‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. خيبة آمال اتفاقيات السلام والمصالحات الواعدة
مقالات - 12 سبتمبر 2021

السودان.. خيبة آمال اتفاقيات السلام والمصالحات الواعدة

*بقلم: جهاد مشامون

تمهيد

أظهر المجتمع المدني في السودان أنه قوة قادرة على المصالحة بين الأطراف المتصارعة. وفي الواقع، فإن إشراك زعماء القبائل والجمعيات النسائية والجمعيات الدينية في التوفيق بين المعارضين الجنوبيين مهّد الطريق أمام الجيش الشعبي لتحرير السودان لإنجاح التفاوض والتوقيع على اتفاق السلام الشامل (CPA) في عام 2005 مع نظام الرئيس السابق البشير (1989-2019) الذي أنهى أطول حرب أهلية في أفريقيا.
ومع ذلك، فإن عدم إشراك المجتمع المدني في المحادثات التي أدت إلى اتفاق السلام الشامل، اتفاق سلام دارفور (DPA) لعام 2006 ووثيقة الدوحة للسلام في دارفور (DDPD) أوقف في 2011 الصراعات في دارفور  ونزاعات ما يعرف الآن بجنوب السودان بصورة مؤقتة، نتيجة لعدم  استشارة (المجتمع المدنىي) وممثلي المجتمعات أو السماح لهم بالمشاركة في المراقبة وتنفيذ وتقييم الاتفاقات التي كانت من الممكن أن تعالج الأسباب الجذرية للصراعات بين الجماعات المسلحة و (حكومة السودان) في المقام الأول.

دور المجتمع المدني في المصالحة
في عام 1991 شجع انشقاق الحركة الشعبية “الجيش الشعبي لتحرير السودان” فصائل المعارضة على تسليح ومهاجمة القبائل لبعضها البعض (الدينكا – والنوير) مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف في مناطق أعالي النيل، الاستوائية، وبحر الغزال. واشتدت حدة العنف مع قيام حكومة السودان بالتحالف مع ريك مشار – أحد قادة “الحركة الشعبية لتحرير السودان _ الناصر”.

وفي عام 1995 حاولت الحكومة هزيمة “الحركة الجيش الشعبي لتحرير السودان” من خلال الإبقاء على الجانبين معارضة بعضها البعض وكانت النية الأخرى وراء التحالف هي استخدام قوات مشار لتطهير حقول النفط في أعالي النيل منطقة السكان المدنيين من قبيلة النوير التي هيمنت على المنطقة. وأصبح ذلك واضحاً بتوقيع حكومة السودان مع مشار الميثاق السياسي لعام 1997 في محاولة لتشجيع المستثمرين الأجانب للاستثمار في المربعات النفطية بأعالي النيل. وأدى الصراع بين الجنوب والجنوب إلى فقدان الآلاف من زعماء وشيوخ القبائل في الدينكا والنوير.

هذا السياق دفع الجمعيات النسائية والجمعيات الدينية لتنظيم السلام لعقد مؤتمر في كينيا في فبراير ومارس 1999. وانتهج خطاب المؤتمر تشجيع مبادرة إسكات الأسلحة في الصراع بين الجنوب والجنوب الذي قوض العلاقات التقليدية بين القبائل التي صمدت عقود من الحرب.

وساهمت كينيا في المؤتمر من خلال توفير تدريب حول المصالحة لزعماء القبائل وشيوخها وفي مجال تسيير المرأة للمؤتمر. وشاركت النساء بنشاط في مبادرة إنهاء فقدان الشباب. وفي حالات معينة، كان ينتهي بهن الأمر للتشجيع على المصالحة، وتحدت النساء التقاليد والعادات المحلية واستخدمنها أيضاً لنفس الغرض في بعض الحالات. على سبيل المثال، الإناث من قبائل الدينكا والنوير على حد سواء شكلن “النساء السودانيات من أجل السلام (SWP)” التي ركزت على جهود حل النزاعات وإنشاء منتديات نقاش لحل القضايا التي تؤثر على المجتمعات المحلية، والعمل على مبادرات بناء السلام.  مثل مجلس كنائس السودان الجديد – “جمعية دينية التي عملت في مناطق الحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان”.

ويجب التأكيد على أنه لم يكن من الممكن عقد مؤتمر (وانيت) دون ديناميات مواتية في الصراع شجعت كلا فصيلي الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان على السماح له بالبدء. وعلى سبيل المثال، على الرغم من عدم دعم لحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الرئيسي بقيادة جون قرنق لإطلاق المؤتمر في الأصل، سمحت لها الحركة الشعبية / النوير  بالبدء بسبب كان ضباطهم وجنودهم يريدون إنهاء الصراع، وللضغط على الزعيمين “قرنق _ مشار” للسماح بتقدم المبادرة. وبعد تسوية الخلافات بين الجانبين، تم توحيد الحركة / الجيش الشعبي لتحرير السودان في عام 2002، مما مهد الطريق للبداية من محادثات اتفاق السلام الشامل مع حكومة السودان.

ومع ذلك، كان كل من حكومة السودان والحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان اللذين يحملان السلاح هما من يقرران في نهاية المطاف دور المجتمع المدني في المحادثات. وأصبح من الواضح أن المحادثات كانت ذات جانبين في طبيعتها القرار في يد من يحمل السلاح.

قبل بدء حوار 2005 أصرت منظمات المجتمع المدني في السودان على أن تكون جزءًا من العملية بما في ذلك التفاوض والتنفيذ والرصد والتقييم. وأصر كلا الجانبين على أن لا يكون المجتمع المدني جزءًا من العملية نتيجة لإيمانهم المحتمل للغاية بضم مزيد من الأطراف الفاعلة في المحادثات لن تعقد المفاوضات فحسب، بل ستطيل أمدها، وهو ما لم يكن في مصلحة كلا الجانبين.

دور المجتمع المدني في اتفاقيات السلام بدارفور
استمرت ذات الديناميات مهيمنة على محادثات السلام في دارفور بين حكومة السودان والحركات المسلحة (بين حكومة السودان وفصائل حركة / جيش تحرير السودان  وحركة العدل والمساواة –  منذ عام 2003). يذكر توبيانا في عام 2004، أن أحد زعماء المتمردين أخبره أن هناك شيئًا يسمى الحكومة، وشيئًا يسمى المتمردون. كان كلاهما يحمل بنادق… وأن مهمة الطرفين هي وقف الحرب.
ومن المثير للاهتمام أن لجنة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى بشأن دارفور – والوسطاء والمجتمع الدولي الذين أيدوا محادثات أبوجا في عام 2006 كان لديهم وجهة نظر مماثلة. لهذا السبب، لم يتم تضمين المجتمع المدني في محادثات DPA 7. وعلاوة على ذلك، سارع الوسطاء والمجتمع الدولي إلى محادثات السلام وضغطت على المعارضة المسلحة لتوقيع اتفاقية مع حكومة السودان. ونتج عن اتفاق سلام دارفور.
حركة تحرير السودان – حركة ميني مناوي بصفتها الفصيل الوحيد مع الحكومة في عام 2006. (رغم قاعدة دعم مناوي الضيقة لعشائر  الزغاوة “الكوبي”)، أثبتت إدارة الشؤون السياسية أن  الحركة ليست ممثل عن كل قبائل دارفور التي تشمل: الفور والمساليت وباقي عشائر الزغاوة، والأبالة (العرب) – الذين استخدمتهم حكومة السودان في تشكيل ميليشيا الجنجويد.

ومع اندلاع تظاهرات في دارفور احتجاجاً من النازحين  الذين استنكروا مصداقية الاتفاقية، ولكن مع انهيار وسطاء اتفاقية سلام دارفور واستمرار المجتمع الدولي على نفس منوال ونهج السماح لأولئك الذين يحملون السلاح بالمشاركة فقط. أسس كل من الوسطاء والمجتمع الدولي حركة التحرير والعدالة – تحالف منشق من مجموعات من فصائل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة بنية أن تكون شريك تفاوض لحكومة السودان.، وأيضًا كان إنشاء حركة التحرير والعدالة لإغراء حركة تحرير السودان – فصيل مني مناوي، وحركة تحرير السودان – حركة عبد الواحد وحركة العدل والمساواة للانضمام إلى حركة تحرير السودان. وأصبح ذلك واضحًا في عام 2009 عندما شجع الجنرال جراتون المبعوث الامريكي الخاص خلال محادثات الدوحة للسلام حول دارفور في عام 2010 القادة الميدانيين لحركة تحرير السودان – حركة عبد الواحد للانضمام إلى حركة التحرير والعدالة كما أراد كل من المجتمع الدولي والوسطاء أن تختتم محادثات السلام بمصداقية اتفاق أو اتفاق، وكانوا قد شملوا ممثلين عن المجتمع المدني: (النازحون – وزعماء القبائل والشيوخ – النساء والشباب) في محادثات المسار الثاني في الدوحة. ومع ذلك، أصبح من الواضح أن نتيجة  المحادثات في الدوحة كانت هي نفسها محادثات اتفاق سلام دارفور، حيث لم تكن المحادثات شاملة للمجتمع المدني ولا تساعد في إنهاء الصراع في دارفور. في الواقع.

وفي استنتاج جميع أصحاب المصلحة في دارفور في مؤتمر عام 2011، الذي حضره ممثلو المجتمع المدني، وجدوا أن الوسطاء قد أضفوا الطابع الرسمي على DDPD باتفاق ملزم على الرغم من التأكيد عليهم سابقًا أن وثيقة الدوحة للسلام في دارفور لم تكن صفقة مبرمة ويمكن مراجعتها.
تحرك للأمام
على الرغم من أن سياق تجارب السودان في المصالحة واتفاقيات السلام يمكن أن يكون مختلفًا من تلك الموجودة في البلدان الأخرى ربما هناك ثلاثة دروس جديرة بالاهتمام بالتفكير فيها:

(1): منح المجتمع المدني استقلالية عن أصحاب المصلحة الآخرين: الحكومة، المتمردين، الوسطاء، أو المجتمع الدولي يمكن أن يكون لهم مساهمة إيجابية ومؤثرة في إنهاء النزاعات.

(2): دبلوماسية الموعد النهائي والاندفاع للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من إطالة محادثات السلام أو أسوأ العودة إلى الصراع.

(3): يجب على الوسطاء والمجتمع الدولي والأطراف المتعارضة عدم إنشاء أو المشاركة في إنشاء شركاء تفاوض لأن ذلك يؤدي إلى نزع شرعية أي منهم للمصالحة أو محادثات السلام أو الاتفاقات والتي لا تسمح بمعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات.

________________________________________

*جهاد مشامون باحث مستقل ومحلل سياسي في العلاقات المدنية والعسكرية في السودان. السياسة الخارجية والشؤون الأمنية، إكستر، المملكة المتحدة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *