ثقافة - 9 يونيو 2021

المهملات

هذه النصوص هي مشروع كتابة، قيد التنفيذ بعنوان “المهملات”، عن أشياء تبدو لا قيمة لها من فرط تواجدها وبداهتها وعاديتها، رغم أنها اكتسبت جدارتها من فرط وجودها. لا أحد يسأل لون بشرته، ببساطة لأنها هناك كصبح وصلاة تتكرر، فنغفر لها ترددها مثلما نغفر للشمس مغيبها وطلوعها. أقصد مؤانسة المكرور، والذي به أدمنا الحياة والوجود من غير أن نقول ليهو: شكراً. من فرط تكراره. هي كتابة تحاول أن تقول ما نجهله عن العادي الذي أوجد الأساسي فينا. سأنشر هذه النصوص في حلقات عن العادي لأهب شهادة للأساس اليتيم.

الهدوم (3)

والهِدوم مفردها هِدِم. هي شوق الكامن إلى فصاحة المكشوف، الهروب من غلس الظلال إلى عري الضوء، هدهدة الجدل وديالكتيك الأشياء.

هي عولمة الأغطية، لكل غطاء يثرثر ولا يقول: السرير، النوافذ، الأبواب، حفلات أعياد الميلاد، وموائد النفاق.

للهدوم أجراس برنين يميزها، كقطيع ماعز، عن الأخريات فتكون كنهها لا كنهًا مستلفًا.

هي همس عشبة لعشبة مجاورة وتحية طبقة لطبقة أخرى، أخرى بأيديولوجيا وشعار.

الهدوم مجهولة المنشأ، كشبح، لا تستلف بسبب من قرابتها بقوس قزح وجينالوجيا الرذاذ.

الإتيان سمتها ولا تعرف الذهاب، الذهاب إلى أي كان، كالأحاديث القدسية وصلوات تغسل الخطايا. دومًا مخبوءة ولبوسها حيز سعته أمتار. أمن خجل أم غنج؟! لا أحد يدري كقول لا يقول.

وفي بذخها الأنطولوجي ذاك، فهي الحامل والمحمول كلغز بلا شجرة نسب.

الهدوم ليست الزي، الأولى طبوغرافيا البساطة ولثغة العادة، الثانية صنو الزوال والهبوب. هي فضيحة الجسد وصنارة الشهوة وأنثروبولوجيا الأسماء فتمحض أسماءً غير معنية بأسماء الميلاد. توزعها، أعني الأسماء، وهي على مقربة من ريح الجوع وصرير الأمعاء: لكل اسم مثل حلمة الأذن وربلة الساق.

وكالبشر، الهدوم تمرض وتحِنُّ فيكون العطر طبيبها المصون. تمرض حين تتكوم فوق بعضها من غير افتضاض وتحِنُّ، كحمامة، أضاعت رفيقها والهديل.
ولأنها من سلالة السراب تحِنُّ إلى الماء وحبل الغسيل ورفقة شهودها الشمس وصهد الريح.

يقتلها الحياء وعزة الغزل والنسيج فلا ترتاد كل الموائد. لها أنف واحد، واحد كإله بدون عباد، فتشم بلولة سرها ولا تتطفل على طين الآخرين، بالضبط كرائحة تبحث عن عطرها. كدابة برباط، يقتلها الضجر وعيون الظلام فتنرهق وتذوي ولا تثور فتمرض. تغير عاداتها بتبديل المكان من غير موت الحنين إلى المكان الأول وسفوره كشجرة تستنبت في وطن وتربة مغايرة.

الهِدوم حفيدة المناخ ووَله السر المستغلق كحصاة، حصاة هناك عند شاطئ الأبد وعبث الموج.

للهِدوم حاسة شم كلب خلوي وعيون زرقاء اليمامة. بعض منها، بدربة رسن دابة، تقودك إلى الشوق فيك، كنهر يركض نحو المصب أو قدر مخاتل. كأن تقودك وأنت نصف برتقالة لنصفك الآخر، المسنود على مخدة الصدفة وحياء ما تعدى عتبة المراهقة بعد، أو نسي العتبة تلك حتى. وبالصدفة يصير البستان برتقالة واحدة ومكتملة كحريق واتته الرياح. قد تموت تلك البرتقالة ويتوزعها الجفاف، ولكن ذاكرة الهِدم الأول لا تمل الكر مثل موت الأصدقاء ومَن نحب.

هو سيرة الحكاية، حكايته، ذاك الهِدم، هو ما يعقب الانطفاء بعد أن تشم رائحة الأنوثة بأنف طفولة الوجدان. تبلى الرائحة وقد توزعتها أنوثات أخرى ويبقى ذاك الهِدم، الهِدم الأول، ذاكرةً لا تطل على نافذة العدم وتسقي جذعها من ينبوع الاكتشاف.

الهِدوم دابة المكان ورَوْث الذاكرة، تخاف البعيد ولا تحتفي بالمغادرة وإن توسدت دموع الأم والتَحَفَت بشنطة ومنديل، المنديل للذكرى، يتذكر، والهِدوم أوتاد الجلوس في بهو الذاكرة.

يقول فرح ود تكتوك: “يا كمي اكل قبال فمي” فتركض الهِدوم نحو عورة الأيديولوجيا وتلثم شفاه الهوية والطباق، وتكون مشاعاً بميسم العِرق والعَرَق، وما تود أن تكون.

هي مخزن ذاكرة المكان ومن رحلوا، هي أربع جهات الريح فلا تنحتف ولا تحتف كبرق يرشد الخيول إلى عشب الخلود. هي نميمة البشر إلى مخابئ الأسرار وما يقوله السجان لأرق السجين.

الهِدوم مسعورة بالافتتان بالذات فتتعدد بتعدد المواسم بجرح المكان وأنفة الطقس من غير ندبة الغرور والريادة. الهِدم يورِّث ولا يورث كشجرة حراز تفقرها هبة السماء.

قبل عام أو يزيد مرضت الهدوم كما مرض المكان بالكورونا. فانزوت. لا العطر، طبيبها الحصيف، ولا الربيع، موسم عطلتها على سطح الأولمب، يوقظان قيلولتها إلى حين إشعار قريب. هي هناك، ونحن، أعني دابتها، هنا نرامش بعضنا كبروق قبلية ترشد الغيم إلى قمط الهطول، وننتظر.

تحتار الهِدوم، ونحن أيضاً، هل مسموح بالهِدوم يوم البعث أم يكون العري هِدوم ذاك المكان؟!

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *