‫الرئيسية‬ تحقيقات (بلقوة) بالنيل الأزرق.. مأساة وفقر فوق أرض من ذهب
تحقيقات - حوارات - مجتمع - 8 أغسطس 2021, 11:55

(بلقوة) بالنيل الأزرق.. مأساة وفقر فوق أرض من ذهب

أجراه – مغيرة حربية والأصمعي باشري

تُعد مأساة الأهالي؛ في مناطق التعدين كبيرة، ومشكلة معقدة من كل الجوانب، فالإهمال الذي يتعرضون إليه من قبل الحكومات المحلية، وشركات التعدين المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة، وفي ظل غياب التشريعات والقوانين المنظمة لحقوقهم التاريخية في الأرض وثرواتها، وانعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة، من صحة، وبيئة نظيفة، ومياه شرب نقية، وغيرها، بالإضافة للأثار المدمرة التي يُخلّفها التعدين العشوائي، مما زاد الأمر سوءاً.
منطقة (بلقوة)؛ بمحلية ود الماحي، جنوب شرق ولاية النيل الأزرق، واحدة من المناطق التي ينشط فيها التعدين الأهلي، ويواجه سكانها مزيداً من الإهمال والتردي الصحي والبيئي، إذ يطالب سكانها من الحكومة الانتقالية في المركز، والولاية بضرورة الالتفات لمطالبهم، وتحقيق العدالة والتنمية في منطقتهم الغنية بمعادن مثل الذهب والكروم والنحاس، والتي تستفيد منها شركات خاصة، مستغلة ضعف التشريعات والقوانين.
(مداميك) جلست مع ممثلي أهالي المنطقة، وإدارت حواراً مهماً حول المشكلات، والتردي البيئي، وانعدام مقومات الحياة الكريمة، وحول النهب الممنهج الذي تمارسه الشركات الناشطة في مجال التعدين، والتي ينتمي معظمها لجهات عسكرية وأمنية، مستغلة سلطاتها في فرض طريقة عملها دون تقديم أي دور تنموي في المنطقة، إلاّ ما تستقطعه الحكومة المركزية في شكل رسوم وجبايات، وما يُسمى بالمسؤولية الاجتماعية، وهي موارد لا تعرف حكومة الولاية، ولا الأهالي شيئاً عنها – بحسب حديث ممثلي أهالي المنطقة؛ طارق محمد هجو رئيس لجنة التغيير والخدمات بالمنطقة، وراشد عثمان يس؛ ممثل الأجسام المطلبية كتلة التعدين بالمنطقة.
يقول هجو: “تاريخ نشاط التعدين في المنطقة بدأ باكرا منذ العام ١٩٨٨، بطريقة عشوائية ومرهقة، تم تقنينه بواسطة سلطة النظام المباد عبر شركات الجيش والأمن والنافذين في النظام المباد آنذاك”؛ وقال هجو: “طوال هذه الفترة الزمنية لم يكن لأهالي المنطقة نصيب من هذه الثروة، بل ازداد الأمر سوءاً، فمع غياب التنمية؛ ظهرت العديد من الأمراض متمثلة في حساسيات الجسم، وحالات الإجهاض المتكررة عند النساء”. وأبان هجو أن اعتراض أهالي المنطقة على هذا الوضع بدأ قبل ثورة ديسمبر المجيدة، وقبل تظاهرات مدينة الدمازين في ١٣ ديسمبر ٢٠١٨، حيث تم اعتقال أكثر من مائة شخص من الأهالي بعد أن واجهوا القوات الأمنية وأحرقوا مقارهم وسياراتهم، اُودعِوا على إثرها السجون، وتمّ الإفراج عنهم بعد انتصار الثورة”. أما ممثل الأجسام المطلبية بالمنطقة (كتلة التعدين) راشد يس فقال لـ(مداميك)، خلال الحوار “إنّ عدد سكان منطقة بلقوة أكثر من ستة عشر ألف مواطن بحسب آخر تعداد سكاني، ويحترفون الزراعة والرعي، ومع ظهور نشاط التعدين تحوّل أكثر من ٩٠٪ منهم إلى العمل في مناجم التعدين”، يواصل يس حديثه: “غياب أدوات السلامة، والاهتمام الصحي، واستعمال المواد الكيميائية المحرّمة مثل السيانيد والزئبق وغيرهما، أضر بصحة المعدنيين من الأهالي، بالإضافة لحالات انهيار الآبار المتكرر، خلف الكثير من الضحايا، والتعدي على مساحات زراعية وسكنية، وقرب آبار التعدين من المنازل السكنية”، وواصل يس حديثه: “لا يوجد ملاحظ أو ضابط صحة، والمركز الصحي عبارة عن غرفة واحدة قابلة للانهيار، وحكومة الولاية ليست لديها أيّ دور، وهي مكبلة الإرادة؛ بسبب القوانين والتشريعات الاتحادية، وعند مطالبتنا بحقوقنا، يتم توجيهنا بالذهاب للمركز، وهنا تكمن طريقة الأداء الحكومي البيروقراطي، الذي لا يمكنه أنصاف المظلومين”. هجو عاد بالحديث حول مهزلة اتصالهم بالشركة السودانية للتعدين، وقال: “تم تحديد نصيبنا لكل هذه الفترة بـ٦ كيلوغرامات ذهب، وطُلب منا عرض الأمر على الأهالي، وتحديد مشروع تنموي لتصرف فيه هذه القيمة من الذهب”. ويمضي هجو بالحديث: “عرضنا هذا على الأهالي، واتفقوا على مشروع مياه الشرب، إلا أن هيئة مياه الريف في الولاية طلبت منا مبلغ ٣٥٠ ألف جنيه، نظير منحهم دراسة جدوى للمشروع، وأخبرنا إدارة الشركة السودانية للتعدين بذلك، إلا أنهم تغاضوا عن الأمر ولم يعيرونا انتباهاً، ولم يبدوا أيّ تعاون لدفع المبلغ، ونحن هنا في الخرطوم للمرة الثانية ونتمنى أن يُلبي طلبنا”.
وقال ممثل الأجسام المطلبية راشد يس: “مطالبنا عادلة وتتمثل في تنمية المنطقة، خاصة أنها ستشهد عودة النازحين بعد إعلان السلام، وهنالك من يجد أرضه عبارة عن بئر للذهب، وقد تتوتر الأحوال الأمنية، فالتنمية، وبناء المدارس، والمستشفيات، وتوطيد الأمن، والقوانين المحلية العادلة، هي عوامل استقرار إنسان المنطقة”.

ويعيب هجو على اتفاق السلام وفي برتوكول المنطقتين الخاصين (ويعني النيل الأزرق وجنوب كردفان)، غياب المعلومات بشأن توزيع الثروة، وقال: “نعم نصيب الولاية ٤٠٪ من مواردها لمدة عشر سنوات، ولكن لا نعلم إن كان مورد المعادن جزءاً منها، وندرك أن الجهات الموقعة من الطرفين، لهما مصلحة متقاطعة في استثمار الشركات الناشطة في المنطقة”.
وفي خاتمة الحوار عبّر يس وهجو عن سعادتهما بالقرار الصادر من والي النيل الأزرق الجديد (العمدة) بإيقاف جميع أعمال التنقيب قبل أسبوع، إلى حين صدرور التشريعات الجديدة بشأن الحكم الذاتي للإقليم، وطالبا بأن تمثل جميع مكونات المجتمعات المحلية في صياغة القانون، كما طالبا بضرورة إلغاء قانون الثروة المعدنية لعام ٢٠١٥م، وانشاء قانون جديد ينصف الأهالي بنيل حقوقهم من ثروات أراضيهم.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال