‫الرئيسية‬ ثقافة النهر يذهب للضفاف معانقاً – الشاعر في أزمنته الثلاثة – مقتربات أولية
ثقافة - 30 يوليو 2021

النهر يذهب للضفاف معانقاً – الشاعر في أزمنته الثلاثة – مقتربات أولية

عادل سعد يوسف

لي طلب واحد

أن يقرأني الناس بطيئاً

أن يدعوا هذا التيار الخافت

يتسرب في الروح عميقاً

فأنا أكتب

عقلي

وجداني

كلي في شعري

شابو الديوان

***

توطئة

أن تتحدث عن الشعر يعني أنك تتورط في مغامرة كبرى، مغامرة تكبر فيها المخاطرة بما تملك من مرجعيات ومعارف وإدراكات. أن تكون المقاربة مرتبطة بشاعر اسمه عبد الله إبراهيم موسى عبد الله شابو، هذا يعني اتساع التورط. وهذا ناتج من أن الديوان يمتد في أزمنة ثلاثة، وهي متداخلة ومنفصلة في أن لذلك نستعين بالقراءة الأفقية المستندة على النظر للقصائد في ارتباطها الماثل، إذ لا نقتصر على زمن واحد.

أولاً: إن ما يتميز به الشاعر عبد الله شابو هو تلك المقدرة العالية في مزج الشعري بالكون الثقافي/ السوسيولوجي واتصاله المرتبط بالحياة بالانفتاح على أفق الوظائف الثقافية والحياتية [1].

ثانياً: إن شابو لا يتعمَّل شكلانية الخطاب الشعري ولا يعارك جموح المخيلة الشعرية وتعقيد بنيتها البلاغية، بل يظل النص عنده بسيطاً وعميقاً مثل فنجان القهوة بصحبة الأصدقاء (يعدل مزاجك) بطازجة إنسانية وحزن ناعم:

القهوة يا أحباب

قلبي صحراء

تمتد وتمتد

وصخور ناتئة سوداء

ضحك الشاعر

آفاق السعد – شابو الديوان ص (11).

***

هذه الورقة تقوم على ثلاثة مقتربات أولية:

المقترب الأول: في سك العنوان.

المقترب الثاني: في قضايا الذات الشاعرة.

المقترب الثالث: في قصيدة اليومي ودائرة الحكي.

في سك العنوان

ولندخل في قضية العنوان – عنوان المجموعة – “إنسان يحدث الناس”، وكما هو معروف فإن للعنوان الأدبي جماليته الخاصة وفلسفته القائمة على “سيموطيقا” التواصل مع نصه من جهة ومع مستقبلات المتلقي من جهة أخرى، وقد أضحى العنوان بنية ضاغطة ومركزية من البنيات الأسلوبية المؤلفة لهيكل النص وهيأته ونظامه. أظهر البحث السيميولوجي، بشكل من الأشكال، أهمية العنوان في دراسة النص الأدبي، وذلك نظرا للوظائف الأساسية وهي المرجعية والإفهامية والتناصية التي تربطه بالنص وبالقارئ، ولن نبالغ إذا قلنا: إن العنوان يعتبر مفتاحاً إجرائياً في التعامل مع النص في بعديه: الدلالي والرمزي. [2]

“هنا نتوقف بالنظر للعنوان الكلي متناسين عن قصد العناوين الداخلية والأيكونات الإيضاحية بالداخل وعناوين القصائد أيضاً؛ وذلك لضيق وضعية المقتربات نفسها إذ أنها أولية”.

من خلال العنوان يمكن النظر لذاتية الشاعر والربط بينها وبين الهم العام الأرض – الإنسان، مما يحدد كلية الهموم، أي التمازج بين خطاب الشاعر وخطاب العالم.

تنطوي جملة العنوان في اسميتها بترابطها الإسنادي “إنسان + يحدث الناس “هذا يعني أنها خطاب موجهٌ إلى جماعة الناس” وهذا لا ينفي بالضرورة توجهها لحبيبة أو وطن في النسق المجازي للدلالة ولهذا نعتقد أنها كجملة تمحوِّر مستويين:

المستوى الأول يكمن في كونه بنية مستقلة لها اشتغالها الدلالي الخاص والمستوى الثاني يكمن في كونه متبوعًا بنص ومشتبك به. مما يجعله يحيل إلى علاقات خارج سياقه حيث أنه يتناص بأفق المحدِّث في الذهن الثقافي (النبي/ المبشر) ذلك الإنسان الذي يمتلك معينات من القول (الرسالة) يصدع بها عبر تواصلية لغوية، إنسان مجرد إنسان واحد بالتنكير الذي يدل على العموم:

هنا إنسان..

يريد يدير في كفيه ألفاظاً يدحرجها إلى إنسان

لتصنع نقمةً في القلب أو فرحا

تكون مجنَ من جُرحا

وسهماً في حشا القاسي الذي جرحا

أقول لكم – من أنا – صلاح عبد الصبور –

إن امتلاك المحدِّث (الشاعر) لمظانِّ الحكمة يتوحد بالآخر في جدول يعطي المصداقية لكل ثيمات القول النابضة ويجعله الأقدر على استنطاق الحياة ممسكاً بها، زاخراً بالتوتر بين الخارج والداخل بين حكمة الأرض/ الوطن وحكمة الوجود فهو أمام خيارين الصمت أو الكلام:

أحبابي:

لو كان الحزن دموعا

لو أنا بالعينين نحس

ما يبست

في شفة

الشعر الغنوة

لو كان الحزن يشم

نزفت رئتاي الدم

وطلعتُ عليكم

جمرُ الحرقة

يشوي كفي.

آفاق السعد – شابو الديوان ص (12).

في قضايا الذات الشاعرة

إذا كانت الشعرية الستينية – إن جازت لي التسمية – في السودان تدين بانتماء جد كبير لخطاب المد اليساري فليس الشاعر عبد الله شابو بعزل عن اصطراع التيارات الثقافية والأيديولوجية، بل كان جزءاً منها متداخلاً في أنساقها الإبداعية وتحولاتها مساهماً بقسط في إنشاءاتها الجمالية.

يقول شابو: في حوار أجراه معه الأستاذ أحمد يونس تحت عنوان أيقونة الشعر السوداني عبد الله شابو [3]: بعد رجوعي من مصر وجدت الجو الثقافي يمور بالحراك السياسي الثقافي، وكان لا بد من المشاركة في هذا بحكم كوني شاباً، وكوني أرغب مع أبناء جيلي في لعب دور في تاريخ الثقافة السودانية فانتميت لليسار إشباعاً لرغبة التمرد التي كانت تمور داخلي، ولأن اليسار كان يسيطر على الجو الثقافي السوداني وكانت له سطوة ثقافية كبيرة، أتاحت لنا هذه التجربة أن قرأنا كثيراً وجربنا كثيراً، لقد انضممت لليسار بطوعي، وكامل حريتي وخرجت منه بكامل طوعي، لم يدخلني أحد ولم يخرجني أحد، لقناعتي أن الشاعر إذا أراد كتابة شعر صادق كان عليه أن يكون حراً مستقلاً.

أنا حر ومستقل كشاعر وأكتب ما يمليه عليّ ضميري، أنا أنتمي لـ (عبدالله شابو) وللحقيقة أينما وجدت. [4]

هذا لا يعني أبداً وفيما أظن أن الذات الشاعرة تتبنى نمط الانفصال عن العالم بتجلياته المختلفة، إنها ذات منفتحة على العالم ذات كما يرى الدكتور عبد الواسع الحميري:

– ذات تنظر إلى نفسها على أنها – في آن واحد – “فردية” و”اجتماعية” أو “شخصية” و”معممة”؛ فردية بمسؤوليتها، واختيار موقفها، وهي “جماعية” في همها واختيار مصيرها، ومن هنا جاء وجودها الذي كشفت عنه مدموغاً بأنه:

أولاً: وجود مركب؛ لأنه “وجودها” هي أولاً، وجود عالمها الذي تندمج به.

ثانياً: وجود دينامي؛ لأنه لموجود متطور، في عالم متطور.

ثالثاً: وجود درامي ؛ لأنه ينهض في “اللاوجود” ويتجاوزه.

 

رابعاً: وجود يهدف – نتيجة لذلك وبدرجة أساسية – إلى “إنقاذ الوجود” الفردي والجماعي على حد سواء. [5]

العار…

للذين بايعوا

ونكسوا الجباه

العار…

للضعاف

في بهيم ليلنا

العار…

للضعاف

للجفون المسبلة

وتركض الجذور

في الدماء ثائرة

فنحلب الدجي

بشائراً.. بشائرا

فمعذرة أحبتي:

أطلت في الحديث

لكنني لكم أعيش

أو أموت شاعرا

ومن ثَمَّ يعلن الشاعر بيانه الخاص منفستو أفقه الجديد، منفستو اتساعه لكل خيارات الآخر، خارجاً من الأيديولوجية إلى انفتاح الذات في تطورها المعرفي والرؤيوي، ليسبر غور الكوني.

لي أفق

يتسع لكل خيارات الآخر

ولأني أرفض أن أسجن

في قفص الرأي الواحد

تتمدد أغصاني

تشرب من كل الأضواء

وكل الأنداء

إن جاز لنا استثمار رؤية هولدرلن في جعله الشعر مرادفاً لسكن الكينونة، الشعري يحقق اليقظة على تركيز الماهية الأعمق للفرد، وهو يكشف عن عمق الارتباط بحقيقة الكينونة في العالم. [6] لذلك يستمر في القول:

بي عشق جارف

أن أمشي بين الناس فريداً

أعرض أزهاري للشمس

أسهم في كل حوارات العالم

فأنا أيضاً

أعرف أشياء جميلة

أقدر

أن أبدع أشياء جميلة

أن أدخل في الجل الناشط

في الأشياء.

بيان يخصني – شابو الديوان ص (139).

يقول في نفس الحوار: مررت بثلاث مراحل في تطوري الشعري، كان شعر المرحلة الأولى نضالياً منبرياً عالي النبرة، أما في المرحلة الثانية، وبعد أن تكاملت أدواتي الشعرية صارت أشعاري إلى حدود كبيرة (هامسة) لما أصابني من إحباط من (الهياج الأول)، وفي المرحلة الثالثة، وأسميها (المرحلة الرصينة) استوى فيها الحزن والفرح، وهي مرحلة التصالح مع النفس، وهي المرحلة التي أعيشها الآن. [7] وهي الأزمنة الثلاثة التي بلورت رؤى الشاعر العالم.

قال الحكيم مخافتاً:

كل جيداً

وأملأ فتاتك غبطة

فلربما

ران النعاس بمقلتيك

وحال في الطبق الطعام

فالوقت يفسد كل أعراف القبائل.

الحكيم. شابو الديوان ص (131).

فإذا كان مطلوبًا من الشعر أن يمنح أملاً عميقًا بالحياة فإن عليه، في الوقت نفسه، أن يجسِّد آلام الناس، وأن يظل شاهدًا أمينًا على الحياة [8].

لو أن الظل الجاثم

فوق الحقل

يميل قليلاً

لانتصبت واقفة

هذي الشجرات الحدباء

لكان غناء

وتنفس

في صدر العشب الماء.

تنجز عناصر الشعري تكاملها.. دون أن تتخلى عن شرطها الإنساني العالي، وأن الغاية الفكرية تؤدي أغراضها الكبرى دون أن تفقد جمرتها الجمالية.

قصيدة اليومي ودائرة الحكي

يعد منجز استعمال قصيدة اليومي من أحد الموضوعات التي تم تداولها في النقد الأدبي الحديث (بوصفها نتاج التكرار للحالات التي تحمل جدلية زمنية، وهي علاقة بين العقل ونتاجه المعرفي ؛ لأنها تنبع من خضم التفاعل الاجتماعي) فليحة حسن – مقالة.

فقصيدة اليومي تأتي موسومة ومعتمدة على أنا الشاعر في حوارها مع الآخر أو المجتمع في مقدرتها على الحكي، إذ أن العمل الأدبي هو الصورة الذاتية للعالم، وحساسية الشاعر إزاء الواقع المعيش هي المعين للشاعر على التقاط الواقع الاجتماعي المتسم بالخصوصية.

تفضلوا تفضلوا

جميعكم تفضلوا

فالبيت

واسع فسيح

وأرضه “مفروشة”

بالعشب

بالمعادن الكريمة

وكله نوافذ

للضوء

والهواء

والمطر

لكنني

أود لو تعلقوا المعاطف القديمة

على المشاجب التي قضى على حديدها الصدأ

أن تتركوا

أحقادكم تموت

إنها تعيش

زمانها الخطأ

دعوة – شابو الديوان ص (141).

في القصيدة الحديثة يتراجع المعطى النظري لنظرية الأجناس الأدبية كمدخل تصنيفي يرتكز على الفصل بين جنس وجنس، ويقوم التماهي بين الشهري والنثري مستندة إلى أن الأدب في عموميته أداته اللغة وبهذه اللغة تمحي الحدود الفاصلة بين لغة النثر ولغة الشعر. يقول حاتم الصكر: “إن التجنيس، على مستوى التلقي، يغفل الطبيعة المتفردة للنصوص، ويعلي مرجع الأجناس على حساب نصية النص، لأن ما يهتم به المجنِّسون هنا فصيلة الدم العامة لا مكوناته الخاصة، مما يؤدي إلى ذوبان شخصية النص وبروز التلقي النوعي المطمئن إلى ما يشبه أفق انتظار تقليدي، يلقى بكل عمل في قائمة مهيأة سلفاً، فيستحيل كل عنصر في العمل إلى نظير، لما يماثله في قائمة

النوع التي خلقتها القراءة التي يتكون أفقها في العادة من خبرات سالفة في النوع المقروء”. [9]

برغم طول النص المقتبس إلا أنه يوضح ما نمري إليه من أن الشاعر شابو يوظف تقنيات السرد

(كالوصف والحوار والسياق الحكائي) خصوصاً في ما ألمحنا إليه سابقاً بالنظر لسيميوطيقا العنوان (إنسان يحدث الناس).

بالأمس في المحاضرة

الجمع كان رائعاً

من الرجال والنساء

مثقفون

هائمون

وعاديون

يعرفون بالتجارب المكررة

رشفت رشفتين

من بارد بجانبي

وكانت المقدمة

توقف التاريخ من زمان

ولم يعد للتوق من مكان

تهامسوا للحظة

دُهشت

وبعدها تفرقوا

وظلت واقفاً

في عتمة المكان.

توقف التاريخ من زمان – شابو الديوان ص (148).

لا تفك دائرة الحكي بعمقه الأليف لدى شابو عن شخصية الشاعر نفسها، إذ أنه يتميز بتواصلية لغوية عالية متدثرة بعمق شحناته التعبيرية ذات الإحالات المجازية للإنسان وهو يصوغ جدل الحياة في حركتها الواقعية واللغوية باستعارته لأدواتهم وعمق معاشهم ليحدثهم.. يحدث الناس.

هذه المرأة

تلبس ثوباً

ينزلق مخفياً

في الخصر

في الكفين

تجري

هذه المراة – شابو الديوان ص (72).

وفي قصيدة العانس يستمر الشاعر متكئاً على الوصف ومتدثراً بالحكي:

في ركن غرفة العجوز

لا يزال

قنديلها القديم

وصورة حق

تسلق الزمان منه

الخاصرة

ونام فوق وجهه

التراب

والشمس تضرب البيوت

وفارغ

كما السديم هذا البيت

العانس – شابو الديوان ص (78).

وفي المفتتح المؤسس للقراءة الديوان يستند شابو على تقنية الضمائر بين المتكلم والمخاطب القارئ المفترض والشاخص في ذات الشاعر ليبتدر حواره:

يحزنني

ألا أرضيك

أن أزرع

في باحة قلبك شوكاً

يحزنني

أن أوذيك

فكلانا

يمسك ريحاً مسرعة

لا ترجوني

أرجوك…

مفتتح – شابو الديوان ص (7).

بهذه المقدرة الصياغية التي تُخضع مكوناتها البنائية إلى فاعلية اللحظة المكثفة الموحية والدالة وهي لا تتوفر إلا لشاعر جد متفرد في مشروعه الشعري مثل عبد الله شابو.

إحالات:

– الناقد والنص والعالم -/ إدوارد سعيد. [1] [2]- عتبات – عبد الحق بلعابد – حيرارد جنيت – من النص إلى المناص.

[3] – أحمد يونس – حوار مع الشاعر – جريدة ألوان -2011م.

[4] – المصدر السابق.

[5] – عبد الواسع الحميري – الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية – ص 73.

[6] – مطاع صفدي – الشعري / الكينوني – الشعر العربي عند نهايات القرن العشرين. المحور الثاني / الثالث – حاضر القصيدة العربية وتحولاتها وانجازاتها.. إعداد: عائد خصباك.

[7] – الحوار السابق.

[8] – بيان صفدي – محاولات في فهم الشعر – معابر –

– حاتم الصكر – مرايا نرسيس ص( 20) نقلاً عن حاتم الصكر – ما لم تؤدّه الصفة – [9]

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *