‫الرئيسية‬ مقالات إضاءات مُشرِقة فى نفق الضلال النُخبوي
مقالات - 4 مايو 2021

إضاءات مُشرِقة فى نفق الضلال النُخبوي

عادل حسن إبراهيم

ثلاثة أحداث مفصلية جرت خلال الشهر المنصرم، استثارت لدي هذا الشغف الكامن بتفجير حوار لطالما افتقرت لمداخِله النُخب السودانية، بسبب قصورها الفكري، وانشغالاتها المحمومة بالماراثونات السياسية. هي أحداث عادية، وربما هامشية بمقياس هذه النُخب، لكنني اعتبرها رَجات أو خلخلات قوية لجذر إشكاليات الأزمة الوطنية، تعادل في قوتها إعلاناً تاريخياً، وابتداراً طليعياً، وتدشيناً لحوار فكري مُعمق يؤسس لحقبة جديدة في النظر للأزمة السودانية المُزمِنة من مِنظار جدلي جديد تفكيكي وجذري.

كان الحدث الأول هو تلك المُحاضرة المُعمقة المُختصرة التي قدمها الأستاذ محمد الأمين التوم، وزير التربية والتعليم (المُبعد مُؤخراً من وظيفته ضمن ترتيبات غامضة تُجريها النُخبة السياسية المُسيطرة هذه الأيام)، وكانت المحاضرة امتناناً للتكريم الذي أقامه على شرفه مركز الخاتم عدلان للاستنارة، تقديراً لإسهاماته الثرة في حقل المعرفة والتنوير. قدم الأستاذ محمد الأمين في إيجاز مُحكم إضاءات مُكثفة ولكن بوضوحٍ كافٍ لجوهر الخلل في الأزمة السودانية المتمثل في افتقار النخبة السياسية للعقلانية، وضرورة الوعي بنشر المعرفة بحسبانها الوسيلة الوحيدة الحاسمة لإنتاج التنمية البشرية الضرورية للتأهل للتخطيط الاستراتيجي للدولة فى سبيل الولوج نحو مراقي عتبات الحضارة الإنسانية. وجزم باستحالة التأسيس لديمقراطية وتنمية مُستدامة دون استحداث عملية تنويرية مُجتمعية واسعة وشاملة تنتظم فى كل أنحاء البلاد. وقد أثار إعجابي مقاربته النقدية الحاذقة المُتبصرة فى تناوله لعصر التنوير الأوروبي فى إطار التفاعل الإنساني الكوني دونما إغفال للخصوصية السودانية، وإمكانية ابتكار آليات تنويرية ضمن المواعين المعرفية والثقافية المتاحة.

وكان الحدث الثاني هو تلك المقابلة التلفزيونية التي أجرتها القناة السودانية الرسمية مع الدكتور حيدر إبراهيم علي، والتي دار محورها أيضاً حول الأزمة الوطنية والعلاقة الملتبسة ما بين (السياسي والثقافي الفكري)، وما تسببه هذه العلاقة من تعثر مُزمن يعطل إنجاز شعارات ثورة ديسمبر المُبهرة. لخص الدكتور حيدر الأزمة الوطنية في كونها أزمة المثقف السوداني والنُخبة السودانية المُهيمنة منذ خروج المستعمر. فبعد السودنة، وبدلاً من أن تطور منصتها المستقلة، ارتمت النخبة المتعلمة، التي أسست مؤتمر الخريجين، في أحضان الطائفية، وارتهنت إلى نزوعها الرغبوي كطبقة أفندية، وحصرت مهماتها فقط في الاستفادة من الوظيفة في تكوين الذات، وتأسيس الحياة المُرفهة، مما أقعدها عن القدرة على التفكير المُستقِل وإنتاج رؤية نهضوية حديثة.

وهكذا؛ فبدلاً من أن يؤثر المثقفون في ابتدار مشروع وطني وحدوي تنويري حصل العكس، وتم ابتلاعهم من قبل الأحزاب الطائفية التي تمجد الأشخاص والعائلات. وأكثر من ذلك؛ يرى حيدر أنه وحتى عندما نشأت أحزاب حديثة مثل الحزب الشيوعي والإخوان المسلمين؛ تحولوا هُم الآخرون أيضاً إلى طائفية حديثة تراهن في برامجها على تمجيد قياداتها التاريخية. هذا الابتلاع للثقافي والفكري من قبل السياسي؛ هو الذي أنتج عدم الاكتراث للثقافي الفكري المتبصر وتمجيد السياسي اليومي الاستهلاكي الهتافي. وهكذا ظلت البلاد تعيش طوال أكثر من ستين عاماً، هي عمر استقلالها في ظلام هذا الغياب المُوحش لمشروع وطني تنموي تنويري نهضوي ووحدوي، يتسق مع روح العصر، ويتعاطى مع الخارج من موقع سيادي أصالي نِدي تشاركي، لا من موقع تفريطي إخضاعي تابعي.

أما الحدث الثالث فهو ذلك النداء الذي ابتدره قبل أيام الدكتور عبد العزيز حسين الصاوي للاحتفاء بالذكرى الثمانين لوفاة الكاتب المُستنير معاوية محمد نور (1919 – 1941)، حيث دعا إلى توسيع مجال الاطلاع على كتابات نور وجميع أعماله، والبحوث التي تناولت عبقريته، باعتباره من رواد الاستنارة والفكر النهضوي، ليس على الصعيد المحلي والإقليمي وحسب، بل ربما يتجاوز ذلك إلى المستوى الإنساني العالمي. ففى مقال بعنوان “الشباب .. الثورة “؛ طالب الصاوي بوقفة فكرية ومراجعة ضرورية، إضافة لمقتطفات من بحث مُقارن بين التنوير السوداني والمصري سينشر فى كتاب بعنوان “ما هو التنوير؟ سودانياً: شخصيات ومفاهيم”، مع بحوث أخرى منشورة وغير منشورة.

فى رأيي؛ وفي سياق الأحداث الثلاثة التي استعرضتها، وبرغم بساطتها الظاهرية، إلا أنني أعتبرها إضاءات مُشرقة تسلط نوراً كاشفاً على ظلام الضلال النُخبوي الذي تسبح ثم تغرق فيه الإنتلجنسيا السودانية. وبدلاً من أن يجني المواطن ثمرة الصرف على التعليم الذي استثمرته الدولة على طبقة الأفندية، وينعكس ذلك في جودة المرافق الخدمية وفي الحياة العامة، تصبح هذه الطبقة وعلى النقيض من ذلك، عبئاً ثقيلاً على المواطن والدولة، بانصرافها عن أداء وظيفتها المهنية، وتطبيق ما تلقته من معرفة أكاديمية، لتتفرغ للبحث عن ظهير سياسي للتكسب المجاني السهل السريع عبر الوظيفة السياسية. وفي هذا السياق الرغبوي الذاتىي؛ فإنها وبالتأكيد سوف تسقط ولن تكترث لكل ما له ارتباط بالقِيم والمبادئ الوطنية والإنسانية مثل: الكرامة، والتضحية، ونكران الذات، وغيرها، لترتهن وتلعب دور الوكالة المحلية لتنفيذ مشاريع استعمارية مُستحدثة، تأتي توجيهاتها من خارج الحدود.

وفي المقابل؛ تضيع كل الفرص لاجتراح صيغة ممكنة لمشروع نهضوي تضطلع به نُخبة جديدة مُستنيرة تمتلك القدرة على ملء هذا الفراغ الناتج عن خُذلان النُخبة المسيطرة، واستكمال المرحلة الأهم من مسيرة الثورة، نُخبة جديدة تستمد قوتها وعنفوانها من مآثر وتضحيات هذا الجيل المُبهِر من الشباب الذي استطاع بجسارته المُدهشة التصدي لأسوأ طُغمة قمعية في التاريخ الحديث حتى أسقطها، في ملحمة سلمية نادرة مُفجراً فيها وسائل مُبتكرة تُنبئ عن ثراء من خيال إبداعي عريض كامن لدى هذا الجيل، قادر على إعادة تشكيل واقع جديد مُختلف يجدر به وبمستقبله.

في هذا المُنعطف المِفصلي من تطور الثورة السودانية، وبرغم الفوضى والعسكرة، وكل هذا الإرباك والتناقضات الحادة التي تعتري المشهد السياسي؛ إلا أنني أعتقد أنه من الهشاشة والضعف بحيث يسهل قلب مُجمل المعادلة رأساً على عقب، وتنتابني قناعة أكيدة بأن هذه النُخبة المُستنيرة الجديدة “البديلة للنُخبة المُسيطرة”  هي أصلاً موجودة ومؤهلة بنيوياً للقيام باستكمال مهام الثورة، وهناك إمكانية مواتية أكثر من أي وقت مضى في هذه اللحظة التاريخية لاستنهاضها إذا ما تم تفعيل حراك تنويري جماهيري واسع من خلال المنصات الثقافية والفكرية المُستقلة العديدة التي برزت في السنوات الأخيرة، وإبان أيام الثورة، سواء بالداخل أو بالخارج، ذلك بتحريضها على الجرأة في النقد والتحليل وطرح الأسئلة الصعبة عبر الكتابة والخطابة والغناء، وكل ما يتوفر من أدوات مُبتكرة ذات محمولات معرفية وتنويرية قادرة على تعرية وكشف بؤس وعجز وعطالة فِكر هذه النُخبة المُسيطرة على مصير البلاد بشقيها المدني والعسكري.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.5 / 5. Total : 6

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

  1. مقال لمس مكان الجرح ..وذكرنا دورا غالبا عمدا كان علي الانتلجنسيا القيام به ..وهذه الطاقه الكامنه في الشباب هي شعلة بداية للانطلاق نحن افاق فجر تنويري شامل

    1. التنوير يقودنا دائما الي معرفه الاشياء بحقيقتها اطلاعا و نقدا و كتابه من منطلقات عده اهمها ان الطاقه الانسانيه اذا استغلت الاستغلال الصحيح تبدع في كل مناحي الحياه اذا توفرت لها معينات منها الحريه و السلام و العداله ولكن لكي نصل الي الحاله التنوريه المطلوبه نحتاح الي تكاتف الطبقه المثقفه الواعيه بما حولها من هموم انسانيه
      شكرا عادل حسن فانت واحد من الذين يحملون شعله الاستناره لخدمه الوطن و الشعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *