‫الرئيسية‬ مقالات ‎اتكاءة تراث: (الرحمتات) .. من التراث الثقافي السوداني غير المادي
مقالات - 3 مايو 2021

‎اتكاءة تراث: (الرحمتات) .. من التراث الثقافي السوداني غير المادي

مزاهر القدال

تميز شهر رمضان في السودان بكثير من العادات والقيم والجماليات التي ينفرد بها الشعب السوداني، وتبدأ هذه الجماليات من التجهيز لاستقباله وتميز مائدة الإفطار وتنوعها، والإفطار الجماعي في الشوارع والطرقات فيما يعرف بالضرا وبرش الفطور، كذلك يتميز بكثرة الصدقات وصلة الرحم والتسامح والصفاء.

من أبرز العادات السودانية المرتبطة بالشهر الفضيل (الرحمتات).

معنى  كلمة (رحمتات):

(رحمتات) في الأصل من كلمتين: الرحمة تأتي، بمعنى الرحمة قادمة أو آتية، وهذا من كثرة التقرب إلى الله بالصدقات. أيضا تشير إلى مقدم الرحمة أو الصدقة، ومن تقدم له من الأموات. ويقال لـ (الرحمتات) عشا الميتين، بمعنى تقدم صدقة عن أرواح الأموات من العائلة.
ومن أغاني الأطفال التي تشرح طقوس هذه الليلة:

تات .. تات الرحمتات
أدونا تلات بلحات
تين تين … أدونا لحم ميتين

أصل (الرحمتات):

السودان قطر أفريقي عربي، تشبع من عادات كل مكون وأخذ منها الأفضل، وورثتها الاجيال وعملت على الحفاظ عليها.

الأصل الأفريقي:

استمد السودان عادة (الرحمتات) من كونه دولة أفريقية، باعتقاد الأنسان الأفريقي في أرواح الأسلاف، فيقال إن أرواح الموتى تهبط في هذه الليلة طلباً للرحمة.

الأصل العربي:

كذلك كون السودان قطراً عربياً تأثر بما يمارس في الدول العربية الشقيقة من عادات وتقاليد، فهذه العادة وإن اختلف ميقاتها نجدها في الكثير من البلدان العربية، خاصة دول الخليج العربي التي تحتفل بهذه الليلة في منتصف شعبان ومنتصف رمضان، ولها عدة مسميات،  ففي الإمارات يطلق عليها حق الليلة أو حق الله، وفي عمان يطلق عليها الطَلْبة، وفي السعودية والكويت القرقيعان، في قطر تعرف بليلة القرنقعوة، وفي العراق يطلق عليها كركيعان، وتوجد عادة مشابهة في وسط العراق تعرف بليلة ما جينا يا ما جينا، أما في البحرين فهي تسمى القرقاعون.

توزع فيها التمور، ولها أهازيج كما في السودان، ويعمد الأطفال إلى لبس الملابس الشعبية، فيلبس الأولاد الدشداشة وسترة، بالإضافة إلى النعال الشعبية، أما البنات فيلبسن الدراعات والبخنق، وهي قماش بألوان مختلفة مطرزة، مع الترتر الذي يُوضع على الرأس، ويحمل كل منهم كيساً لجمع المكسرات والحلوى، وعادةً ما تبدأ هذه الفعالية بعد صلاة المغرب مصحوبة بالأغاني الشعبية.

الأصل الإسلامي:

لم يثبت لها أثر إسلامي في الكتاب أو السنة بهذه الكيفية أو الزمن المحدد، ولكن الدين الاسلامي دين رحمة، سن على التصدق، ودعا إلى إطعام المساكين في كل مكان و زمان. “أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا جنة ربكم بسلام”.

زمن الاحتفال بـ (الرحمتات):

درج السودانيون على تحديد موعد للاحتفال بالأموات وتوزيع الصدقات على أرواحهم، يتم هذا الاحتفال على مستوى الأسرة  أو العائلة أو الحي أو القرية في آخر (خميس) في شهر رمضان، والذي تليه مباشرة (الجمعة اليتيمة)، وهي آخر الجمع في شهر رمضان.

إعداد وجبة (الرحمتات):

تختلف طريقة  إعداد الوجبة من حيث الحالة المادية والطقوس المصاحبة، فهناك من يوزع الطعام على المساكين والمساجد والخلاوى،  وهناك من يعطي مالاً، وهناك من يذبح ويقيم الولائم، وكل هذا بنية التصدق.

والوجبة  المعتمدة والشهيرة في (الرحمتات) هي فتة اللحمة والأرز (الثريد)، والتمور المنقوعة في الماء، حيث يعمد رب الأسرة لذبح الذبائح أو جلب اللحوم من الأسواق وإعداد شوربة في قدور واسعة وطبخ الأرز، ونقع كميات كبيرة من البلح، توزع هذه الوجبة على مرحلتين: نهاراً عند الظهيرة  للأطفال، ومساء: إما عند وجبة الإفطار، أو عقب  صلاة العشاء للصائمين، وتسمى هذه الوجبة بالحارة.

ويتم تقديم  ماء التمر في آنية من الفخار، تسمى محلياً بـ (القُلل)، وهي تحفظ برودة ذاك الشراب.

ولكثرة الطعام والشراب المقدم في هذه الليلة يسميها البعض ليلة التوسعة، وهو اسم يقال أيضاً عند ليلة العاشر من محرم، إذ يعمل رب الأسرة على إكثار الطعام على أهله وجيرانه.

أهازيج (الرحمتات):

في طقوس (الرحمتات) يكون الاعتماد كلياً على الأطفال الذين يفرحون بهذه الطقوس، ويتسابقون لقرع الآنية وإصدار إيقاعات متناغمة مع ما يرددون من أغان، والتي منها:

الحارة ما مرقت
ست الدوكة ما وقعت
قشاية قشاية
ست الدوكة نساية
كبريتة كبريتة
ست الدوكة عفريتة
ليمونة ليمونة
ست الدوكة مجنونة

ويقصد بست الدوكة المرأة التي تقوم بتحضير الطعام. وعادة يقصد الأطفال المنازل التي سينعمون فيها بالطعام الوفير.

وعند تأخر تقديم الوجبة للأطفال يصدحون بكل براءة:

الحارة ما بردت .. ست الدوكة ما فركت
صابونة صابونة ست الدوكة مجنونة
أدونا الحارة ولا نفوت ولا نكسر البيوت

صدقة (الرحمتات) مهدّدة بالتلاشي وبالتناسي، لأنّ الكثير من الأجيال الجديدة في المدن على وجه الخصوص، قد لا يعرفونها، ولأن الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد أثّرت كثيراً على قدرات الناس في الإنفاق، لكنّ الأرياف والقرى لا تزال تتراحم وتقيم (الرحمتات) رغم فقرها، لأنّ تكافلها سبب بقائها.

رحم الله جميع موتى المسلمين

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *