‫الرئيسية‬ مقالات فيما أصبنا وفيما أخطأنا؟!
مقالات - 9 يونيو 2021

فيما أصبنا وفيما أخطأنا؟!

أسعدتني صدف الزمان وحظوظ العمر أن أكون حاضراً في الخرطوم في الثلث الأخير من أيام الاعتصام التاريخي الذي أعقب ثورة ديسمبر المجيدة، وكان الدعامة والمظهر الأكثر حيوية لوقوعها وإعلاء شعاراتها ومنابر مطالبها. سعدت -وفي هدوء تام- أن أتجول بصفة يومية بين ممراته ودهاليز معارضه الثورية الصاخبة بحركة الناس، وفولكلوريات الثورة بكل ألوانها وتشعباتها ومصادرها الجغرافية والإثنية. رأيت الناس وهم على جدة وطرافة من أمرهم، ومواجهة مسؤوليات جسيمة، رباطها المحبة، وناظمها الوطنية والكراهية للكوز. رأيت الطفل والطفلة يلقيان الأشعار والشعارات الثورية، والفتيان والفتيات يتغنون للوطن بالألحان والأغنيات الوطنية الخالدة حتى كدت أرى الخليل يمشي بينهم سعيداً، ووردي يهتز طرباً، والعطبراوي يجري ويتدفق، والشفيع يتغنى بـ “وطن الجدود”، وعثمان حسين بـ “أفديك بالروح يا موطني”.

فما الذي لم يكن موجوداً أو ممثلاً؟! كل شيء كان في ذلك الكرنفال التاريخي الوسيم الفخم والعظيم من سحنات وأشكال ولغات الشعوب السودانية التي تضررت من استبداد الإنقاذ وحكم الإخوان المسلمين. كلهم عبروا عن أنفسهم كضحايا من الدرجة الأولى، وقد جاء ميعاد هبتهم على جلاديهم وقتلتهم. كنت أتنقل من خيمة إلى خيمة، ومن دارة إلى دارة، ومن موقع إلى آخر، أتحرك وأدخل دون استئذان مقار التنظيمات والأحزاب والنقابات والحركات المسلحة، أستمع لنقاشاتهم وتدفق أصواتهم بالمايكروفونات البيضاء الصغيرة المتحركة، وأضع كل تركيزي على المساءات لحضور خطب مسرح المهنيين الواسع، العالي الارتفاع، الكثيف الجمهور من جميع الطبقات والناس.

كنت ألاحظ فيهم شدة الانجذاب والمتابعة والدهشة والاستغراب، وكأنما ما يجري أمامهم حلم بمنتصف ليلة صيف مقمرة نادرة. استمعت لعشرات الخطب الثورية من: الأصم، ووجدي صالح، وخالد عمر، وآخرين وأخريات، ظهروا للناس كما الأنبياء لثورتهم.
كان إعجاب الناس لا يماثله إعجاب بالمهنيين وخطبائهم، ولكن -ومن حزن الحظ- أن كنت شاهداً بنصف مشاهدة لفض الاعتصام، عندما استمعت من مكان سكني بكافوري لأيام لأصوات الطلقات وسيل الذخيرة، فاستيقظت صبيحة الفض المشين وخرجت بسيارتي عند السابعة صباحاً تجاه حي الرياض بالخرطوم لأمر أسري مهم، فرأيت ما رأيت من قسوة المشهد، واستيلاء قوات الدعم السريع على نقاط الطريق المؤدي إلى الخرطوم، فتم إيقافي عدة مرات كان آخرها في منحنى كوبري القوات المسلحة المتجه إلى مستشفى الشرطة ببري، حيث كنت قاب قوسين أو أقل من أن يتم إخراجي من العربة عنوة، وتسريحي على أرجلي على الطرقات المرتبكة الملتهبة لولا لطف فكرة راودتني وإجابة أنقذتني من ذلك، عندما طوق فتية الدعم السريع العربة، فسألوني عن اتجاهي. كذبت بالطبع بأنني متجه إلى المستشفى لأمر عاجل ومريض يحتاج خدماتي.

كانوا فتية صغاراً في كامل الملابس العسكرية، يحملون العصي والأسلحة على أياديهم، ويتصرفون بمنتهى الصفاقة والعنجهية والاستفزاز بعبارات مثل: “عسكريااااا واقفين قنا قالوا”. نعم انتهى كرنفال الثوار والثائرات، وعرس الشعب بذلك النحو المأساوي الذي جرح كرامة الملايين وعطل بدواخلهم حركة الفرح بالتغيير. أغلقت الشوارع بالمتاريس، وفتحت البيوت أبوابها، وأطلقت الأحزان، وخرج البرهان من أجهزة الإعلام يعلن فض شراكتهم مع الحرية والتغيير، وعدم ممانعتهم من تشكيل حكومة تصريف أعمال … إلخ من ترهات تفكير شمولي آخر.

لكن فوجئ الرجل وصحبه من العسكريين وبقايا الكيزان وأذنابهم بمواكب الثلاثين من يونيو التي أعادت الثورة إلى نصابها، وأكدت لهم بما لا يدع مجالاً للشك بأنها حية لم تمت، وأنها قادرة بقواها الشبابية على المضي في تحقيق أهدافها. مياه كثيرة جرت تحت الجسر بعد ذلك، يعلمها الكل، إلى أن جئنا إلى المشهد الموحش، والمفارقة الحالية بتضاعف وتوالي الضربات للثورة عبر صناعة الأزمات وحضورها من كل حدب وصوب، تكاد تخنق الوطن وتلقي به على قارعة التاريخ. ففيما يا ترى أصبنا وفيما يا ترى أخطأنا؟!

أصبنا -في وجهة نظري- في أمور عدة، وأخطأنا في أخرى. أصبنا في وحدتنا غير المسبوقة على إزالة حكم الإنقاذ وتغيير وجهه ممثلاً ذلك في إبعاد رؤوس النظام، ووضع قياداته في السجن. أخطأنا في أمور كثيرة منها عدم الوحدة الثورية اللازمة وضبط العلاقة فيما بين المكونات على أهداف استراتيجية للثورة، أخطأنا في عدم اقتناص لحظة الإعلان عن انحياز الجيش بأن لم نذهب إلى القصر قبلهم، وإعلان تشكيل المجلس الستيني للثورة من الشخصيات التي كنا نعتقد أنها أجدر بالتمثيل فيه. ولكن خطأ الأخطاء كان في تقديري بعدم خلعنا للمفاهيم والثقافة السياسية الكيزانية لإدارة الجهاز التنفيذي. كان ومنذ البداية أن تخلع الكثير من القيادات الشابة للثورة وقياداتها لأثوابها وارتباطاتها الحزبية، والذهاب دون قيد أو شرط لتكوين مجلس قيادي للثورة، وتعظيم قيمة الانتماء لها والوطن، في تلك اللحظات التاريخية الفارقة.

كان بإمكان دكتور محمد يوسف خلع انتمائه للحركة الشعبية جناح الحلو، والأصم للاتحاديين، وخالد يؤسف للمؤتمر السوداني، ووجدي صالح للبعثيين، وغيرهم من لجان المقاومة عبر كل المدن وأنحاء البلاد عبر مؤتمر صحفي جماعي، يعلن عن تكوين مجلس الثورة كجسم ضابط لإيقاعها، ومركز تفكير لها له السلطة العليا. وكان من الممكن أن يتكون مجلس أحزاب الثورة من جميع الأحزاب التي وقعت على بيان الحرية والتغيير، وأن يعد جسماً معنياً بأبناء للديمقراطية بإعادة بناء أحزابهم على أسس عصرية وناقدة للتركيب التاريخي الذي تضعضع ودفع كل غالٍ ونفيس في سبيل بقائه.

ولكن عاد المرض السياسي ليضرب المشهد السياسي ويعيد إنتاج أزماته بإعلاء قيمة الحزب على الوطن والثورة، وتجسير الوعي الحزبي لأهداف التنمية الوطنية، فلم يتجاسر أحد على القيام بذلك، بل توزع الناس وعادوا إلى أحزابهم التي أصبحت جزءاً من الحرية والتغيير، وتركت الثورة والقوى الشبابية نهباً من جديد لمكر عقلية النظام القديم والعقلية الحزبية وإعادة تكوين مجتمع صراعاتها على السلطة، بالتوازي مع استثمار مؤسسة الجيش لهذا الصراع، وإسهامها في صب الزيت على ناره للبحث عن مبرراتها للانفراد بالسلطة، وتصوير سلطتها كسلطة أمر واقع باستفادة إضافية من أخطاء الحرية والتغيير منذ لحظة تكوينها للحكومة التنفيذية الأولى، وخلو برامجها من الخطط والبرامج الاستراتيجية، وعدم تمكنها من تشكيل السلطة العدلية الثورية، ومعالجة الأزمة الاقتصادية، وتشكيل برلمان الثورة.

أدت الأخطاء بما تم ذكره من موضوعات مهملة، كضعف إمكانيات القيادة، والكاريزما الثورية للسيد رئيس الوزراء، وغيرها من أسباب، إلى استقواء المؤسسة العسكرية ممثلة في المجلس العسكري بمجلس السيادة، وانفراده بالحكم تقريباً، ومعاملة القضايا بعقلية الإنقاذ الأصل، وعقد التحالفات مع الخارج، والانصياع لوصفاتها المغذية لإعادة إنتاج الحكم الشمولي. بداخل البيئة التي صنعتها وأنتجتها هذه الأخطاء؛ تتوزع مصائر المستجدات جميعها من اتفاقيات سلام أولى وثانية بمطلوباتها وملزماتها، ويغدو الاقتصاد عائقاً، يفرق ولا يجمع، بتزايد أزماته بما يفعله أزلام النظام السابق وفلوله من تعقيدات، ويساهمون به في إساءة لواقع ما بعد الثورة. تأسيس المجلس القائد للثورة، يظل ضرورة، وإن طال سفر الأزمات على أرض الثورة ومدنها وقراها وحلالاتها وشوارعها وزقاقاتها. ومجلس الثورة لا يتم في تقديري إلا عبر إقامة مؤتمر الثورة الذي يجب التحضير له منذ اللحظة بمشاركة جميع قوى الثورة ومؤسساتها.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *