‫الرئيسية‬ مقالات تحول ديمقراطي سياسي انتخابي أم ديمقراطي نهضوي؟
مقالات - 15 سبتمبر 2021

تحول ديمقراطي سياسي انتخابي أم ديمقراطي نهضوي؟

وجدي كامل

القراءة الفاحصة المتأنية لروح، وشعارات، ومطالب التغيير ذات الصلة بالبناء النظري لثورة ديسمبر المجيدة تقتضي طرح سؤال: ما إذا كانت الجموع، والحشود التي خرجت في مواجهة آلة القمع الإنقاذية، وسلطة الإخوان المسلمين قد نادت، وتنادت فقط، لمرحلة انتقالية، ومن ثم، إلى انتخابات تتيح تنافساً انتخابياً بين الأحزاب يفضي بالفائزين إلى سدة الحكم، أم أنها نادت بتحول ديمقراطي نهضوي يعتمد آليات مستحدثة لإعادة تشكيل المجتمعات السودانية لا تقف عند الديمقراطية السياسية، وإنما تتعداها إلى التأسيس للنهضة الكلية بإعادة ترتيب أوراق السياسية السودانية وتحديث خطابها منذ نشوء السياسة، والحركة السياسية والأحزاب بالبلاد؟

ففي لجة السؤال تختصم المكونات السلطوية، وتحتال السلطة الانتقالية على القوى الشبابية المفجرة للثورة. وهنا تقوم المسافة التي تفصل الأحزاب، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني من الرؤية الشبابية الثورية التي قادت معركتها على الميدان، وضحت لأجل غاياتها بالدماء والأرواح. فالآن، وبعد مضي قرابة الثلاث سنوات، يبدو واضحاً تجاذب المكونات، ووحدة الاستقطاب، والصراع على السلطة الانتقالية المحتشدة بالتناقضات، ليس فقط مع القوى الثورية الشبابية المتعددة غير المتحدة، ولكن مع عامة الشعوب السودانية التي لا تزال ترزح تحت نير العسف، والنهب، والاعتداء على الكرامة، والثروات.

وقد لا يبدو مهماً هنا ذكر تفاصيل الخذلان الذي يعيشه الناس بعد ثورتهم المجيدة، بقدر ما يستوجب الأمر ذكر أن ما يحدث لهم يمكن إجمال تعبيره في كلمة (العقاب) العقاب النوعي، المكثف، البالغ اللؤم من جهة العقلية العسكرية، والحزبية المدنية، بسوء طوية عميقة من قبل التحالف الحاكم الحالي. فالذي يتم أقرب إلى الاستهتار واللعب، والعبث بالعقول، ليس فقط من هذا الائتلاف الحاكم، ولكن من المجتمع السياسي الذي يبدو أقل قامة بكثير من متطلبات الثورة وأحلام التغيير.
فما لا يناقشه المجتمع السياسي أبداً، ولا يسمح بمناقشته البتة يتلخص في النقد الذاتي الذي يؤدي إلى الاعتراف بفشل البرنامج الناتج من عدم حيازة النظرية الثورية القادرة على القضاء على تركة حكم الإنقاذ الحالك الظلام.

وتتمظهر ورطة الائتلاف الحاكم والقوى الحزبية ذات الرغبة في الحكم مستقبلاً، في اغترابها التام عن القوى الشبابية ذات الدور الأصيل في صناعة الثورة وعدم التلاحم فيما بينهم وبينها، كما استبعاده لحقائق التطور المعرفي والتقني الذي جرى بالعالم، فصنع أجيالاً من السودانيين الأكفاء غير الحزبيين الذين يتوزعون بين الإقامة بالداخل ومختلف الدول. أكثر من ذلك فقد خلقت القوى السياسية كانت ممثلة في إعلان الحرية والتغيير فاصلاً وجداراً سميكاً بينها وبين الشبيبة الثوريين، والكفاءات العلمية بوضع شروط واشتراطات واهية وخبيثة تمنع المشاركة الفاعلة لكل أولئك في عملية إدارة الدولة ما لم يكونوا أعضاء بها. وللأسف، فإن مفهوماً كهذا قد تم تمريره، والعمل بمقتضاه دون أن يجد المناقشة الديمقراطية الواسعة والصارمة الدقيقة بين أحزاب إعلان الحرية والتغيير وأصحاب المصلحة من السودانيين المستحقين للتمثيل بإدارة بلدهم من غير المسجلين بها، ليساعد في ذلك عدم انتظام الكفاءات المستقلة بتنظيم سياسي يضمهم، ويوحد كلمتهم.

ورغم تشكيل الحكومة الأولى بتحيز لافت، وانحياز شخصي اتفق على تسميته بالشللي، من أعضاء المجتمع المغلق للحرية والتغيير المتوزعين بين التنسيقية والمركزية، إلا أنها أتت ببعض شخصيات منتمية لروح الثورة وأهدافها في مثالي الدكتور أكرم علي التوم والبروفيسور محمد الأمين التوم، لتواجه هذه الشخصيات بعد قليل، استبعاداً من رئيس وزراء كانت قد رشحته وأتت به الحاضنة دون مطالبة الرئيس بشفافية واضحة تصل إلى مسامع وعيون الرأي العام توضح أسباب استبعاد الأول، والسكوت حتى اللحظة الراهنة على الوضعية المعلقة للثاني. لقد لاذت الحاضنة بالصمت المطبق، وعدم الاحتجاج، أو المؤازرة بالدفاع عنهما بوصفها الجهة التي قامت بترشيحهما.

ويمكن القول بأن استبعاد هذين الرجلين وبقاء الضعفاء قد فتح شهية بعض الأحزاب، الأحزاب الأربعة المؤتلفة فيما بعد للتقدم للمشهد بحجة أنها الأحق بتحقيق برنامج الثورة عبر الجهاز التنفيذي بمفاضلة ثورية مفخخة لا يسندها منطق أو أساس. لقد كان ذلك أمراً مربكاً ومرعباً للغاية بأن تأتلف أحزاب هي جزء من خارطة حزبية عريضة مناط بها التحضير وفتح الطريق إلى الحياة الديمقراطية، والتنافس على صندوق الانتخابات بعد الحقبة الانتقالية لتختطف الجهاز التنفيذي، وتقتسم حقائب وزارته لمنسوبيها.
لقد بدا المشهد محزناً للغاية للسودانيين الذين راقبوا ويراقبون ما يجري بمنتهى العناية والدقة.

فالذي جرى كان أقرب إلى التهجم، والاعتداء، والاختطاف، منه إلى تفاهمات مرحلية فرضتها (اتفاقية جوبا) التي سيفتح ملفاتها مستقبلاً الفحص والتحليل السياسي النقدي بصفة أعمق وأوسع، وتسجل أسرارها المخزية بصفحات التاريخ. ما حدث في الحقيقة العارية انقلاب على انقلاب كانت قد قامت به اللجنة الأمنية العسكرية في المرة الأولى، وساهمت في تنفيذه بالمرة الثانية بصيغة التحالف الماكر. فالهوان الذي لاحظته اللجنة ومنذ التوقيع على الوثيقة قد عبر عنه أعضاء بارزين بها، بالقول بأنه ليسوا أمام حاضنة تمثل الثورة بشبابها وشاباتها بقدر ما هم أمام زمر وعصب من الطامحين للمناصب العامة وأخذها كغنائم، رغم أن المجلس العسكري نفسه كان ضالعاً في استبعاد القوى الثورية الحقيقية بأشكال شتى، ومنها واقعة فض الاعتصام.

الشعوب السودانية ومجتمعاتها الآن تتلقى الهزيمة تلو الهزيمة في ثورتها، والتدهور العام خير دليل على ذلك، ولكن خطابات الاستفزازات المرسلة من قادة عسكريين ميدانيين من الحركات المسلحة تزيد من وقع كل ذلك، وترفع من وتيرة السخط عند الشارع الذي يراقب العبث والاستهتار بالثورة. إنهم لا يستحون أو يندى لهم جبين وهم يطالبون بالدعم المالي تلو الدعم لإقامة حفلات التنصيب المكلفة، ولا يتورعون من التصريح بأنهم لن يتوقفوا عن (الشحذة) داخل الحدود، وخارجها، بغرض الإصلاح داخل أقاليمهم التي لا تزال تشكو معسكرات لاجئيها من التكدس، والفاقة، والهشاشة الأمنية التي تضلع في أحداثها مكونات عسكرية تعتبر جزءاً من التحالف الذي أتى بالحاكم الإقليمي الباحث عن المال باسم التنمية، ومصالح مواطني الإقليم. لقد حل مفهوم صريح وواضح بعد دخول الحركات المسلحة كلاعب جديد بأن لبعض رجالاتها نزوعاً لقسمة واقتسام السلطة مع العسكر، وبناء ترسانة من الاستبداد الجديد. استبداد يأتي مختلطاً هذه المرة بالفوضى، وتقديم لغة السلاح على لغة العقل، وأخلاق القيادة الحكيمة، الرشيدة، والحكم الراشد.

فالصورة الحالية لمحتوى الحكم تُجهر بإعادة بناء سيكولوجية القهر للناس، والاستثمار في مادته لأقصى حدٍ ممكن، طمعاً في الثروة، وتغذية أوضاعها من مال الدولة لتعود لتدويره بشراء أصوات الناس غداً، حتى يتم ترشحيهم للقيام بالسرقات الكبرى المقننة. وبالعودة لسؤال عنوان هذا المقال، فسوف تبدو الإجابة مخيبة للآمال إذ إننا غالباً، وبحكم ما يجري، لسنا بصدد تحقيق ديمقراطية سياسية نزيهة، دعك من ديمقراطية تستهدف إحداث النهضة الكلية للمجتمعات السودانية، وتعمل على تنمية الثروات، والقدرات، والموارد البشرية. فتلك دولة تحتاج إلى قيادة مستنيرة واعية ومستجيبة لتطلعات مواطنيها، وحقوقهم في العيش الكريم. إن ما يجري حالياً يبدو أنه الأقرب إلى الانفلات، والفوضى العارمة التي تمد رؤوسها في الحياة الاقتصادية، والمجتمعية الأمنية، وتمد ألسنتها لثورة مجيدة جرت في هذا البلد العظيم بأهله.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *