‫الرئيسية‬ ثقافة بوب كوفمان .. حياةٌ كُتبتْ على المرايا
ثقافة - 2 مايو 2021

بوب كوفمان .. حياةٌ كُتبتْ على المرايا

علاء الدين محمود

صدرت عن منشورات الجمل 2019، الطبعة العربية لديوان “عزلة مكتظة بالوحدة” من تأليف الشاعر الأمريكي، بوب كوفمان، وهي المجموعة الشعرية الأولى له، ترجمة وتقديم: محمد مظلوم، وتعد أول ترجمة عربية لمؤلفات ذلك الشاعر الذي ارتبط اسمه بمتغيرات وتحولات كبيرة في الشعر والثقافة الأمريكية.

الكتاب يستعرض جوانب مهمة من حياة كوفمان، والتي كان لها أثر مباشر في أسلوبيته ومواضيعه الشعرية، فقد ولد عام 1925، نيو أورليانز، في عائلة من أب ينحدر من أصول ألمانية، وأم سوداء من جزيرة المارتينيك. أما جدته، فقد جاءت إلى الولايات المتحدة، عبر سفينة تقل العبيد من أفريقيا، وكانت تلك الجدة تنتمي “لطائفة الفودو”، تمارسُ الطقوس السحرية لتلك الجماعة، بالتالي انعكست تلك الهجنة التي تضم عدداً من العرقيات والثقافات، داخل خطابه الشعري.

عمل في صباه الباكر كبحار الأسطول البحري التجاري الأمريكي، ساعده ذلك في التنقل إلى أرجاء كثيرة من العالم، أثناء الحرب العالمية الثانية، تعرض لحوادث كثيرة، ونجا من الغرق مرات عديدة، لكنه في ذلك الترحال الدائم، كان يلجأ إلى الكتاب، حيث تعددت قراءته، فاطلع على الأدب والفكر والتاريخ والفلسفة، فتكونت عنده ملكة الشعر، والذي كان بمثابة ملاذ وسلاح يدافع به عن نفسه، ويعبر خلاله عن دواخله بعد أن ترك حياة الملاحة.

عاش كوفمان حياة قاسية ومظلمة في زمن سادت فيه العنصرية، حيث تعرض للسجن مرات عدة، ولوحق بتهمة الشيوعية، وعانى من العنصرية خاصة وهو متزوِّجٌ من امرأة بيضاء، إلا أنه ناضل من أجل أن يبقى متماسكاً، فكان أن درس الأدب في مستهل أربعينيات القرن الماضي في نيويورك، حيث تعرف هناك على الشاعرين الأمريكيين المتمردين ألن غينسبيرغ، وجاك لويس كيرواك، والذي وصف شعر كوفمان وحياته بالقول: “حياة بوب كوفمان كتبتْ على المرايا بالدخان”،.

كما تعرف على الكاتب ويليام سيوارد بوروز، إلا أن كوفمان، سرعان ما ترك مقاعد الدراسة، ليعيش هائماً في سموات الشعر، وقد التزم بنذر بوذي في الصمت لأكثر من عشر سنوات ولم ينشر أيّاً من دواوينه، حيث قامت زوجته بجمعها وتحريرها ونشرها.

الكتاب صدر في (216) صفحة من القطع المتوسط، وإلى جانب النصوص، فهو يكشف عن الميزات الخاصة لشعر كوفمان، كصوت متمرد ومختلف وثري، ترك أثراً كبيراً وعميقاً على خارطة الشعر الأمريكي خلال الخمسينيات، وقد اعتبرت قصائده أحد المصادر الأساسية المؤثرة في تجربة “جيل بيت”، تلك الحركة الأدبية التي أنتجت من مجموعة من الكُتّاب الأمريكيين، الذين أثرت كتاباتهم بالثقافة في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد لقب كوفمان بـ “الأستاذ الخفي لجيل بيت”، نسبة لتأثيره العظيم على تلك الحركة.

وعلى الرغم من الأثر الكبير الذي أحدثه كوفمان في الشعر والثقافة الأمريكية، إلا أنه لم يحظ بالدراسة الكافية داخل الولايات المتحدة إلا مؤخراً، على الرغم من أن شعره قد وجد صدىً كبيراً خارج أمريكا، حيث لقب في فرنسا بـ “رامبو الأسود”، أو “رامبو أمريكا”، من فرط حبهم وتعلقهم بطريقته وأسلوبيته الشعرية.

لقد استطاع كوفمان، رغم تمرده وعدم خضوعه للنظم الاجتماعية وثورته في وجه العنصرية، أن يفرض نفسه على خارطة الشعر الأمريكي، بل وعرف كواحد من مجدديه الكبار، وقد أشاد به الشاعر لورنس فرلنجيتي، أحد عرابي “جيل بيت”، وقال عنه: “كان صوتًا أصيلًا، لا أحد تحدَّث مثله، ولا أحد كتب الشعر مثله”، فيما قالت عنه صحيفة النيويورك تايمز: “يبدو مثل إنسان هبط من السماء كما يهبط نيزك”.

وقد ترجمت أشعار كوفمان في وقت مبكر إلى عدد من اللغات منها: الفرنسية، ثم إلى الإسبانية، والألمانية، والإيطالية، والبرتغالية، لقد كان كوفمان سريالياً ووجودياً، تأثر بأعمال لوركا خاصة ديوانه “شاعر في نيويورك”.

يقول كوفمان في نصه “الصدى الحزين”:

“المساماتُ الصغيرةُ المحفورةُ

في جِلدِي،

ملايينُ

مِنَ القبورِ السريَّةِ الصَّغيرةِ،

مليئةٌ بالأحاسيسِ

الميِّتةِ.

تلكَ التي لَنْ تَبْقى

ميِّتةً.

الشعراتُ الصغيرةُ المُشْعِرةُ

عَلَى رأسي،

مَلايينُ

مِنَ الأشجارِ السرِّيةِ الصغيرةِ،

مليئةٌ بالطيورِ

الميتةِ،

تلكَ التي لَنْ تَبْقى

ميِّتةً.

وحينَ أموتُ

لَنْ أبْقى ميِّتًا”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *