‫الرئيسية‬ ثقافة فنون عبد الكريم الكابلي.. تواشيح (الجزء الثاني)
فنون - مقالات - 7 مايو 2021

عبد الكريم الكابلي.. تواشيح (الجزء الثاني)

مهدي يوسف إبراهيم
توطئة:
*…*
“ومنذ أن تفتَّحت مداركي على هذه الحياة، أدركت عميقاً أنَّ الفن الخيّر كان وراء تطوُّر البشرية”
التوقيع: “عبد الكريم الكابلي”
…………………..
للإلمام بمشروع “الكابلي” الغنائي، لا بدَّ من التوقُّف عند عدَّة نقاط مهمَّة. ولا أطلق هنا كلمة “مشروع” اعتباطاً؛ ففنَّانون مثل “الكابلي” و”وردي” و”عركي”، لم يمارسوا الغناء دون أن تَكمُن وراءه مشاريع إبداعية محدَّدة وراسخة، سخَّروا لها مواهبهم العظيمة.

أوَّلاً: الكابلي شاعراً
………
كان مدخل الكابلي للغناء عبر بوابة الشعر، فكتب “يا زاهية قلبي الشلتي جيبيه”، التي تغنَّى بها عبد العزيز داوود. ولأنّ وجدان الرجل وذاكرته استندا على قراءاته الغزيرة في الأدبَينِ العربيِّ والعالمي؛ فقد حرص الكابلي طوال حياته على التغنِّي بالنُّصوص العالية الجودة، فصيحةً كانت أم عامِّيَّةً، سودانيةً كانت أم قادمةً من فجاج العالم العربي الأخرى. ولعلَّه من الفنَّانين القلائل الذين لم يتغنوا يوماً واحداً بنصٍّ شعريٍ غثٍّ على الإطلاق.

تغنّى “الكابلي” بنصوص مِن نظْمه وألحانه، فكتب، مثلاً، “أوبريت مروي”:

_فيكِ يا مروي شفت كلّ جديد
فيكِ شفت عيون لعبو بيّ شديد._

وكتب النشيد العظيم “فتاة الأمس والغد”:

_أيُّ صوتٍ زار بالأمس خيالي
طاف بالقلب وغنّى للكمال
وأذاع الطهر في دنيا الجمال
وأشاع النُّور في سهد الليالي._

وتغنَّى كذلك بروائع “مرايا” و”مشاعر”، و”زمان الناس” و”ليس في الأمر عجب” وغيرها، وكلها نصوص من نظم الكابلي نفسه كما أسلفت. كذلك نفح الرجل بعض زملائه بشيء من أعماله ملحَّنة، فقدّم “يا زاهية” للكبير “عبد العزيز داوود” وقدّم للكبير “أبو عركي البخيت” رائعة “مرسال الشوق”:

_مرسال الشوق يا الكلك ذوق
طوف بي الحبَّان في كل مكان
قول ليهم شُفنا “جبل مرَّة”
وعشنا اللحظات حب ومسرَّة
بين غيمة تغازل كل زهرة
وخيال رُمَّانة على المجرى._

ولا أدري إلى الآن، كيف التقط خيال الكابلي الوثَّاب صورة خيال الرُّمَّانة على المجرى ليعتقلها في نصٍّ شعري!
وذات رحلة ٍفنِّيَّة ٍإلى مدينة “ود مدني” لاحظ “كمال ترباس” أنَّ الكابلي كان يجلس وحيداً، فلم يعكِّر عليه صفْوه، إذ أدرك بحاسَّته أنَّ الرجل القامة يقع الآن تحت تأثير إلهامٍ ما. بعد دقائق أمسك الكابلي بالعود وبدأ يترنَّم:

_بريدك والريدة باينة في عينيّا
بريدك والشوق غمرني وفاض بيّا
ما إنت شبه البترادو
تصلح الكانو اتعادو
قول ليَّا بس كيفن ألقاك
قول ليَّا آه قول ليَّا._

فالتقطها “ترباس” وصارت من أغنياته العظيمات. كما قدَّم لمحمد أحمد عوض أغنية “عشَّمتيني في حبك ليه”، وهي أغنيةٌ كتب مطلعها “محمد أحمد عوض” نفسه وأكلمها له الكابلي.
……………………..
ثانياً: رسالة الغناء

لا يكاد يخلو أي لقاءٍ تلفزيوني أو إذاعي أو صحفي أُجريَ مع الكابلي من حديثٍ عمّا يُسمِّيه هو دائماً “الفنُّ الخَيِّر”؛ فيرى الكابلي أنَّ الفنون، عموماً، رُسُلٌ للجمال والخير ونباريس للوعي. التفت الكابلي لقضيّة المرأة منذ بداياته الأولى كما أشرت سابقاً، وتغنَّى للعاطفة السامية في روائع يصعب حصرها. أذكر منها “ضنين الوعد” و”إني أعتذر” و”ماذا يكون”. تغنّى الكابلي للحرية والشرفاء:

_لا لمن يوصد في الظلماء للأحرار باب
لا لمن يشهر للحرية العذراء ناب
لا لمن يبذر بين الناس حقداً واحتراب
لا للتفاخر والتناحر والسباب
لا للتحزب .. لا لإذلال الرقاب

تغنّى لثورة “أكتوبر”:

_هبَّتِ الخرطوم في جنح الدُّجى / ضمَّدت بالعزم هاتيك الجراح
وقفت للفجر حتى طلعا / مشرق الجبهة مخضوب الجناح._

وتغنَّى كذلك لقضايا العوالم العربي والأفريقي والثالث، فهتف للجزائر:

_يا جناح الشوق طِرْ بي يا جناح
عبر هاتيك الروابي
واحمليني وانثريني يا رياح
عبر هاتيك الروابي
كى أرى الأرض الفتية
غسلتها بالدم القاني الشرايين الذكية
فلها ألف سلام ولها ألف تحية

وتغنَّى للقضية الفلسطينية، فشدا مع شاعرنا “عزيز التوم”:
_بدمي سأكتب فوق أرضك يا فلسطين اسلمي
وأموت يا “يافا” شهيد الوعد واسمك في فمي

والمعروف أنَّ دخوله إلى عالم الفنِّ مغنيّاً، جاء عبر بوابة “أنشودة آسيا وأفريقيا” للكبير “تاج السر الحسن” وهو نصُّ شعري طوّف بكل بقاع الكون احتفاءً وحباً وإجلالاً.

في داخل “السودان” تغنّى الكابلي لمدينة مروي، و”جبل مرة” كما أشرت سابقاً. أما رائعة “حديقة العشّاق” التي نظمها العظيم ” توفيق صالح جبريل” ولحَّنها وغنَّاها “الكابلي” فتظلُّ من أجمل النصوص الفصيحة في الغناء العربي:

_نضّر اللهُ وجه ذاك الساقي … إنه بالرحيق حلّ وثاقي
فتراءى الجمالُ مزدوج الإشراق… يسبي معدِّد الآفاق

وله أغنية جديدة بعنوان “قَلْيَة بُن” يحتفي فيها بشرق السودان، حيث ولد هو وترعرع، قدمّها لعصفور الشرق “محمد طاهر أدروب” ويقول فيها “الكابلي”:

_قلية بُن تسافر بي الحنين والشوق
بي جناح الأثير عبر الجبال بي فوق
تغشى أهلنا في سنكات جوار السوق
ومشتاقين كتير بعد السلام يا شروق._

ولعلَّ “الكابلي” قد احتفى بكل فجاج السودان، سهوله وجباله وكثبانه وغاباته وأنهاره، ريفه وحضره، في “أوبريت الشريف زين العابدين الهندي” الشهير:

_مساهر ليلك الطوّل نجوم وهجوع
وغرقان قمرو في جوة السحاب مصروع
بصارع فيك ضلام تّمن سنينو سبوع
يراقب فجرك الآذن زمانو سطوع._

وللكابلي كتاب ظلٍّ يعكف عليه منذ زمن بعيد أسماه “فن وتأمل”، يختزل فيه خلاصة رؤاه لرسالة الفنون عموماً.
………………
ثالثاً: النُّصوص الفصيحة

كلما ذكرت الأغنية الفصيحة في السودان، قفز إلى الذهن اسم “الكابلي”، وقد خالطه هذا الضرب من الغناء “مخالطة الحنين لي الشوق” كما يقول “الشريف زين العابدين” في أوبريته العظيم. ولا يمكن فصل هذه الجزئيَّة من شخصية “الكابلي” كشاعر عظيم ومثقف اطَّلع على التراث العربي الشعري، قديمة وحديثه. يرى الكابلي أنَّ الغناء يمكن أن يكون أداة مهمة لتحبيب الناس في اللغة العربية الفصحى، واللغة ملمح حضاري مهمٌّ للكابلي، وركيزة جوهرية في قضية الهوية. التفت الكابلي للمتنبي، فتغنَّى له برائعة:

_مالنا كلنا جوىٍ يا رسول أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها غار مني وخان فيما يقول

وتغنَّى له برائعة:

_أَرى ذَلِكَ القُربَ صارَ
اِزوِرارا
وَصارَ طَويلُ السَلامِ اِختِصارا
تَرَكتَني اليَومَ في خَجلَةٍ
أَموتُ مِراراً وَأَحيا مِرارا._

وتغنَّى له برائعة:

_كَم قَتيلٍ كَما قُتِلتُ
شَهيدِ
بِبَياضِ الطُلى
وَوَردِ الخُدودِ
وَعُيونِ المَها وَلا كَعُيونٍ
فَتَكَت بِالمُتَيَّمِ المَعمود

تغنَّى “الكابلي” للشاعر “الحسن بن هانئ” الشهير بأبي نواس:
_
أجارة بيتينا أبوك غيورُ/ وميسور ما يرجى لديك عسيرُ.
_
والبحتري في رائعة:

“أصفيك أقصى الودِّ غير مقلّلٍ/ إن كان أقصى الوعد عندك ينفعُ”.

وتغنَّى لأبي فراس الحمداني بقصيدته العظيمة “أراك عصيَّ الدمع شيمتكَ الصَّبر”، وتغنَّى كذلك برائعة “نالت على يدها ما لم تنلْهُ يدي” ليزيد بن معاوية، وتنسب أيضاً للوأواء الدمشقي. وتغَنّى برائعة “كلِّلي يا سحبُ تيجان الرُّبى بالحلي” لابن سماء الملك وغيرها. حديثاً، تغنى “الكابلي” بنصوص غاية في الجودة لشعراء من دول عربية؛ فقدّم لأحمد شوقي برائعة:

_صدّاحُ يا ملك الكنار و يا أمير البلبل
قد فزتُ منك بمعبدٍ ورزقتُ قرب الموصلي
وأتيح لي داؤود مزمارا
وحسن ترتُّلِ_

وقدَّم لعباس محمود العقَّاد رائعة “شذى زهر”:

شذى زهرٍ و لا زهرُ
فأين الظلُّ والنَّهرُ
ربيعُ رياضنا ولَّى
أمِن أعطافِكِ النَّشرُ؟

و”علي محمود طه” رائعة “الجندول”:

أين مِن عينيَّ هاتيك المجالِ ياعروس البحر يا حلم الخيالِ.

وقد قدَّمها أوَّلاً الفنَّان “عبد الرحمن بشير” الشهير بود الشاطئ ولحنها “الخليل أحمد “؛ ولكنها ملأت الدنيا وشغلت الناس حين قدَّمها الكابلي.

داخليَّاً تغنَّى الكابلي بروائع من نظم “الحسين الحسن” (إني أعتذر / أكاد لا أصدقُ/طائرٌ الهوى)، و”صديق مدثر” (ضنين الوعد) و(لن يصيب المجد كفٌ واحد)، ومحمد المهدي المجذوب (المولد)، والفيتوري (معزوفة لدرويشٍ متنقل)، وتوفيق صالح جبريل “حديقة العشّاق”. ومحمد سعيد العبّاسي (عهد جيرون) – “أرقتُ من طول همٍّ بات يَعرُوني”، والناصر قريب الله (أم بادر) “أيُّ حظٍٍ رزقته في الكمال واحتوى سرَّه ضمير الرمال”، وغيرهم. ويتمتَّع الكابلي بمقدرة مذهلة على التغنّي بالنُّصوص الفصيحة، يساعده في هذا صوته الجهوري الفخيم، ومعرفته الهائلة باللغة العربية وآدابها، ولا يكاد يجاريه فنان آخر في هذه المقدرة، لا أقول في السودان فحسب؛ ولكن، في العالم العربي الكبير.
الجدير بالذكر أنَّ الكابلي الشاعر لعب دوراً حاسماَ في هذه الجُزئيَّة، فنصوص مثل “ضنين الوعد ” و”إني أعتذر” نصوص طويلة، وما كان له أن يتغنَّى بها كاملة، فقام بقصقصتها دون أن يُحدِث ذلك اختلالاً في وحدتها العضوية.
www.avast.com <www.avast.com/sig-email?utm_medium=email&utm_source=link&utm_campaign=sig-email&utm_content=webmail> <www.avast.com/sig-email?utm_medium=email&utm_source=link&utm_campaign=sig-email&utm_content=webmail> <#DAB4FAD8-2DD7-40BB-A1B8-4E2AA1F9FDF2>

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *