‫الرئيسية‬ ترجمة الفيل في الغرفة .. دراسة مشكلة تعاطي المواد المخدرة
ترجمة - دراسات - مقالات - 8 مايو 2021

الفيل في الغرفة .. دراسة مشكلة تعاطي المواد المخدرة

مداميك – محمد الماحي*

على مدى عقود من الزمان، ظلت الكحول والحشيش “البنقو” هما العنصران الرئيسيان اللذان يتسيدان قائمة المواد التي تدمغ بسوء الاستخدام بين مجموعات معينة من سكان السودان وخاصة الشباب. ولكن تغير هذا النمط، وظلت مواد أخرى مثل الأدوية الموصوفة تسجل ارتفاعاً في الاستخدام  بين الشباب وطلاب الجامعات. تاتي صعوبة تتبع التأثيرات للمتخصصين من أن هناك نوعين من أوجه القصور في الرصد والتقييم:

الأول: أن حجم وعمق المشكلة غير معروف لعدم وجود بيانات موثوقة.

الثاني: التدخلات المعتمدة عن طريق العلاج الوقائي ضعيفة، ولا تستطيع ان تحدد الأسباب المحتملة التي تقف وراء تصعيد المشكلة، وتفتقر لمناقشة التدابير القابلة للتطبيق والتنفيذ للسيطرة على النمو بسرعة تتناسب مع تنامي المشكلة.

هذه الورقة سوف تسلط الضوء على تنامي تيار حالة تعاطي المخدرات في السودان، وتتناول كذلك اقتراحات بالتدابير الوقائية التي تسهم في الحد من تنامي هذه المشكلة، عن طريق البحث والنهج الوقائي القائم على الأدلة، بهدف مساعدة صانعي السياسات للسيطرة على هذه المشكلة. مع الأخذ في الاعتبار أن الثقافة الخاصة للتدخلات العلاجية ضرورية وبالغة الأهمية لتنفيذ مادة وطنية استراتيجية للسيطرة على سوء استخدام المواد المخدرة.

خلفية

شهدت العقود الأخيرة زيادة هائلة في المؤثرات العقلية التي تستخدم في جميع أنحاء العالم بسبب العديد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وبالطبع في معظم البلدان الأفريقية، ولن يكون السودان بمعزل عن تلك المتغيرات وآثارها، ورصدت زيادة سريعة في انتشار استخدام المخدرات خاصة بين الشباب وطلاب الجامعات (Tesfaye et al.، 2014).

خلفية تاريخية

تاريخ إساءة استخدام مثل هذه المواد في السودان خاصةً الكحول والمخدرات المنتجة محليًا تعود إلى قرون عديدة، كانت مشروبات كحولية محلية الصنع، وكان القنب”البنقو” المزروع محلياً هما نوعان من المواد الرئيسية يستخدمان بين مجموعات معينة في السودان (الطيب، 2004: ص 8). الكحول وبالرغم من أنه تم حظرها من قبل قوانين الشريعة منذ عام 1983 ، لا يزال مستخدم بشكل غير قانوني في الكثير أجزاء من البلاد. مثل منتجات كحولية محلية تُعرف المشروبات باسم “مريسا ـ وعرقي”، وهو مشروب شبيه بالجعة بتركيز منخفض من الكحول. عادة ما تكون مصنوعة من الحبوب المخمرة أو الذرة الرفيعة. وهي مقبولة اجتماعيًا في بعض الثقافات الفرعية المحلية، خاصة خلال بعض الأحداث والمهرجانات المجتمعية.

من ناحية أخرى، يتم الحصول على “العرقي”، الذي يحتوي على تركيز كحول أعلى بكثير، عن طريق تقطير تمر النخيل  والفواكه. ويتم استخدامه سراً خلف الأبواب، على سبيل المثال في مراسم الزفاف. لذلك، فالكحول لها بعض التداعيات الثقافية. من جهة أخرى القنب، المعروف محليًا باسم “بنقو” والحشيش. ويتم زراعته بشكل غير قانوني في العديد من مناطق البلاد باعتبارها محصولاً نقدياً، ويشكل بعده الاجتماعي والاقتصادي تعقيداً في لمشكلة التعاطي.

المشكلة الحالية

أظهر مشهد المخدرات في السودان العقد الماضي زيادة كبيرة وسريعة في استخدام العديد من المواد الدخيلة، بما في ذلك إساءة استخدام العقاقير الطبية. وعادة ما تكون الأدوية الموصوفة  هي التي يساء استخدامها بين الشباب، وتشمل: ترامادول (المعروف أيضًا باسم الفراولة أو الوردي)، البنزوديازيبينات، على سبيل المثال. كلونازيبام (روش)، شراب السعال ومضادات الهيستامين (عمر، 2016). كما تشمل المواد الأخرى ثلاثي هكسيفينيديل (المعروف أيضًا باسم خرشا أو 5)، ومضادات الاختلاج، وعوامل ألم الأعصاب (بريجابالين وجابابنتين) والأدوية المضادة للذهان (مثل الكيتيابين).

وبسبب عدم وجود وصفة طبية صارمة وأنظمة مراقبة لتلك العقاقير الطبية، يمكن الحصول على معظم هذه الأدوية بدون وصفة طبية. إضافة لمشكلة إساءة استخدام المذيبات خاصة بين الأطفال الفقراء والمراهقين والشباب التي تؤدي إلى نتائج قاتلة في بعض الأحيان (عبد الرحيم والشيخ، 2012). ومع ذلك، فإن الأمفيتامينات (Lejjah) والميثامفيتامين والمواد الأفيونية المفعول والكوكايين والمؤثرات العقلية الجديدة المواد (NPS) غير شائعة، ربما بسبب التكلفة العالية Shashabendi على سبيل المثال. وعموماً، سيطر على مشهد المخدرات حديثاً أكثر من نوع للحشيش الفعال الذي يتم تهريبه عبر الحدود الشرقية.

مناقشة

يكون صعباً تقدير حجم أي مشكلة في ظل مجتمع غير موثوق وغياب كامل للبيانات، وهناك دراسة قطعية واحدة غير منشورة أظهرت أن (84) (21.3٪) من أصل (394) طبيًبا أبلغوا القائمين على البحث  باستخدام الطلاب نوعاً واحداً أو أكثر من المواد أو الكحول خلال العام الدراسي 2013-2014 (ابنوف، 2016). ودراسة أخرى عن (500) من طلاب الجامعة كشفت عن انتشار شامل لإساءة استخدام مادة واحدة أو أكثر من المواد، وأوضحت النتائج النسب التالية (31٪) الفضول، (33.1٪) كان السبب الرئيسي الشروع في استخدام المواد (Tarig et al  2016). ولكن يظل ما استعرضناه  دراسات صغيرة الحجم إلى حد ما، و لا يمكن استقراء النتائج وتعميمها على كل تعداد السكان.

عادة ما يتم علاج المرضى الذين يعانون من مشاكل تعاطي المخدرات داخل المرافق العامة للطب النفسي داخل المستشفيات التي تفتقر سجلات المعلومات المتعلقة بالحالات المرتبطة بتعاطي المخدرات، وتكون معظم المعلومات المتوفرة شفاهية أو قصصية، مما يجعل انتشار الحجم الدقيق لتعاطي الكحول المخدرات في السودان غير معروف العدد ومجهول الحجم. علاوة على قلة المعلومات المتعلقة بالرصد والمراقبة والسياسات والتشريعات والتمويل ونظام المعالجة المتبع لتعاطي المخدرات (العالم منظمة الصحة ، 2012).

ورغماً عن ما ذكرناه من ضعف البيانات، يمكن استخلاص بعض المؤشرات غير المباشرة حول حجم المشكلة من سجلات الشرطة والتقارير التي تظهر تقدم في الزيادة السنوية في النوبات الناتجة عن مادة مخدرة نتيجة سوء الاستخدام طيلة العقد الماضي (المديرية العامة مكافحة المخدرات، 2014). وتظهر التقارير بشكل غير متوقع زيادة في النوبات السنوية التي يسببها “القات” الذي لم يعرف تاريخياً بأنه مادة مخدرة تستعمل في السودان. قد يكون هذا بسبب عظمة عدد تدفق اللاجئين من دول الجوار الشرقي، والتي تعد المصدر الرئيسي لـ “القات” في جميع أنحاء العالم. ومن المرجح أن يقتصر استخدامه فقط على اللاجئين من تلك الدول. يمثل سوء استخدام “القات” والمنشطات والأدوية وجهًا جديدًا لمشكلة المخدرات في السودان.

ويوفر تحليل البيانات الاجتماعية الديموغرافية لمن تم القبض عليه بتهمة ارتكاب جرائم متعلقة بالمخدرات (2010-2014) تفاصيل أكثر عن تعاطي المخدرات في السودان. خمسة وتسعون في المائة من الذكور تتراوح أعمارهم بين (18 – 30) سنة، وعمال غير مهرة من ذوي المستوى التعليمي المنخفض. وكما هو متوقع سجلت ولاية الخرطوم أعلى الدرجات نسبة (64٪) (مركز دراسات المجتمع، 2015 اتصال شخصي بإذن من المؤلف). يتزامن ذلك مع ناقوس خطر البيانات المرصودة والمتوقعة (المديرية العامة للمخدرات Control ، 2014) باستمرار زيادة  النشاط الإجرامي المتصل بالمخدرات حتى عام 2021.

يمكن أن تعزى  الزيادة في تعاطي المخدرات إلى العديد من العوامل المتداخلة:

(أ) الاقتصادية والاجتماعية غير المواتية سريعة التغييرات.
(ب) الفقر: ومكاسب مالية عالية مشجعة بعض الشباب ذوي الدخل المنخفض للتعامل والاستخدام.
(ج) إضعاف الأسرة والأسرة الممتدة في العلاقات والقيم.
(د) قادة المجتمع الذين لم يحدّثوا طريقتهم في طرق الاتصال التي لا تواكب تطلعات وطريقة تفكير الشباب.
(هـ) النزاعات والتهجير والحدود شبه المفتوحة.
(و) تدفق ملحوظ للاجئين، وكذلك الأجانب والطلاب السودانيين المغتربين القادمين للدراسة من دول الخليج والدول الغربية،
التي يكون تعاطي المخدرات فيها أكثر انتشارًا من في السودان.

السودان محاط بسبع دول مجاورة دول عبر تشكيلة واسعة وسيئة التحكم من الحدود، وبالتالي من الصعب للغاية منع تهريب المخدرات وحركة تجارة المخدرات عبر الحدود الوطنية. وكما ذكر في وقت سابق لا يزال السودان يعاني من العديد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة مثل النزوح الجماعي والصراعات الأهلية. ويشكل استخدام المواد المضافة عبئاً  يبدو أنه يمر دون أن يلاحظه أحد. بقدر ما يتعلق الأمر بضرورة الحد من العرض، مختلف إدارات الشرطة والأمن تبذل السلطات جهداً كبيراً، يتجلى في زيادة ملموسة في عمليات الضبط على الحدود والجمارك الموانئ.

يُزرع الحشيش” البنقو ” محليًا لأغراض تجارية وهكذا، ويتم تدمير المحاصيل بواسطة الجهود الشرطية والاستعاضة  بالتنمية الريفية المتكاملة، وهي خطوات ضرورية من أجل استهداف الأسباب الجذرية لصناعة المخدرات والاتجار بها بصورة غير مشروعة (المراقبة الدولية للمخدرات التابعة للأمم المتحدة البرنامج ، 1993).  يعد خفض الطلب مكونًا لا ينفصل يشمل الوقاية والكشف المبكر عن الحالات والعلاج وإعادة التأهيل، لكن هذا التدبير المهم تم مؤخراً منذ سنة فقط من قبل سلطات إنفاذ قانون المخدرات.

وحتى هذه اللحظة، هناك مركز علاج حكومي واحد فقط لمرضى الكحول والمشاكل المتعلقة بالمخدرات في الخرطوم، ولا يوجد شيء يمكن العثور عليه في البلد خارج العاصمة. كما ذكرنا سابقاً، فإن مشكلة تعاطي المخدرات في السودان ذات شقين:

أولاً : أن حجمه غير معروف.

ثانياً: التدخلات المعتمدة وقائياً وعلاجياً حتى الآن هزيلة.

بحكم الواقع الوقاية خير من العلاج وأكثر فعالية من حيث التكلفة، مقابل كل دولار ينفق بشأن الوقاية، يمكن إنقاذ عشرة على الأقل في المستقبل، وتوفير التكاليف الصحية والاجتماعية والجريمة (المعاهد الوطنية الصحة، 2008). ومن هذا تتضح الحاجة إلى برنامج وقائي قائم على الأدلة العلمية لاستهداف أعمار المستخدمين ومستويات المخاطر ذات الصلة في المجتمع (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، 2013).

ويقع عبء التنفيذ على السلطات الصحية وصناع اتخاذ القرار في قطاعات أخرى لاتخاذ خطوات رئيسية من أجل كبح جماح هذه المشكلة، وإجراء المسح الوطني لانتشار المخدرات هو الخطوة الأولية الإلزامية لمعرفة تمييز وحجم المشكلة، لوضع إطار قانوني وسياسات داعمة كترتيبات تكميلية مهمة. وغني عن القول إن البحوث وتدريب الموظفين هي المتطلبات الأساسية لأي برنامج علاج ووقاية فعالة، ويعتبر عنصر رفع الوعي العام أساسياً من خلال المشاركة في حملات مع المجتمع النشط  للنظر في طرق العلاج الخاصة بالثقافة على الصعيد الوطني. وكل ما تقدم  لكي يثمر يحتاج إلى تدابير يتم تنفيذها في إطار استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات، والتي تبدو للأسف هدفاً صعب التحقيق.

استنتاج

تعاطي المواد المخدرة في السودان يتصاعد بسرعة ومشكلة حجمها غير معروف، والجهود الحالية للحد منها ينبغي استكمال عرضها بإضافة تدابير تهدف لتقليل الطلب على المواد غير المشروعة. وإجراء مسح وطني لتحديد مدى المشكلة، وتلك هي خطوة أولى وإلزامية، يليها تنفيذ خطة وقائية قائمة على التدخلات  بالأدلة، والمزيد من التدابير التشريعية اللازمة للتحكم في بعض الأدوية الموصوفة، والأدوية التي لا تستلزم وصفة طبية وإعادة جدولتها. والعمل على إنشاء مراكز علاج خدمات إعادة التأهيل تكون متاحة، ويسهل على الأفراد المتضررين الوصول إليها. أما الأهمية القصوى فهي العمل من أجل استراتيجية دوائية وطنية وجمع الأموال للتدريب والبحث.

ــــــ
*عبد الرحيم ف. والشيخ أ. (2012) تعاطي المخدرات والتشرد: تسمم جماعي بالميثانول في الخرطوم. مجلة السودان الطبية ، 48 (1) ، 1-6.
*الطيب محمد ت. (2004) الانداية. دار عزة للنشر والتوزيع.
*المديرية العامة لمكافحة المخدرات (2014) تقرير المخدرات  الجريمة السنوية ذات الصلة. وزارة الداخلية.
*ابنوف أ. (2016) تعاطي الكحوليات والمواد المخدرة بين السودانيين
*طلاب الطب: دراسة مقطعية. ورقة قدمت في المؤتمر الدولي السادس للطب النفسي ، 7-10 أكتوبر 2016 ، الخرطوم ،السودان.
*المعاهد الوطنية للصحة (2008) مبادئ إدمان المخدرات
*العلاج: دليل قائم على البحث ، الطبعة الثالثة ، ص. 12. المعاهد الوطنية للصحة.
*Omer A. (2016) لمحة وخصائص أول 100 مريض
*التحق بمركز حياة للعلاج النفسي وإعادة التأهيل.

*ورقة مقدمة في المؤتمر الدولي السادس للطب النفسي ،7-10 أكتوبر 2016 ، الخرطوم ، السودان.Tarig O. ، Victor C. ، Abdulmoneim A. ، et al (2016) Epidemiology of
*تعاطي المخدرات بين طلاب الجامعات في السودان. مجلة إدمان ، 2016 (8) ، 2476164.
*Tesfaye G. و Derese A. & Hambisa M. T. (2014) استخدام المواد و العوامل المرتبطة بين طلاب الجامعات في إثيوبيا: أ
دراسة مقطع عرضي. مجلة الإدمان ، 2014 (8) ، 969837.
*برنامج الأمم المتحدة للمراقبة الدولية للمخدرات (1993)التنمية البديلة كأداة للسيطرة على تعاطي المخدرات ،
ورقة المعلومات الفنية ، رقم 5. UN.
*مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (2013) الدولي معايير الوقاية من تعاطي المخدرات. الأمم المتحدة.
*منظمة الصحة العالمية (2012) أطلس: استخدام المواد في إقليم شرق المتوسط. من الذى.

__________________________

*هذه الدراسة نشر في دورية BJPSYCH INTERNATIONAL

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *