‫الرئيسية‬ سياسة انقلاب القاعة .. ما العمل؟!
سياسة - مقالات - 8 أكتوبر 2021, 15:35

انقلاب القاعة .. ما العمل؟!

وائل محجوب

• المخرج الشجاع الذي يخرج القوى السياسية التي فرضت رؤيتها القاصرة للتعامل مع الواقع السياسي ولجهاز الدولة وهيمنت على المشهد لعامين من وهدتها الحالية وحالة التفكك السياسي العام الذي نشهده لتحالف قوى الحرية والتغيير، لا يكون إلا بالاعتراف الأخطاء السياسية الكبيرة التي وقعت منذ الثالث عشر من أبريل وحتى اليوم، على مستوى الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية ومختلف القرارات والهيمنة على التحالف وسوء اختيار وإدارة العمل التنفيذي للدولة والإقرار بها.

• هذه هي الفريضة الغائبة من قوى سياسية تحالفت باطنياً وآثرت طوال الفترة الماضية الالتفاف على القضايا وقطع الطريق على أي مطالبة بالمراجعة والإصلاح للتحالف، وعمدت إلى تحصين قراراتها وتركيز سلطاتها داخل التحالف من خلال التلاعب في حجم ومستوى التمثيل، وقفل الباب أمام قوى الثورة وتمثيلها، ومحاولات التكويش والهيمنة تحت ذرائع حماية الحكومة الانتقالية، وإهمال القضايا الحقيقية للانتقال، والتنكر لأهداف الثورة والترفع عن شارعها.

• هذا الشعب الذي ظل يطالب بتنفيذ أهداف وشعارات الثورة مليونية تلو الأخرى، ويراقب ويرصد ويعترض على المسار السياسي لتحالف الحرية والتغيير والحكومتين الانتقاليتين، لن يعطي شيكاً على بياض مرة أخرى لأي جهة، ويجب أن يكون واضحاً للقوى السياسية التي قزمت الثورة، وقدمت واحدة من أسوأ نماذج العمل السياسي والتنفيذي في تاريخ البلاد، وقادت لتفكيك التحالف السياسي واختطافه، إنها لن تستطيع أن تسترد ثقة الناس فيها، وتبارح ما فعلته بغير مكاشفة وإقرار بالأخطاء بلا تلجلج أو التفاف، وعليها فقط أن تراجع موقف الشارع منها، حتى تدرك لأي مدى وصلت عزلتها والانفضاض عنها.

• المخرج الوحيد المتاح أمامها لمعالجة الهوة السحيقة التي باتت تفصلها عنه، إذا أرادت معالجة إخفاقاتها وإنهاء حالة الصدام مع الشارع، هو جرد حساب ومراجعة ونقد ذاتي عن كل الأخطاء والإخفاقات التي لازمت مسارها سوأ على مستوى التحالف السياسي أو الحكم، وإقرار صريح بأن ما كان يجري في هذه البلاد في الحكومتين الأولى والثانية تقاصر عن إنجاز مطلوبات الثورة الحاسمة، وتسبب التراخي وضعف الكوادر المقدمة للقيادتين السياسية والتنفيذية في تمكين المكون العسكري من مفاصل الحكم، وبالتنازل عن السلطات والصلاحيات والسماح بالتجاوزات في مختلف ملفات الحكم.

• وبدلاً من المحافظة على السلطات والصلاحيات الواسعة التي أعطتها الوثيقة الدستورية للحكومة كما بينا كثيراً، وانتزاع المزيد لجهة هيكلة الأجهزة والقوات الأمنية والشرطية، وإصلاح المنظومة العدلية، ووضع موارد وإيرادات جميع مؤسسات الدولة تحت ولاية وزارة المالية، وتطبيق العدالة في فاسدي ومجرمي النظام البائد، تبدل الحال للضعف السياسي والحكومي لتصبح غالبية الملفات بيد العسكر:

– مباحثات السلام
– الملف الاقتصادي
– السياسة الخارجية
– الأجهزة الأمنية والشرطية
– التحكم في اختيارات القضاء والمنظومة العدلية

فما الذي تبقى للحكم؟! وهل ثار الناس لتتولى حكومة وقوى سياسية تملك ولا تحكم مثل ملكة إنجلترا..؟!

• لقد قاد هذا الضعف وسلسلة التنازلات لما نشهده الآن من طمع وشره للانفراد بالسلطة انقلاباً، ومن تمدد لعناصر النظام البائد وحلفائه وصل مرحلة الاستخفاف بالثورة ورموزها والتآمر عليها علناً وعلى رؤوس الأشهاد.

إذن تبدأ المراجعة بالمكاشفة والصراحة والحقيقة والنقد والنقد الذاتي هذا فيما يلي الحاضنة السياسية.

• أما فيما يهم القوى الثورية، هناك وقت كثير قد ضاع وتبدد دون إنجاز ملفات مهمة في سبيل حماية الثورة وفرض التحول الديمقراطي، فعلى المستوى المهني لم يتم إحراز تقدم في تأسيس النقابات، وعلى مستوى لجان المقاومة لم يتم إحراز تقدم في اتجاه تنظيمها وتطويرها لتصبح جسماً متماسكاً، يحوز على الشرعية الشعبية بعدما تفككت الشرعية الثورية بفعل صراعات القوى السياسية وتنازعها حولها، والواجب المقدم بلا إبطاء هو العمل في هاتين الجبهتين دون كلل أو ملل لإنجازها، كقوى فاعلة ورئيسية وقائدة، وهي القوى التي تلعب دوراً حاسماً في أي مواجهة في طريق حماية البلاد من مخاطر الانقلاب العسكري، وانتزاع الحريات والديمقراطية.

• إن معركة إزالة آثار الحكم الإنقاذي العضوض الذي استمر لثلاثة عقود على جهاز الدولة ومؤسساتها وعملية التسييس والتجريف التي طالتها، وتخريبه المنهجي للحياة السياسية وللاقتصاد والمجتمع، هي معركة طويلة، وتحتاج لتماسك ونفس طويل ورؤية واضحة تنبني على اتفاق تام، ولاستيعاب لتعقيداتها، وهي ليست معركة تحسم بالضربة القاضية للأسف، يكفي فقط النظر لكل هذه الفخاخ على الطريق من تضعضع دولة القانون وانتشار المليشيات وبؤر الفساد والنهب المنظم لثروات البلاد، ومن هدم للنظم والقوانين، ومن تخريب طال مختلف المؤسسات العامة وأجهزة الدولة، وبغير استيعاب حقائق الموقف ودون هذه الخطوات الأساسية والحاسمة، لن ينفتح الباب لإعادة تأسيس سياسي قادر على مواجهة هذه التركة المثقلة، ولا مجال لاستعدال الخلل السياسي الكبير الذي نعيشه، ولن يخرج الناس من هذه المتاهة بتصور جديد إلا بعد هذه المراجعة.

• لقد دعوت قبل أشهر لقيام تحالف جديد بين القوى السياسية والمطلبية والمهنية التي نازلت الإنقاذ طوال عهدها مع القوى الثورية التي أفرزتها ثورة ديسمبر وتكوينات أصحاب القضايا المطلبية ومتضرري العهد البائد، والأجسام النقابية والحركات المسلحة “داخل وخارج اتفاقات السلام”، وقلت يومها إن هذا الفراغ السياسي لن يقود إلا لتقويض الانتقال، إذ إنه يفتح الباب واسعاً لتمدد عناصر الثورة المضادة من النظام البائد والانتهازيين من كل شاكلة ولون، فالطبيعة لا تقبل الفراغ، وكذلك السياسة.

• وطالبت بقيام تحالف سياسي وبرامجي ومطلبي يملأ الفراغ السياسي، ببرنامج لحمته وسداه أهداف الثورة وشعاراتها، وتتوسطه القضايا المطلبية لمختلف الفئات في كافة أنحاء السودان، برؤية واضحة لحلها، وبتشكيل جبهة قوية وصانعة للتغيير، تتمحور حول قضايا العدالة والسلام العادل وتفكيك النظام البائد ورد الحقوق ومعالجة الظلامات التاريخية.

• وكان قيام هذا التحالف سيمثل ترياقاً مضاداً للتنصل من شعارات وأهداف الثورة من قبل الحكومة، إذ إنه قادر على فرضها، وعلى الإطاحة بها متى ما حادت عنها، وسيهزم دعاة القبلية والجهوية في مختلف أنحاء السودان بتبنيه للقضايا الحقيقية، ومواجهة أي محاولات انقلابية مدنية كانت أو عسكرية، بجبهة قوية ومتماسكة على مستوى البلاد، وما تزال فرص قيام هذا التحالف متوفرة، وإن صارت مطلوباته وتحديات قيامه أكبر، غير أنه لا غنى عنه، وكانت هذه حوبته.

• المطلوب باختصار:

– تشكيل أكبر جبهة لمواجهة مخاطر الانقلاب، تضم القوى الحية ببرنامج عمل واضح للمواجهة بخطوات والتزامات.

– جرد حساب شامل لكل مسيرة الثورة منذ الثالث عشر من أبريل، بمشاركة كل أطرافها يقدم رواية واحدة متماسكة للرأي العام، حول كل ما جرى مع نقد ذاتي ومحاسبة.

– تأسيس تحالف على نسق سياسي، برامجي، ومطلبي، ببرنامج سياسي، وتقديم رؤية متكاملة للتعامل مع كل قضايا المرحلة.

– العمل بشكل جماعي لتأسيس النقابات دون إبطاء، ودون انتظار لقانون تصدره السلطة.

– استكمال إعادة بناء لجان المقاومة على مستوى السودان بالانتخاب، واكتسابها للشرعية القاعدية على مستوى الأحياء، والمدن، وتشكيل قيادة جماعية موحدة لها على مستوى الولايات والمستوى القومي.

– التوافق على كل قوانين التحول الديمقراطي، وكل أجسام وهياكل الحكم التي تؤدي إليها، والعمل على إنفاذها استناداً على شعارات وأهداف الثورة.

-قيادة نشاط جماهيري يهزم حالة الموات الراهنة، ويسترد ميزان القوى لصالح الحركة الجماهيرية، ويغلق الباب أمام عناصر الثورة المضادة ويهزم الفلول سياسياً وإعلامياً، ويعيد الزخم لشعارات وأهداف الثورة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال