‫الرئيسية‬ مقالات شكراً (فضيل) على التنبيه!!
مقالات - 7 مايو 2021

شكراً (فضيل) على التنبيه!!

ليس من جديد، إن قلنا إن مرحلة الانتقال تمر بمنعطفات حادة، تكفي حدة أي منها لإعاقة مسير قاطرة الثورة إن لم توقف حركتها تماماً، فما بين تدهور الاقتصاد عموماً والحالة المعيشية تحديداً، إلى اضطراب المزاج العام وفقدان شهية النظر إلى المستقبل بأي وجهٍ من وجوه التفاؤل، مروراً بإحباطات النظر القاصر للقوى السياسية عموماً حزبية كانت أو مدنية أو مهنية، إلى اضطراب العلاقة بين المكونين المدني والعسكري وداخل كل مكون على حده، وصولاً إلى التنكر الخفي لالتزامات الثورة الممهورة دستورياً متن الوثيقة الدستورية التي تقترب رويداً رويداً من حجز مكانها اللائق في أضابير دار الوثائق، إن لم يُصِبها ما أصاب محضر اجتماع اللجنة الأمنية الخاص بفض اعتصام القيادة !!
أعلاه، ما أصبح معلوماً للكافة، وإن عملية اجتراره أضحت بمثابة ما يستوجب الاعتذار، غير أن ما دعاني لهذه التقدمة هو استمراء (حكومتنا) تغييب الشعب عموماً والقوى الثورية تحديداً عن المشاركة الواعية في اتخاذ بعض القرارات المهمة في ما يخص كثير من القضايا المحورية مثل التطبيع، العلمانية والمصادقة على سيداو، وغيرها من قوانين أُنكِر بعضها وأُجِيز بعضها خلال سويعات، بعيداً عن الرأي العام صاحب القرار.
فهل كنا في حاجة لينبهنا عمل درامي رخيص شكلاً ومضموناً، لأهمية إشاعة التنوير بين عامة الناس حول قضايا شديدة الالتباس والتعقيد تستوجب أول ما تستوجب إجلاء اللغط حول مضامينها، ذلك اللغط الذي كرسته سنين التيه التي خصمت ثلاثة عقود من تاريخ إشاعة الوعي والمثاقفة المنتجة، تخطئ حكومة الثورة و حاضنتها السياسية، حينما تستهين بأهمية التواصل مع قواعد الثورة في المدن والأرياف تمليكا للمعلومة وتنويراً بالقضايا وطلبا لإثراء الحوار حول معيقات الحاضر وآفاق المستقبل، استهانة من شأنها فتح الساحة كما هي مفتوحة الآن لأعداء الثورة أو حتى (للفضيليين) لبث سمومهم أو ترهاتهم تغبيشاً للوعي ومغازلة للعواطف وبالنتيجة وضع مزيد من العصي في دولاب الثورة.
وفي ذات السياق فإن من يظنون أن غياب – أو بالأصح تغييب – المجلس التشريعي يُعد فقط خصماً على مراقبة السلطة التنفيذية وديمقراطية اتخاذ القرار وصناعة القوانين والتشريعات، يتجاهلون ما هو أهم وأعلى شأناً، وأعني هنا دور المجلس التشريعي في عملية إشاعة التنوير وتجذير الوعي بتفاصيل القضايا المطروحة على منضدته، حيث تكفي فقط تعدد القراءات لمشروع قانون ما، قبل إجازته في قراءته الأخيرة لضمان إشراك العامة في صناعة ذلك القانون عبر الأخذ بمرئياتها خصماً أو إضافة، ومن ثم قبولاً أو رفضاً، ولعل هذه المهمة تحديداً (إشاعة المعرفة) هي ما تقف حجر عثرة في طريق أن يرى هذا المجلس النور، ربما حتى يتسنى لأعضاء المجلسين تمرير ما يرغبون في تمريره بلا مراجعة قد تخلط الأوراق أو تعيد ترتيب الأولويات.
عُرِفت هذه الثورة أول ما عُرِفت بأنها ثورة وعي، ذلك الوعي الذي أنتج: يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور / سلمية سلمية / مدنيااااو / عندك خت ما عندك شيل / حرية، سلام وعدالة وما إليها من مضامين استلهمت زبدة مفاهيم التحرر في أفقه الإنساني العريض، لدرجة أن أضحت شعاراتها ترانيم عابرة للحدود تُلهم الباحثين عن الحرية والانعتاق قبس من ضياء التجربة السودانية المجيدة، فهل يصح من بعد كل هذا الثراء الوجداني والمعرفي أن تتعامل السلطة الحاكمة وحاضنتها السياسية مع هذه القوى الثورية كأنما هي في حكم القاصر الذي تُراعي مصلحته دون الأخذ بمرئياته في قضايا الوطن وقضاياه!!
لا يكفي إذن خطب السلطة الحاكمة لود القوى الثورية بالمصادقة أو الاعتراف بما تعتبره مكاسب لتلك القوى كالمصادقة على سيداو أو القبول بفصل الدين عن الدولة أو ما في حكمهما من قضايا دون إشراك ذات القوى المستهدفة بتلك المكاسب، وما ذلك إلا لأن من يعطي الآخرين منحةً، يمكن أن يأخذ ما أعطى، وقت ما يشاء إن تغيرت الموازين أو اختلفت الظروف، فضلاً عن أن هذا النهج يستبطن أبوية ووصاية مقيتة هي بعض من أسباب الثورة ودوافعها.
إن كان من كلمة أخيرة، فهي دعوة للمثقفين والمبدعين الثوريين خاصة بالخروج من قمقم الإحباط للمساهمة في صناعة الأمل أو على الأقل إبقاء ما تبقى منه حياً، فالثورة في هذه اللحظة التاريخية تحتاج إلى طاقة إبداعية تبقي الأمل حياً رغم الظروف الماثلة وتقدم ما تستطيع من وعي، حتى لا تصبح الساحة خالية لتمرير الرسائل المضادة للثورة وقضاياها.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *