برير اسماعيل
‫الرئيسية‬ مقالات يسألونك عن الترتيبات الأمنية بجوبا الأولى
مقالات - 9 يونيو 2021

يسألونك عن الترتيبات الأمنية بجوبا الأولى

برير إسماعيل

ما هي الجدوى التي ستجنيها البلاد وكل المواطنين في السودان من تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية في جوبا الأولى وجوبا الثانية التي هي الآن في الطريق؟! وهل ستكون إضافة حقيقية ونوعية للثورة؟! وما هي علاقة هذا التنفيذ بعملية إعادة بناء وهيكلة الجيش السوداني؟!

يقول الواقع المعاش بعد ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، إن هنالك عدداً مقدراً من الجيوش، منها ما نطلق عليه مجازاً اسم “الجيش السوداني” الذي هو ليس بجيش محترف، ومنها ما نسميها مجازاً أيضاً “قوات الدعم السريع”، فضلاً عن وجود جيوش القوى الثورية المسلحة، سواء أكانت القوى التي وقعت في جوبا الأولى أو التي لم توقع مثل الحركة الشعبية التي يترأسها القائد الحلو وحركة تحرير السودان التي يترأسها القائد عبد الواحد.

لابد من التأكيد على أن عملية الترتيبات الأمنية في ظل بقاء المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد كما هي دون إعادة البناء وهيكلة؛ فلن تكون لها قيمة تُذكر، وستكون قضية الترتيبات الأمنية مثل التي بدلَّت العجين بذات الدقيق جنس العجين. (فرض عين) على من لهم مصلحة حقيقية في التغيير الجذري من أجل مستقبل وحدة البلد، وخروجها من الصراعات والحروب المدمرة الممتدة لعشرات السنين، عدم شيطنة قوى الكفاح المسلح أحد الأطراف المعنية بالترتيبات الأمنية، لأنها شريك أصيل في التغيير الجزئي الذي حدث حتى الآن. الثورة لازالت مستمرة، وهي نضال تراكمي شارك فيه بفاعلية وبتضحيات مليونية من الثوار السودانيون الجنوبيون، اللهم إلا إذا أرَّخ البعض مِنَّا للثورة ضد عصابة الجبهة الإسلامية القومية من ديسمبر 2018م.

إنَّ التحدي الأعظم الذي سيواجه القوى الثورية المسلحة في المستقبل، هو تحويل مكوناتها النضالية العسكرية المسيسة إلى قوى سياسية راشدة كاملة الدسم. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعمل القوى الثورية المسلحة على مدنية الدولة، وتفشل في تسييس وتمدين مكوناتها، ولكن لكي يحدث هذا التحول الديمقراطي الاستراتيجي المنشود، لابد للمجتمع المدني السوداني العريض من أن ينفتح على هذه القوى الثورية المسلحة، وفي نفس الوقت لابد لذات القوى الثورية المسلحة من القيام بذات المهمة تجاه المجتمع المدني.

بالعودة إلى قضية الترتيبات الأمنية، لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الترتيبات الأمنية، إلا أنَّ معظم الحوارات السودانية – السودانية كانت مُركِّزة بصورة أساسية على مكونات قوى الكفاح المسلح، وكأنها مخلوقات غريبة قادمة من كوكب آخر ولا علاقة لها بالسودان وبنضالات إنسانه. وفي نفس الوقت، هنالك تركيز عالٍ جداً على “مليشيا الدعم السريع”، الذراع العسكرية التي صنعها السفاح عمر البشير لمقاتلة القوى الثورية المسلحة التي ثارت ضده وضد غيره من الطغاة، بسبب المظالم التاريخية المعروفة منذ أغسطس 1955م إن أردنا التأريخ القريب.

من المفارقات التي لا يسندها منطق، لم يكن هنالك حديث جماهيري واضح وصريح عن “مليشيا الجيش السوداني” نفسها ست الاسم التي أنجبت بدورها وبدون زواج سياسي شرعي كل من: قوات المراحيل، والدفاع الشعبي، والدبابين، وحرس الحدود، والجنجويد، والدعم السريع … إلخ. للقيام بنفس المهام غير الوطنية التي قامت بها “مليشيا الدعم السريع” في عهد نظام الكيزان كامل الدسم.

الشاهد أنَّ تحالف قوى الحرية والتغيير أتى بوثيقة دستورية مُعيِّبة من كل النواحي، وهي ذات الوثيقة الدستورية التي فقدت قيمتها النضالية حالياً بعد أن تعرَّضت لخروقات عديدة من قِبل العسكريين والمدنيين معاً، ولم تكن الوثيقة أصلاً في مستوى تطلعات الشارع السوداني الثائر.

هذه الوثيقة الكارثية أعطت اللجنة الأمنية لنظام الجبهة الإسلامية القومية حق السيطرة على كل مقاليد المؤسسات العسكرية والأمنية في البلد، بما في ذلك إعطاء اللجنة الأمنية حق اختيار وزيري الدفاع والداخلية، وكانت النتيجة المنطقية لهذا الوضع المجوبك ظهور حكومة باسم الثورة ذات رؤوس كثيرة، أصغر رأس فيها، وبلا أسنان، وعدمان الضرس الذي يعض به، أي يحتكر به العنف في الدولة، هو رأس المدنيين في حكومة الأمر الواقع، لذلك لم يستطع المدنيون توفير الأمن والطمأنينة للمواطنين في كل الأقاليم السودانية، سيما في المناطق المتأثرة بالحروب.

الجبهة الثورية التي انقسمت هي الأخرى إلى جبهتين ثوريتين، كانت قد دخلت في معارك حامية الوطيس في بدايات الثورة ضد غالبية مكونات قوى الحرية والتغيير، بسبب محاولات الإقصاء تجاهها من قِبل الحرية والتغيير، ولكنها عندما وقَّعت في جوبا الأولى لم تأتِ بجديد يحول دون استمرارية سيطرة اللجنة الأمنية على المؤسسات العسكرية والأمنية، لذلك ظلَّ الوضع كما كان عليه في الوثيقة التعبانة.

عليه لكي نتحدث عن بند الترتيبات الأمنية لقوى الكفاح المسلح؛ لابد أن نطرح سؤالاً مباشراً على الشارع السوداني: مع مَنْ ترتب قوى الكفاح المسلح?! وما هي تفاصيل الترتيبات الأمنية?! وكم هو عدد السنين التي ستستغرقها هذه الترتيبات وصولاً إلى الجيش السوداني الجديد، صاحب العقيدة القتالية الجديدة؟!

لا تقبل قِيم الثورة وأهدافها وغاياتها النبيلة أن تتحالف قوى الكفاح الثوري المسلح مع قائد “مليشيا الدعم السريع” حميدتي الذي صنعه الكيزان، أو تتحالف مع “رب الفور” الجنرال البرهان قائد “مليشيا الجيش” الذي صنعه هو الآخر الكيزان، ثم تتحدث ذات القوى الثورية المسلحة عن التحول الديمقراطي، وعن عدم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية.

إنَّ التحالف الاستراتيجي لقوى الكفاح المسلح يجب أن يكون مع القوى السياسية المدنية الطليعية والثورية في البلد، ومع منظمات المجتمع المدني السودانية العريضة المعنية باحترام حقوق الإنسان، وبوحدة البلد على أسس جديدة. لابد أن تعترف مكونات الحركة الجماهيرية الثائرة بأن مؤسسات الدولة الوطنية منذ حدوث ما يُسمى بالاستقلال، والذي كان في حقيقته استغلالاً من قِبل قلة قليلة من النخب المدنية والعسكرية لغالبية المواطنين بدرجات متفاوتة من الاستغلال لم تكن مُلبية لتطلعات وآمال وطموحات كل المكونات السودانية، ولابد من الاعتراف كذلك بأن الجبهة الإسلامية القومية زادت طين هذه المؤسسات بلة، عندما قضت عليها بالتمكين خلال الثلاثين عاماً التي قضتها في السلطة، حينها وضعت المصاحف على أسنة الرماح، وقتلت الملايين، وشردت، ونزَّحت مثلهم، وارتكبت من الجرائم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

عليه؛ فإن الترتيبات الأمنية يجب أن تكون بين قوى الكفاح المسلح ومؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ولكن بعد أن تتم عملية إعادة البناء والهيكلة من جديد لذات المؤسسات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتم عملية الترتيبات الأمنية في ظل وجود “مليشيا الجيش” و”الدعم السريع” بنفس هاتين التركيبتين من حيث التكوين والتسليح والقوى البشرية، والمهام التي حددتها العقيدة القتالية لهذه المؤسسات الخربة.

إنَّ إعادة بناء وهيكلة “الجيش السوداني” الحالي ليصبح جيشاً حديثاً وبعقيدة قتالية جديدة؛ تحتاج إلى برنامج طموح يضعه العساكر السودانيون المحترفون من الجيش الحالي نفسه، ومن العساكر المتقاعدين الذين أحالتهم الجبهة الإسلامية القومية لصالحها العام، وتضعه معهم عناصر عسكرية من كل مكونات قوى الكفاح المسلح، مسنودين بخبرات إقليمية ودولية، وفوق كل ذلك مدعومين بإرادة سياسية سودانية راشدة من أجل مستقبل هذا البلد، ومستقبل إنسانه في داخل حدوده.

إنَّ الهدف الاستراتيجي من عملية الترتيبات الأمنية لاتفاقيتي جوبا الأولى وجوبا الثانية هو تكوين الجيش السوداني الجديد الموحَّد، ليكون لدى السودان جيش قومي تشارك في قيادته وفي تكويناته الدنيا وفي جميع أفرعه وتشكيلاته القتالية كل المكونات السودانية، جيش خال من عقلية المليشيات، ومن التسييس، ومحرر من سيطرة كبار الجنرالات الذين ظلوا يساهمون في قراري الحرب والسلام المسيسين لأكثر من ستين عاماً، وهم جنرالات محسوبون على المكوَّن العربي السوداني، وبالطبع في عهد الكيزان صارت كل جنرالات “مليشيا الجيش السوداني” محسوبة على ولاية نهر النيل، ولكنها مطَّعمة بالضحية الجنرال، شمس الدين الكباشي، الذي جيء به لكي ينجي قيادات الجيش المستعربة من العين التي قد تصيبها لو لا وجود الجنرال الكباشي وفقاً لمحن الثقافة الإسلاموعروبية السودانية.

الخلاصة، لن تقوم للسودان قائمة في ظل استمرارية مؤسسات دولة الاستغلال وليس الاستقلال في 01 يناير 1956م كما هي، ولن تقوم للسودان قائمة في ظل استمرارية “مليشيا الجيش” و”مليشيا الدعم السريع” التي ارتبط وجودها بالسفاح عمر البشير الذي أطاحت به الثورة الشعبية، ولن تقوم للسودان قائمة في حال استمرار التحالف القائم الآن ما بين قوى الكفاح المسلح وقائد “مليشيا الدعم السريع” حميدتي، ولن تقوم للسودان قائمة في حال استمرار التحالف القائم الآن بين البرهان وآل زايد وآل سعود وسيسي مصر، ولن تقوم للسودان قائمة في حال استمرار تحالف اليمين السوداني الانتهازي المعلن والخفي، وسوف يعتلي السودان أعلى الدرجات في حالة إقامة دولة المواطنة، أي دولة المؤسسات التي تديرها التحالفات السياسية البرامجية التي تنتجها القوى الثورية الطليعية الحيَّة في البلاد، تلك التحالفات التي تنبذ القبلنة والجهويات والعنصرية والاستعلاء الديني والثقافي، وتجرم الاستثمار السياسي في الدين والعروبة والزنوجة، وليكون مال لله لله، ومال لقيصر لقيصر.

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *