم قبوله شكلاً؛ فإذا رأت بطلان إجراء رفع الطعن أو عدم توافر شرط من شروطه لقيامة على سبب غير الأسباب التي يجوز الطعن بناءً عليها، تصدر قراراً مستقلاً بعدم قبول الطعن وتنقضي خصومة النقض؛ أمّا عند قبوله فتفصل في موضوع الاعتراض استناداً إلى ما في الملف من الأوراق دون أن تتناول وقائع القضية. بيد أنّه من المعلوم أيضاً أنّ خصومة الطعن تقف بقوة القانون، إذا قدم طلب برد قاضي بالدائرة التي تنظر الطعن.

أبدى القانونيون الشرفاء ملاحظاتهم على الحكم في الطعن بالنمرة: (ط ت / 258/2021 م)، والطعن بالنمرة (ط ت/19/2021) و القرار (ط/10/2021) الصادر من الدائرة المختصة بنظر الطعون ضد قرارات لجنة الاستئنافات (“الدوائر” أو “الدائرة”) -أو غيرها من قرارات وأوامر رشحت في وسائل الإعلام قبل أن تصل إلى المطعون ضدّه (لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين واسترداد الأموال (“اللجنة”)- وأبرزت هذه الملاحظات بجلاء أنّ نيّة تشكيل الدائرة كانت (مبيَّتة)، لغرض ليس أقلّ إثماً من غرض الإعلام؛ فليس خفيّاً أن رئيس الدائرة له رأي مسبق حول قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989(“قانون التفكيك”) والإجراءات التي اتُّخذت بموجبه. طرحت هذه الدوائر قانون التفكيك جانباً ولجأت لقانون القضاء الإداري، دون سند من صحيح القانون؛ حيث أنّ تعريف الدائرة في قانون القضاء الإداري هي تلك المختصة بنظر الطعون والاستئناف ضد أحكام القاضي المختص بنظر الطعون الإدارية. وطالما أنه لم يصدر هكذا حكم من قاضي مختصّ بتلك الطعون فلا ينعقد لهذه الدائرة اختصاص؛ وبالتالي يكون نظر هكذا طعن (إن سُمّي طعن افتراضاً) من هذه الدائرة مخالفاً لقانون القضاء الإداري نفسه. هذا بالإضافة إلى أنّ قانون التفكيك قد رسم طريقاً محددة للاستئنافات ولا يجوز لأي جهة قضائية تجاوز هذا التسلسل؛ أمّا القول: “إنّ قانون التفكيك لا يُطبّق على القضاة” فهو إمّا استباق لما يخشونه، أو أنّ الدائرة لم تطّلع على قانون التفكيك؛ الذي نصّ صراحةً على سيادة أحكامه على أي قانون آخر عند التعارض، وبالتالي فهو يُطبّق على القضاة وغيرهم من العاملين بأجهزة الدولة!

لم تكترث الدائرة أنّ من صلاحيات اللجنة أن تحلّ، وتحجز، وتستردّ، وتنهي الخدمات، وتعفي، وتطلب المعلومات، وتستدعي، وتخضع قراراتها لمراجعة وطرق طعن خاصة؛ فكيّفت القرارات كأنّما هي ادارية تأديبية، وقالت أن قرارات اللجنة غير مسببة؛ بينما هي التي لم تطلب من اللجنة أية ملفات. أمّا اعتبار أن التظلم قد رُفض من لجنة الاستئنافات؛ فهذا تجاسر على لجنة الاستئنافات وإلغاء لدورها، الأمر الذي لا يليق بقضاء نزيه ومحترم؛ تماماً كما تليق السخرية في قول:(” هناك تقاعس في تشكيل اللجنة الاستئنافية، وذلك يقدح في تطبيق شعارات الثورة، ……… ولكن هيهات”) وهذا والله هو الذي يقدح في عدالة الدائرة؛ وهذا (الهزء) لا يليق بالقضاء ولا برئيس الدائرة! فانحرفت الدائرة وحكمها عن الحق، كونهما لم يلتزما بالتسلسل في نظر الطعون، وأدخلا قسراً قواعد القضاء الإداري في أمور يضبطها قانون التفكيك. وعليه، يكون الحكم قد صدر من دائرة غير مختصة وغير ذات ولاية على اللجنة؛ وخارج نطاق الولاية القضائية للدائرة التي أصدرته. واختصاراً هذه الدائرة غير مختصة، ولا أثر قانوني لما أفتت به، وما جاء منها مجرّد رأي غير مطلوب وغير ملزم!

ومن المعلوم أنّ المحكمة في قانون التفكيك يشكّلها ويحدد صلاحياتها رئيس القضاء؛ ويجوز الطعن أمامها في (قرارات لجنة الاستئنافات) خلال اسبوعين من صدور القرار. رغم ذلك، لم يُشير الحكم إلى أمر تشكيلها أو صلاحياتها، بينما كان عليها -إن تشكّلت وفق صحيح القانون- أن تقضى بعدم قبول الطعن لوروده على غير محل، بدلاً عن المبررات الواهية، فعدم تشكيل لجنة الاستئنافات لا تصلح كأسباب لقبول الطعن عدالةً لأنّه لا اجتهاد مع النصّ؛ كما أنّ الحكم جاء معيباً بالقضاء بما ليس له أصل ثابت بالأوراق، فالمحكمة لم تطلب ملفات ولم تطّلع عليها.

والدارج أن الدائرة تطلب من الجهة التي أصدرت القرار المستأنف، إرسال الملف لدراسته والطعن المقدّم معه، لكن هذه الدائرة بانعدام صفتها القانونية، وبإلغائها قرار اللجنة دون الاطلاع على الحيثيات والملف، تكشف التدني المريع في العمل القانوني على مستوى المحكمة العليا، الذي يتطلّب وقفة و(تفكيك)، فيجب على رئيس القضاء (المكلّف) أن يتدخّل لحسم هذه التشوش الإجرائي، لأنّ مثل هذا الحكم بجانب طريقة سير أمور العدالة بهذه الكيفية يعتبر فضيحة أخلاقية ووطنية ومهنية، من جهات يفترض فيها أنّها حارس للعدالة. فلا مناص من تفكيك هذه الدائرة لإعاقتها سير عمل اللجنة ومن ثمّ تفكيك المحكمة العليا -وإعادة تكوينها وفقا للكفاءة والنزاهة واحترام قدسية القضاء-. وعلى نائب رئيس القضاء الاستقالة فوراً، إن لم يفعل ما هو مكلّف به. فلابدّ من نزع اوتاد التمكين، وملاحقة قضايا الفساد ونهب الأموال العامة، ولا تردّد في فصل القُضاة والمستشارين القانونيين الذين ينطبق عليهم القانون (أمثال قُضاة الدفاع الشعبي والقُضاة الأمنجية ومن يحملون بطاقة المؤتمر الوطني المحلول) فنحن لا نبحث عن انتقام؛ لكن العقاب هو جزء من حكم القانون والإفلات منه يساهم في الأوضاع التي تسبب الفساد.

فكيف لرئيس الدائرة -كقاضي عادل- أن يندفع وراء رأيه في اللجنة وقانون التفكيك، ويبتعد عن القانون، ليَدخُل هو ودائرته فيما لا يَدخُل في ولايتهم، وهو بلا شك يعلم أن النظر في قرار لم تنظر فيه الدائرة الاستئنافية التي نص عليها قانون التفكيك، خطأ بيّن. ويعلم أن النظر في الطعون دون طلب الملفات التي أصدرت فيها اللجنة قراراتها، خطأ بيّن. ويعلم تمام العلم أن التعرض للقانون من زاوية عدم صحته، خطأ بيّن فالقاضي يطبّق القانون ولو كان معيباً، والقانون يُطبّق كما هو وليس كما ينبغي أن يكون!

ولمّا كانت مسألة الاختصاص والولاية القضائية من أول المسائل التي تُبحث قبل الخوض في موضوع الطعن، مع تبيان القانون الذي استمدت منه ولايتها للنظر في القرار الصادر من اللجنة؛ يبقى السؤال: “هل صدر -صحيحاً- قرار من الجهة المختصة بتشكيل هذه الدائرة للنظر في قرارات اللجنة؟” وبالنفي، يصحب هذا السؤال اتهام بأن هذه الدائرة تم تشكيلها من مغاضبي اللجنة! وفوق كل ذلك، أن يكون من ضمن عضوية هذه الدائرة أحد خصوم اللجنة المطعون ضدّها، وهو القاضي الذي تمّ فصله بقرار صادر من اللجنة، فهذه لوحدها تمثِّل فضيحة قضائية غير مسبوقة؛ فيجب عدم السماح باستمرارية أعضاء هذه الدائرة في العمل القضائي؛ ويجب مناهضة الحكم بكافّة الطرق القانونية حتى ولو بدعوى ضد الهيئة القضائية، فدائرة الطعون بالمحكمة العليا غير مخوّلة قانوناً بتخطّي المرحلة الاستئنافية، وقراراها يكون مبنياً على قرار لجنة الاستئناف نقضاً أو إجازة!

وبينما يستمر الجدل حول اللجنة، دوراً وقانوناً وإجراءات (وهذا جدل مشروع، خاصة في أوساط القانونيين)، فإنّ مثل هذه المحاولات المستهجنة لإعاقة عمل اللجنة من قبل قيادات نافذة بالدولة، والآن من السلطة القضائية يؤكد بأنّ البعض مازال لديه ارتباط بالنظام البائد ويعمل من داخل حكومة الثورة لتقويضها؛ مما يستوجب تفكيك الأجهزة العدلية والقضائية التي تُعطِّل مشروع بناء دولة القانون، وإنّ قانون التفكيك وضّح بما لا بس فيه أنّ قرارات اللجنة يمكن مراجعتها أمام اللجنة نفسها، ثم الطّعن فيها أمام لجنة الاستئنافات ثم القضاء. وطالما أنّ الوثيقة الدستورية بموجب المادة 8 (15) نصّت على تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989 وبناء دولة القانون والمؤسسات فلن ينال وصف أصحاب الغرض منها بأنها لجنة سياسية، ولا يعيبها ذلك؛ كون المطلوب منها -أصلاً- أن تكون كذلك وتعمل لتحقيق أهداف سياسية معلومة ومطلوبة؛ فهي تشكّلت لتساعد في هدم نظام سياسي فاسد وإقامة نظام سياسي جديد صالح. وهذا ما ينبغي أن تفعله. ولا بأس أن ينبني نقد كفاءتها القانونية من حيث توافق أعمالها مع قانونها، علماً بأنّ الانتقال ستكون سمته استمرار التطوير ليس لأعمال لجنة التفكيك فحسب، بل القضاء نفسه وكل أجهزة الدولة التي يجب أن تتحصّن أعمالها جميعاً أمام الفحص القضائي (النزيه)؛ فهل لدى مولانا (أبوسبيحة) إلى معالجة الأمر من سبيل، أم ترهّلت العزيمة؟ وإن أراد تناصحاً لا تغالبا، نقول له “ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل وأدركه”!

_____________________________________

*عبد المنعم عمر إبراهيم – المحامي والمستشار القانوني

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.5 / 5. Total : 8

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *