‫الرئيسية‬ مقالات الصحة شأن سياسي
مقالات - 24 يوليو 2021, 17:41

الصحة شأن سياسي

د. سارة إبراهيم عبد الجليل
ونحن نخطو نحو الدولة الديمقراطية المدنية السودانية وما زال أمامنا العديد من العقبات التي تواجه هذا الانتقال، ولعل من أهمها التحديات الاقتصادية والسياسية التي تحيل من تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع. إن أهم مرتكزات العدالة الاجتماعية هي توفر الخدمات الصحية الأساسية (وقائية، علاجية، تأهيلية، وبحثية)، وليس هذا فحسب، بل إن مبدأ صحة الأمة nation’s health أو صحة المجتمعات هي عامل محوري لتحقيق النهضة والتنمية المستدامة ومحاربة الفقر. فالتردي في الخدمات الصحية وغياب التأهيل المهني وحماية حقوق العاملين بالحقل الصحي أدى إلى هجرات داخلياً متمركزة في المدن التي تتوفر فيها خدمات صحية وفرص عمل وهجرات خارجياً للكوادر الصحية للتدريب و الدعم المالي والحصيلة النهائية لهذه الهجرات المتعددة، أضعف الموارد البشرية السودانية المنتجة والقوة التنموية لقد حققت الثورة السودانية التاريخية السلمية الهدف الأول من إزالة النظام الديكتاتوري العسكري ومحاربة الإرهاب السياسي والاعتراف العالمي بالسودان الجديد؛ لكن ما زلنا نتعثر لإكمال الانتقال الديمقراطي وإكمال عملية البناء والعمل. ولعل المتابع للتجارب الأفريقية والإقليمية الحديثة ملم بأهمية تحقيق أسس الحوكمة الفعالة والشاملة inclusive governance من أجل ضمان نجاح الانتقال واستدامة النظام المدني الديمقراطي. إن توفر الخدمات الصحية المؤهلة الآمنة الممتدة في جميع أنحاء السودان هو من أوليات نجاح الانتقال الديمقراطي وتحقيق العدالة. فعندما نتحدث عن الصحة والسياسة لابد لنا من أن نتحدث عن صحة المجتمعات بالمفهوم الشامل، وعن سياسات الصحة التي تخاطب متطلبات المجتمع السوداني، مع مراعاة الاحتياجات العاجلة في مناطق النزاعات والحروبات ومعسكرات النازحين. كذلك عندما نتحدث عن الصحة؛ لابد لنا من أن نعزز من أن الصحة حق للجميع دون أي تمييز، وهذا اعتمادًا على نصوص حقوق الإنسان العالمية التي تلتزم بها دولة السودان. إن مفهوم الصحة والسياسة health politics انتقل من مفهوم تحليلي نظري إلى مفهوم أشمل مؤسس للتدريب والدراسة والتطبيق في مجال دراسات الصحة لجميع الكوادر الصحية في العديد من الدول. للأسف إلى الآن لا توجد جامعة سودانية تضمن هذا المجال في المنهج التعليمي، ويظل مفهوم health politics مطروح للنقاش والتحليل الفكري بين مجموعات محددة.
إذا انتقلنا إلى مفهوم السياسة والمعني الحقيقي، لذلك فإن الدراسات الجامعية متعددة في هذا المجال political science والاهتمام بنظم الحكم المتعددة عالميًا وتاريخيًا تدرس على مدار سنوات. ولعل الطالب أو طالبة العلوم الصحية تفتقر إلى هذا الجانب تمامًا، بل إن دومًا ما يشاع أنه السياسة تتعارض مع الصحة! لكن الحقيقة هي أن الصحة تعتمد وتعكس وتحدد نجاح وفشل الأنظمة السياسية الحاكمة. وكما نظرنا إلى مفهوم (الصحة) دعونا أيضًا ننظر إلى مفهوم (السياسة)، فما هي المنظومة السياسية، ومن هو المسؤول عن سياسة الدولة؟ تعارفت المجتمعات على أن السياسة هي انعكاسات لأحزاب تتبع منهج أيديولوجي محدد ينعكس في سياسيات خدمية للمجتمع. هذه الأحزاب السياسية في الدولة المدنية الديمقراطية تنفذ هذه السياسيات عبر الاقتراع الانتخابي، ونيل الثقة الشعبية. ولكن في حقيقة الأمر، فإن سياسة الدولة هي علاقة ديناميكية متوازنة بين العديد من القوى: الحزبية، المدنية، النقابية، الشعبية، الأهلية. عدم التوازن بين هذي القوى ينتج عنه دون شك دولة مدنية هشة تفتقر إلى عوامل النهضة والتنمية المستدامة ويصعب فيها تحقيق المبادئ الأساسية للمواطنة والحريات والعدالة والسلام. فإن الدولة المدنية الديمقراطية ذات الأسس الراسخة تعتمد على المشاركة الفعالة لمواطنيها وعلى قوة المجتمع المدني النشط المتفاعل مع تنمية البلاد.
والصحة هي انعكاس لتوازن هذه المنظومة السياسية بتوفر سياسات صحية health policies تخدم الأمة والمجتمعات، وذلك بتوفر الدعم الاقتصادي والضمان الاجتماعي وتوفر التعليم الأساسي والإعلام المستقل. كما نعلم جميعًا فإن الصحة هي عامل يتشابك مع العديد من العوامل المختلفة فإن تهاوى أي من هذه العوامل أخل بالآخر ولعل انتشار وباء الكوليرا من الأمثلة الحقيقية في السودان لأن غياب البنية التحتية الأساسية انعكس سلبًا على صحة البيئة الذي نتج عنه وباء بكتيري قاتل. فالسياسات الخدمية الشاملة تتقاطع وتعتمد على تواجد ونجاح الآخر. حديثا انتبه العالم للعلاقة الطردية بين الصحة واقتصاد الدولة health economics وأيضًا على الرابط المحوري بين الصحة والخدمات الاجتماعية health sociology NHS national health services in UK lead by the department of health and social services))، لذلك لقد حان الوقت؛ لأن نسلط الضوء ونرفع الوعي بأهمية ترابط الصحة والسياسة، فعلى المواطن أو المواطنة السودانية الاهتمام برؤية ومفاهيم الخدمات الصحية المجتمعية بالتركيز مع المنظومة السياسية الكاملة. فما هو دور الدولة (النظام الحاكم) وأيضًا ما هو دور الآخرين لتحقيق صحة الأمة. وأختم هذا المقال الذي يعبر عن رؤية شخصية بالرد على سؤال محوري قدم من مركز السودان للدراسات السودانية: هل يجب أن يكون ملف الصحة على طاولة كل وزير وهل الصحة هي شأن سياسي؟ بأن أجيب: – نعم الصحة شأن سياسي يجب أن تكون على طاولة كل وزير وكل مسؤول وكل كادر صحة وكل من يعنى بالعمل السياسي الوطني من أجل تحقيق صحة الأمة السودانية.

_______________________________

*المراجع: www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2652986/ academic.oup.com/heapro/article/20/2/187/827479 www.un.org/en/universal-declaration-human-rights/ www.who.int/health-topics/universal-health-coverage#tab=tab_1 sdgs.un.org/goals

*سارة إبراهيم عبد الجليل استشارية طب الأطفال تعمل في النظام الصحي القومي البريطاني وحاصلة على ماجستير في صحة الطفولة والأمراض الوبائية والاستوائية من جامعة ليفربول وزمالة الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال وهي عضو مؤسس لمنظمة برامج الحوكمة التي تعني برفع الوعي بأسس الحوكة الشاملة من أجل ضمان نجاح الانتقال الديمقراطي في السودان. twitter @sarajalilo linkedin.com/in/sara-ibrahim-abdelgalil-6835311aa

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.7 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

4 تعليقات

  1. مقال في الصميم يادكتورة الصحة ثم الصحة الانسان السليم المعافي هو أساس الدولة وهو بانيها وحاميها وعمادها

  2. مقال تحليلي لمواقع الضعف، وتقديم مواجهات لحلول مستدامة.
    الصحة حق إنساني،

‫التعليقات مغلقة.‬