‫الرئيسية‬ مقالات هذا جبريل .. أتاكم ليعلمكم أمور دينكم
مقالات - 3 مايو 2021

هذا جبريل .. أتاكم ليعلمكم أمور دينكم

إن داعب خيالك أمل أن تتغلب حكومة الفترة الانتقالية على إكراهات الواقع وتعقيداته الموضوعية، لتنجز ولو جهد المقل من مطلوبات الثورة وأحلام صانعيها، إنك إذاً لفى ضلال مبين يا صديقي، فيكفي أن ترخي سمعك لحيظات لوزير مالية الثورة، ليرتد إليك أملك وهو حسير. هل استمعت لآخر خطبه؟! ليتك لم تفعل. لا أدري كيف لرجل يمثل السلطة الحاكمة في إحدى أهم مواقعها التنفيذية، أن يخرج على الناس، داعياً بعض مكونات المجتمع ذات الانتشار الواسع، كالطرق الصوفية، للانتفاض في وجه السلطة التي يمثلها. وما ذلك إلا حمايةً للدين الذي تُهدد وجوده صنائع بعض شركائه في السلطة -كما ألمح- دون أن يحددهم اسماً أو تنظيماً، فيما يشبه فصلاً من فصول العبث الذي انتظم المسرح السياسي ما بعد ديسمبر (المختطفة).

ولكيما أضعك صديقي في سياق مسرح اللامعقول هذا، دعني أنقل لك مقاطع مختصرة من خطبة الرجل التي اعتاد إرسال ما في حكمها بين الفينة والأخرى. هذه المرة وكالعادة، عند لفيف من المتصوفة بمسيد ود بدر، أسمعه كيف يتهم بعض شركائه في الحكم: “إن كان الذين يعصون الله، لا يخافون من قول ما يريدون، فليس من سبب يجعلنا نستحي من قول الحق أمام هؤلاء …. “. انظر بالله عليك إلى أين عدنا، ولكن هل فارقنا أصلاً محطة تفتيش الوجدان والنوايا؟! وهل ودعنا أصلاً محطة توزيع صكوك الغفران التي بأيدي المبعوثين فينا رسلاً للهداية؟! يهدونها من يحبون ويمنعونها ممن يبغضون؟! يا ليت الرجل وقف عند استلافه لسان الوعظ فقط، حينها كنا نتفهم أن أجواء الخطابة التي اعتادها قد أرخت من إزار الحذر، فأطلقت لساناً يحاول قسراً أن يكون مبيناً، لكنه سريعاً ما استبدله بلسانٍ ياما ذقنا مر ثمره، تجييشاً للعواطف البسيطة بهدف حشدها حشداً صوب الدفاع عن رؤى الخطباء ومصالحهم.

أسمعه يقول: “لكن الاستكانة عند المسلمين غير مطلوبة ….. من الضروري والمهم أن يصدع المسلمون بالحق، دفاعاً عن دينهم وشرائعهم …. “، وما ذلك إلا لأنه يرى بأن: “هنالك من يسعى لتغيير قانون الأحوال الشخصية ليتوافق مع أمزجة الخواجات …. “. أي خواجات يا رجل ؟! هل هم ذات الخواجات الذين سيستقبلونك بعد أيام ليسمعوا منك ألواناً من الشكوى والنجوى؟! ولينظروا بعين الرحمة والرأفة لحالك وحال بلادك المثقلة بالديون؟! علهم -أي ذات الخواجات- أن يعطفوا لحالك وحالنا وحال خزينتك البائسة. غير أن الرجل لم يتركنا طويلاً نتخبط في مغزى كل هذه التناقصات، فلقد وصل بنا سريعاً إلى مبتغى الخطبة فيما أعتقد، أسمعه يدعو “أطياف أهل الإسلام والصوفية والمجمع الصوفي أن يصدعوا بالحق، وأن يقفوا في وجه أي تغيير في شرائعنا ….. “. هكذا عدنا مرة أخرى لمداعبة العواطف ودغدغة المشاعر من أجل تجييش قواعد اجتماعية معتبرة لتساند توجهات فكرية أو سياسية تتخفى تحت ستار الدعوة لمناصرة تأويلٍ (ما) للدين وتمثلٍ (ما) للقيم.

كان يمكن لهذه الحادثة أن تمر دون التفاتة، لولا أن تكرار خروج السيد الوزير عن خط حكومته أضحى بمثابة القاعدة، فهذه ليست المرة الأولى، فقد سبقتها حادثات مماثلة، وفي حشود مشابهة، كحديثه عن تغيير المناهج، ومن قبل زياراته الاجتماعية ذات المدلولات السياسية، يضاف إلى ذلك استغلاله لواجهات الوزارة الإعلامية لتمجيد رؤى وزير (إنقاذي). ما قامت الثورة إلا نضالاً على ما حاق بالبلاد من دمار جراء تلك الرؤى التي يصفها السيد جبريل بالبصمة المضافة للاقتصاد السوداني. تؤكد الحادثات المتواترة أن جبريل وعدله ومساواته ما هم إلا امتداد للحركة الإسلامية بحكم التاريخ المشترك لغالبية قادتها، وأن ما راج من اتهامات بأن الحركة ليست سوى ذراع عسكري للمؤتمر الشعبي، لم تكن مجرد اتهامات جزافية، وفق ما يؤكده الرجل يوماً بعد الآخر، ووفق ما يعضده خفوت صوت المؤتمر الشعبي في الآونة الأخيرة، كأنما هي إشارة لعدم حاجتهم لرهق النشاط المعارض مادام صوتهم أضحى مسموعاً لهذه الدرجة.

أمام السيد جبريل خياران فيما أعتقد، فإما التزامه بخط الحكومة حتى وإن خالف رؤيته واعتقاده إن أراد أن يستمر وزيراً في هذه الحكومة. أو أن ينتصر لقناعاته الفكرية والسياسية، ويتقدم باستقالته مادام خط السلطة لا ينسجم وخط حركته. أما السلطة المدنية، وتحديداً السيد حمدوك، فأمامه أيضاً خياران لا ثالث لهما، فإما إلزام السيد وزير المالية بحسن اتباع خط السلطة، أو الإقالة لترشح الحركة بديلاً عنه، أو أن تنسحب برمتها من مؤسسات الحكم. أما باقي المؤسسات التي ينتمي إليها السيد الوزير عبر حركته كنداء السودان، قحت، ومجلس الشركاء، عليهم جميعاً التأكد إن كانت حركة العدل والمساواة مازالت تؤمن بأهداف الثورة ومطلوبات الانتقال الديمقراطي، أم إن مبلغ همها قسمة السلطة والثروة التي كان من الممكن اكتسابها عبر أبوجا أو الدوحة؟!

أما المتصوفة مشايخ وقوماً، عليهم الانتباه جيداً للمحاولات الحثيثة من أطراف عدة تحاول مراراً وتكراراً استغلال هذا المكون الاجتماعي العريض كقاعدة سياسية مستلبة، تنافح عن رؤى ليست برؤاها، وتدافع عن مصالح ليست بمصالحها. باختصار يجب على المتصوفة عموماً، وأهل الاستنارة منهم تحديداً، الوعي للمحاولات المستميتة من أطراف عدة فاقدة للسند الاجتماعي، خطباً لود الجماعة، استغلالاً لسماحتها. فحذارى من خلط (دينكم بعجينكم)، ودفعكم دفعاً لامتشاق سيف معركة هي فى الحقيقة ليست بمعركتكم.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *