‫الرئيسية‬ ثقافة موسيقى جمهورية أعلى النفق
ثقافة - 11 مايو 2021

موسيقى جمهورية أعلى النفق

منصور الصويم

شدني حنين عذب إلى الاستماع إلى معزوفات – موسيقى الموسيقار اليوناني ياني كريسماليس، قلت: “حنين”، وذلك لارتباط موسيقاه عندي بذاكرة أيام فريدة وعجيبة. إذن، انتقلت من نافذة الفيسبوك على جهاز الكمبيوتر، إلى نافذة اليوتيوب، ودونت ياني، لتطل أوكسراه الأوبرالية البديعة، تنتقل الموسيقى – تواً – مثل صوت زخات المطر إلى أذني، تراخى جسدي في استرخاء، عدا كفي اليمنى التي كانت لا تزال تقبض على الماوس. ثم، وبتلقائية التعود وجدتها تعيديني مرة أخرى إلى نافذة الفيسبوك، لأجد أمامي – تواً – مقطع فيديو معنون بـ (الجمهورية التي نحبها)، ذكرى يستعيدها شقيقي النذير الصويم، من سناءات العام 2019، موسيقى ياني لا تزال تتدفق في شراييني، وصورته وهو يوزعها راقصاً – الموسيقى – بقميصه الفضفاض وشاربه الغجري لا تزال تهتز أمامي بصري. كيف يعمل العقل متعاملاً ومتداخلاً مع التقنية؟ لا أعرف، لكنني في الآن ذاته كنت أضغط على زر التشغيل لمقطع فيديو (جمهورية أعلى النفق) العنوان الأصلي، للذكرى المستجلبة من عام سمو الثورة السودانية الديسمبرية؛ وتتداخل الموسيقى: ياني في (مقدمة ونوستالجيا)، وأعلى النفق في موسيقى الحديد والقضبان والتوقيع الطبلي الفرح، المتحرر، الثوري، الطليق.

الجمهورية الحرة

لا أدرى من مِن ثوار ثورة ديسمبر المجيدة، الفاعلين وقتها على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، ومن أدوا أعظم الأدوار التحفيزية والتثويرية بتدويناتهم وتعليقاتهم ومتابعتهم الدقيقة لكل مجريات وأحداث الثورة، من منهم أطلق على هذا المكان – الذي هو خارج المكان – اسم (جمهورية أعلى النفق)؟ أهو حسام الكتيابي؟ الفتى الفنان الشاعر الساخر، الذي – ربما – لم ينم ولو ساعة منذ انطلاقة الثورة وإلى لحظة تتويجها العظيم بذهاب المستبد ونظامه الفاسد؟ أم هو الشاب الساخر، والثائر المثقف محمد ميدو، صاحب التدوينات والبوستات، التي تساوي في معناها – حين التقييم – عمل عشرات وكالات الأنباء المتخصصة متطورة الأساليب، في الرصد والمتابعة والقدرة على التحليل، وتوجيه الجماهير وإفساد تكتيكات (النظام) الإعلامية البائسة؟ أم هو – مطلق الاسم – ثائر آخر، غيبت اسمه تحولات الأحداث وارتفاع وانخفاض مناسيبها بين الإحباط والتفاؤل والأمل المتجدد؟

موسيقى الحديد

المشهد، بلا شك، كان – ولا يزال – ساحراً ومدهشاً لكل من يشاهده للمرة الأولى ويستمع للتوقيع البديع لموسيقى الحديد مقرونة مع صرخات الثوار وهتافاتهم ورقصاتهم التي تعبر عن التحدي والتحرر من كل إرث الإسلاميين البالي، في الخداع والتحريم، ومحاربة الحياة – لغيرهم. ثمة دهشة، ولابد تلبست كل من فاق عمره سن الأربعين وهو يبصر هؤلاء الشباب الغض وهم يضربون، الحديد بالحديد، وينتجون تلك الموسيقى ذات الإيقاع الرتيب المتكرر، لكن في تموسق تصاعدي، روحي، كرنفالي يحتفي بالحياة والحرية وسماواتها المفتوحة إلى ما لا نهاية.

هل شكل (اعتصام القيادة) زمانه ومكانه الأسطوريين المنتزعين من مستقبل – تاريخ، غير منظور، هل بالفعل أوجد (الاعتصام) وخلق تلك الحالة من (السودانوية) التي ما فتئ السودانيون – الوطنيون ينشدونها قبولاً لتنوعهم واختلافاتهم وتداخلاتهم المتماسة؟ ربما، لكن، إن نظرت إلى لوحات – فيديوهات موسيقى أعلى النفق، ستدهش بذلك التناغم الغريب بين كل مكونات السودان، أمام التزام الإنتاج لهذه أو تلك اللحظة الفريدة: لحظة الموسيقى المثورة، لا تحتاج إلى صوت آخر متكلم أو ناطق ليشرح أو يوضح أن الآن وهنا وإلى الأبد تتشكل النهاية وتتخلق، وما سيأتي، طالت المؤامرات أو قصرت، سيختلف عن ما مضى، وأن سودان الإيقاع الموسيقى القديم بطغيانه وضجيجه واستحواذه مات ولن يعود مرة أخرى مهما حدث.

التوحد مع الموسيقى، التلبس بالثورة

مقاطع الفيديو، المنتشرة هنا وهناك، منذ يوم الاعتصام العظيم، وإلى لحظة الفض اللئيمة؛ تنقل بعضاً من روح المكان، ديناميكيته وملحميته وأسطوريته، الأجساد والهتافات، الوجوه والألوان، الرايات والدموع، ثم، موسيقى الحديد الطبلية باثة الحماسة في الأجساد الفتية، لكنها – المقاطع – تعجز تماماً عن تخليق تلك الحالة من السمو والإبهار والتحرر التي يحسها من شهد وسمع كل ذلك من أعلى الجسر أو عند مستقره بين جموع الثوار. لساعات تحت هجير الشمس، وبرد الليل؛ ورذاذ المطر، يستمر الشبان صارمي الوجوه في الطرق على الحديد؛ الجسر الحديدي الشامخ، حديد قضبان السكك الحديد، تتنوع أدوات الطرق بين الحجارة الصلدة ومقابض معدنية صغيرة منتزعة من الطرقات والليل، ثم أعمدة أسطوانية طويلة قوامها أجزاء من قضبان السكة الحديد ذاتها أو أعمدة إنارة متهاوية، أو حتى أجزاء من سيارات مهشمة على الطرقات، على هذه الأسطوانة تتشكل موسيقى الثورة متشربة الأجساد نافرة العضلات في تعاونها وتعاضدها على الطرق بإيقاع الفجر المنغم الذي يرى هناك في البعيد، على الوجوه العابسة المتحدية، والأجساد الطرية الخفيفة كخيال التي تدور من حولها راقصة تطلق الهتافات المتقطعة في تبادلها النغمي موسيقى الحديد. كأنهم الدراويش في حلبة الذكر مأخوذين بإشراق الغيب وتكسر قشرته الممانعة.

قرع الطبول

ذات يوم بعيد، سألت الموسيقار عاطف صالح، هل فعلاً تمتص الموسيقى نوبات الغضب، أو الإحباط والاكتئاب التي تنتابنا كبشر؟ وهل حقاً أن بإمكان الموسيقى أن تجدد الروح فينا وتعيدنا خلقاً من جديد؟ تحدث الموسيقار المختص كثيراً وبشكل علمي مبهر، إلا أن ما علق بذاكرتي حتى الآن، ما قاله عن اختياره – تذوقه الموسيقي الخاص في حالات التهاب العاطفة (غضباً أو ثورةً أو تطرفاً إلى حافة الاكتئاب)، فبينما قلت إنني أميل إلى الموسيقى الهادئة، لتسكين ثوراتي؛ فاجأني الموسيقار ضاحكاً بأنه في مثل هذه الحالات يستمع فقط إلى الموسيقى الصاخبة الضاجة العنيفة، فهي وحدها كفيلة بإعادة موسقته وإصلاح كميائيته المعطوبة من جديد. هل توصل ثوار أعلى النفق، وثوار الجسر، وكل الثوار الديمسبريين العابرين إلى هذه النتيجة؟ أفي ثورة الموسيقى وضجيج طبولها الحديد ما يقي الروح من الانزلاق في فخاخ الخوف والاحباط والتخاذل؟

عند الموت، في علو فاجعته، عند كثير من القبائل السودانية والأفريقية تحضر الموسيقى الطبلية، محتفلة ومتحدية، كأنما تزف حياة إلى الموت في مقابل موت ينتزع حياة. عند الجسر الحديدي الشامخ، في أعلى نفق الجمهورية؛ أكان الموسيقيون الصارمون، ضاربو الحديد بالحديد، على علم بأوان الرحيل: أوان الحقيقة، الموت، والاستشهاد البكر، والشجاعة التي تقاوم اختناق الماء تحت ثقل بلوكات الإسمنت، أسفل الجسر العريق. موسيقى الحديد – هذه الخالدة – في حالة تردداتها المتوالية تنغيماً طبلياً داخل الزمان وخارجه؛ هل مثلت حالة أوانها السحري تلك إرهاصاً أولياً لوداع ممتلئ بالحياة لأولئك (العصافير)، شهداء الاعتصام الذين مضوا عابرين في بهاء الأبد: “ما تمشوا تخلونا بالليل بجوا بجازوفنا”.

رئيس جهورية الأبد

ياني، بيتهوفن، موتسارات، وباخ، سادة الموسيقى ومنتجوها في ذاتها لذاتها، أمام سونتاتهم وسموفيناتهم، تمتد جمهوريات الحس الماورائي إلى ما لا نهايات له، إلى برازخ بلا أمد، ربما. في جمهورية أعلى النفق، يقف المهندس عماد الدين بابكر إبراهيم البشير، الملقب برئيس جمهورية أعلى النفق، ممكساً بعود نحيل أمامه ومن حوله ينتشر الشباب العابسون، الثائرون، ممسكون بأدواتهم يطرقون الحديد بالحديد، ينتجون موسيقى حياتهم – غدهم، بينما، هو، بعوده النحيل يوزع الموسيقى. الرجل، الشيخ، الستيني ربما، كيف اعتلى منحنيات النفق ووصل إلى هناك عند أعلى مدارج الجمهورية، التي هي خارج الزمان والمكان؟ في البدء تبدو صورته وكأنها شيء طارئ على هذا الكرنفال، ثم لا تلبث أن تكتشف رسوخ وجوده وانوجاده في هذا التكون الدهش للأشياء والناس والحياة ذاتها في لحظة كشفها عن وجه آخر جديد. كأنه الشيخ الذاهل بين الشباب، الموسيقار الغجري بين عازفيه الطلقين، رئيس جمهورية النفق، التي ترعى رعاياها الوسيمين في تخوم السماء وبمحاذاة الأبد.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *