‫الرئيسية‬ مقالات الشهداء .. قناديل عتمتنا، نقيض خيبتنا، ويقيننا المفرد
مقالات - 11 مايو 2021

الشهداء .. قناديل عتمتنا، نقيض خيبتنا، ويقيننا المفرد

“سَقطَ الموتُ وانفرطَ القلبُ كالمسبحَة

والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاح

المنَازلُ أضرحَةٌ

والزنازن أضرحَةٌ

والمدَى أضرحَةٌ

فارفَعوا الأسلِحة واتبَعُوني

أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحة

رأيتي: عظمتان وجُمْجُمة

وشِعاري: الصَّباح”

– أمل دنقل

ها نحن الآن على أبواب الذكرى الثانية لشهداء مذبحة القيادة، نذكر كل الشهداء، نذكر (عباس فرح) وهو يترنح مضجراً بالدماء، ليس بحثاً عن مهرب، إنما بحث عن أمان الترس الذي قال فيه: “الترس ما بنشال، الترس وراهو رجال”. نذكر (كشة) الذى بعد أن احترقت أجزاء من جسده في خضم نضاله المضني قبل بضعة أشهرٍ من استشهاده، عاد مرة أخرى ليكتب السطر الأخير في سفر حياته الباهية، وليعلمنا كيف تكون البطولة، وكيف يكون الثبات. نذكر (محمد عبد الرحمن – مانديلا)، ولهذا اليافع قصة تروى، وُجِدت جثته صبيحة مليونية 30 يونيو الأولى ملقاة جوار خور أبوعنجة، وُجِدت وبها من الثقوب وآثار التعذيب ما يقترب من التمثيل، إن لم يكن هو التمثيل في أبشع صوره.

نذكرهم كنماذج، شذرات من سفر البطولة الباذخ والتضحية العظيمة، وإذ نذكرهم نذكُر قبلهم شهداء سبقوهم، وشهداء رافقوهم، وآخرين أعقبوهم، ذهبوا جميعاً في شموخ فداءً وتضحية عز نظيرها. لدي اهتمام خاص بهذا المكون من مكونات الثورة، حاولت البحث والتقصي عن نمط تفكيرهم من أجل التعرف أكثر عن مفاهيمهم تجاه قضايا الوطن، فلم يكن أمامي إلا زيارة صفحاتهم على (فيسبوك) عقب استشهادهم بأيام، فهالني مستوى الوعي، ووضوح الرؤية، والاستعداد الفطري للفداء والتضحية في سبيل قناعاتهم.

خذ مثلاً ما جاء على صفحة عباس: “لكل واحد منا دور لابد أن يلعبه في هذه المسرحية التي نسميها الحياة”. ثم تمعن في نعي كشة لنفسه: “عش بسرعة ومت شاباً، واترك وراءك جثة وسيمة الملامح”. أما حينما تصل لصفحة مانديلا، فستنفتح أمامك مغاليق فهم هذا الجيل الذي أسأنا فهمه، واستهجنا نمط حياته، اسمعه يشرح من هم: “نحن جيل مختلف، مختلف في كل شيء، في اهتماماتنا، في أهدافنا وطموحاتنا، طريقة لبسنا، وحلاقتنا، الأغاني البنسمعا، نحن جيل شايف إنو ممكن يعمل حاجة”.

ورغم أن الشيء من معدنه لا يُستغرب، إلا أنه هالني أكثر تسامي ذويهم فوق الجراح وألم الفراق وحرقة الحشا، وغبينة التماطل في إحقاق العدالة. اسمع ماذا تقول السيدة (إيمان إسماعيل) والدة الشهيد قصي حمدتو -صاحب الموت المأساوي- لقد أفادت في زمن مضى ودماء فلذة كبدها ما زالت رطبة، بأنَّها لا تطالب بالقصاص في من قتل ابنها، معتبرة أنَّ إهدار مزيد من الأرواح لن يخدم قضية الوطن، ثم أضافت: “بدماء قصي نهب الآخرين حياة”.

وفي ذات السياق، فإن كان للاستشهاد من مأثرة تفوق مأثرته الذاتية الخالدة، فإنه أضاف لقاموس المعاني ومنظومة القيم الجديد الفريد، حينما تتمعن كلمات والد الشهيد (عبد الرحمن)، الأستاذ الصادق سمل، ما تُطأطأ له الهامات، وتنحني له القامات، اسمعه يقول: “إنَّ تفكيري حول مقتل ابني يتجاوز وجعي الذاتي حول فاجعة موته إلى وجع أعمق، حول أن يكون في بلادنا من يؤمنون بأنَّهم لا تكتمل طهارتهم إلا بدماء أولادنا”. ثم يواصل: “إلى قتلة ابني عبد الرحمن: أنتم في حاجة للتطهر من دم ابني بدرجة أكبر من حاجتي للقصاص أو رغبتي في قتلكم، وإن لم تدركوا معاني ومدلولات حديثي الآن فستدركونه في مستقبل حياتكم، …… “.

وقبل أن نفارق بهاء هذا الدفق الإنساني الفريد، دعوني أعود بكم مجدداً للسيدة إيمان، لنرى ما يُؤرِق صفوها، وما يُشغِل بالها، هل هو الثأر؟! لا بل هي حقوق المواطن سادتي، حيث طالبت بضرورة تعديل القوانين المتعلقة بحقوق المواطنين في التظاهر وإبداء الرأي، مؤكدة أنَّ قوانين حماية الحريات مُجحفة، وإن لم يتم تعديلها فلن تكون هنالك محاكمات عادلة للجناة في جرائم انتهاك حرية الأفراد في التظاهر.

إذن يؤكد أولياء الدم أنهم ماضون في طريق شهدائنا وعياً بالقضايا التي استشهدوا في سبيلها، لا يثنيهم وجعهم الخاص وثأرهم الشخصي عن متابعة تحقيق حلم شهدائنا في سودان حر ديمقراطي. فلنعمل معهم في ذات الاتجاه من أجل انتصار حلمهم في ترسيخ قواعد الدولة التي حلموا بها، ونحن نمضي قدماً في دروب طلب العدالة قصاصاً لدمائهم الطاهرة.

أما فيما يخص ملف قضية الثورة الأولى، فإننا نعلم جيداً تعقيدات ملف قضية فض الاعتصام، ونعلم جيداً مطلوبات التحقيق الجنائي في مثل هذه القضايا الشائكة، ولكن تطاول أمد إصدار التقرير الختامي للجنة المستقلة لن يكون مقبولاً بانفتاح الإطار الزمني. فهذا التمادي الذي يقترب من المماطلة سيؤدي لأحد طريقين: فإما أن يتم تدويل القضية، كما هو جار الآن، بمخاطبة محكمة الجنايات الدولية يأساً في تحقيق العدالة داخلياً، أو أن تتطور درجات الحنق الذي يَسِم القوى الثورية عامة وليس أسر الشهداء تحديداً، فيتطور هذا الحنق إلى كفران بدولة القانون، ومن ثم استبدال المسار القانوني بمسارات أخرى لا يعلم تداعياتها أكثرنا تشاؤماً. لعل أعضاء لجنة التحقيق أكثرنا علماً بأن تحقيق العدالة لا ينفصل عن مسار رؤيتها وهي تتحقق، فهل ما يجري الآن في هذا الملف يمكن أن يبعث على الاطمئنان؟!

هي إذن سانحة لنعيد تصويب رؤيتنا تجاه قضية الشهداء بصورة أكثر شمولية، فمع المسار القانوني، أرى ضرورة تشكيل هيئة وطنية تضم لفيفاً من القانونيين، المفكرين، المبدعين، رجال الدين الإصلاحيين، الشباب، الطلاب، المرأة، وكافة ممثلي القوى الحية في المجتمع، بغرض فتح ملفات الاستشهاد منذ عنبر جودة، مروراً ببيت الضيافة، مذبحة الضعين، شهداء رمضان للعام 90، شهداء بورتسودان، كجبار، العيلفون، سبتمبر 2013، انتهاء بشهداء مذبحة القيادة العامة، بحيث يتم فتح كافة الملفات لتوثيق التفاصيل، وتخليد الذكرى، ورد الاعتبار، وإحقاق الحق، ومن ثم رعاية أسر الشهداء تعبيراً عن مدى امتنان الشعب لما قدموه من تضحية من أجل الوطن وإنسانه، جهود لا تلغي أبداً طلب العدالة، بل تستوعبها كجزء من الإنصاف الذى يليق بقيمة الدم المسفوح غدراً وغيلة.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *