‫الرئيسية‬ مقالات تشجيع النسويات
مقالات - 1 مايو 2021

تشجيع النسويات

حكمة أحمد

ستحاول هذه الكتابة الوقوف على نوع ودرجة الخطاب النسوي في الوسائط الاجتماعية، داخل بعض المجموعات النسائية التي أدت أدواراً كبيرة خلال ثورة ديسمبر، عبر تحليل عمل الديناميكيات العلائقية المختلفة داخل الأسافير وأثرها الإيجابي في خلق التحالفات، على سبيل المثال، إلى جانب الآثار السالبة كإقصاء الأصوات المختلفة.

أعتقد أنه لا يمكن تجاوز الدور المحوري للإنترنت في ثورة ديسمبر، وكيف تمكن الثوار والثائرات من تثوير أدوات الإعلام الاجتماعي سياسياً بشكل فائق، وعلى وجه الخصوص دور المجموعات النسائية في الضغط والتعبئة والتنظيم على سبيل المثال دور عضوات (منبرشات) ودور المنبر نفسه كفضاء يجمع مجموعة نسويات عرفت نفسها ثوريّاً. ولا أغفل الاشتباك والتبادل المعرفي الذي أحدثته الأستاذة سهام المجمر داخل هذا المنبر.

الحراك السياسي الذي نراه يتخلق ويخفت أحياناً داخل الوسائط الاجتماعية، في دول الجنوب التي تعاني من غياب الآليات الديمقراطية، وبالتالي غياب إرث المشاركة والشفافية والمحاسبية، قد ساعد في عكس تلك الإشكالات الواقعية بأشكال مختلفة.

أتاحت لنا هذه الحراكات رؤية الآليات القمعية السياسية داخل غرف نومنا- سرقة كلمات السر، دبابة يمين دبابة يسار، ترامبيون وترامبيات وكل ما يخطر بالبال.

ولكن رغماً عن ذلك، فثورة ديسمبر شكلت احتلالاً ثورياً لهذه المساحات الرأسمالية المسلعنة واستخدمتها كأداوت للتشبيك والتنظيم. وفي اعتقادي أن هذه انتصارات ضد فكرة الرأسمالية.

ولعل هنالك أيضاً حادثة مشهورة تم فيها فضح تورط فيسبوك في إساءة معلومات المستخدمين مع الشركة البريطانية (كيمبردج أنليتكا) التي استخدمت المعلومات لأغراض سياسية في انتخابات الرئيس السابق ترامب.

ما حدث هو أن مجموعة انتحاريين طبقيين أسهمت في فضح تلك المؤامرات العابرة للقارات، والتي شكلت أيضاً حدثاً كبيراً، ربما لا يساوي قيمة ثورة دسيمبر، ولكنها تقرأ في صحاف التضامن العابر للحدود ضد الرأسمالية مع اعتبار اختلاف البيئات السياسية في دول الشمال مع دول الجنوب من حيث الديمقراطية وإتاحة المعلومات أو سهولة الوصول إليها.

كما أن الضرورة نفسها هي التي دعتني إلى استحضار هذا النموذج في معرض الثورة، أي إمكان الفعل الثوري الفردي جذرياً مقابل جذرية الحشود وكفاءتها في إحداث التغيير فكلاهما مهم، لذلك أؤمن بأن تشجيع ودعم النسويات هو أمر مهم.

 

ظهور القيادات النسوية الشابة في المشهد السياسي

أثارت قضية التمثيل ونسب مقاعد النساء في المجلس التشريعي (المُغيّب) وتعيين الولاة لاحقاً، جدلاً واسعاً في أوساط المجموعات النسوية بمختلف ألوان طيوفهن، حيث ظهرت العديد من العقبات التي في العادة ما تواجه النساء في مثل هذه المسائل والمواقيت السياسية.

ولكن رغم ذلك فقد كان هنالك عمل دؤوب ظهر في المجهود الذي بذلته المجموعات المنضوية تحت المظلة النسوية (منسم)، إذ تمت محاولة لاستباق الحيلة الذكورية التي تتذرع بعدم وجود نساء كفئات بأن عملت مجموعة من النسويات على إعداد قوائم نسوية حوت خبرات مختلفة أكاديمية وسياسية.

وأيضاً ظهرت نقاشات موسعة إسفيرياً كحملة حقنا كامل والخمسين، بالإضافة إلى الأنشطة المباشرة على أرض الواقع مع قوى الحرية والتغيير، إثر التصريح الصحفي لوزير الإعلام حينها الأستاذ فيصل محمد صالح الذي أفاد أن الأحزاب السياسية لم تقدم أسماء لمرشحات نساء. وحسب موقع (دبنقا) الإخباري في التقرير الصحفي المؤرخ بالسادس من يونيو العام 2020 أقتبس التالي حول تصريح الوزير السابق:

“وأشار إلى استمرار الحوار مع الحرية والتغيير في المركز والولايات والقوى المجتمعية، وأعلن عن وجود إشكالية في تمثيل المرأة، وأضاف أن رئيس الوزراء وعد بالعمل على تمثيل المرأة، لكنه قال إنه لم يتقدم أي حزب سياسي للمقعد المخصص للمرأة، حيث رشحت كل الأحزاب رجالاً لشعل منصب الوالي”.

ضمن ذلكم الحراك الإسفيري استوقفني ما كتبته الأستاذة خالدة صابر على صفحتها في الفيسبوك في ديسمبر من العام الماضي، منشور يشير إلى إشكالات صاحبت عمل تجهيز القوائم التي تم اقتراحها من قبل (منسم) وأن هذه القوائم لا تضم نسويات فاعلات سياسياً أو لديهن نشاط واضح في ولاية البحر الأحمر مدينة بورتسودان حيث تقيم وتعمل الأستاذة خالدة.

وضربت مثلاً بدورها الذي قامت به كنموذج للنضال ما يترتب عليه استحقاق للوصول للمناصب السياسية كأمر مشروع، وأضافت أن هذه ليست مزايدة.

ولكن سرعان ما ظهرت أصوات تصحيحية لتلوح بكرت أخلاق الممارسة القائل بالنضال لأجل النضال مقابل الشر المطلق في الإعلان عن الرغبة المشروعة في المشاركة في السلطة السياسية، وقد سمّاها البعض بالمزايدة على النضال للوصول للسلطة، كأنما المحاصصة نفسها تخرج من مفهوم المساومة بأي حال.

وكأنما ليست هنالك منطقة في الوسط يبدأ منها التعلم والمضي قدماً في حقول السياسة الملغومة تلك، أو أن المزايدات والمساومات ليست واحدة من الأدبيات السياسية التي شوهت في الخيال السياسي لدرجة التبس فيها علينا الأمر عُرفيّاً، لذلك يعتقد البعض بلا أخلاقية المساومة بالنضال بالأساس رغم أن الصحف السياسية مملتئة بالنماذج المتهتكة من مساومات كلفتها كانت آلاف الأرواح.

المحاصصة السياسية التي انبثقت منها الكوتة النسوية والتي وضع المجموعات النسوية في موقف التفاوض حول النسب المحصوصة وعدم كفايتها وعدالتها. ورغم أن هذه الأداة السياسية ينبغي أن تتم في مناخ ديمقراطي لتفادي الجانب الإشكالي منها، إلا أنه وتاريخياً، يتم التحاصص حسب موازين القوى المختلة دائماً ما بين المجموعات المختلفة الساعية إلى نيل الحصص، وتتضاءل فرص الأفراد في صراع الأحزاب المهيمنة وذات التوجه الذكوري.

في مقابلة مع الكاتبة أفادت أستاذة خالدة: “فعلياً هذا هو ما خرجت لأجله، وسجنت وتشردت من منزلي وزوجي وبناتي، ولكن أؤمن بأن مشاركتي السياسية هي الفعل الذي سيمكنني من الانخراط في التغيير بشكل فعال”. وتواصل القول: “نحن النساء نفتقر السلطة السياسية وحتى الأحزاب التي نعمل من داخلها هي أحزاب أبوية، ويصعب فيها نماء النساء بشكل يمهد للصعود السياسي في المشهد الذكوري القاتم هذا”.

حاولت تتبع مصادر ومواقع السلطة المختلفة التي تتحرك منها وبها المجموعات المختلفة، وكيف تكون هنالك مواقع حاصلة على صك مشروعية العمل العام، بينما أستاذة خالدة تبحث عنها وتقاتل من أجلها ولكن يتم إخضاع نضالها إلى ميزان الفحص والضبط والربط.

(منسم) ككيان مركزي

الشريكات خارج المركز -ولاية البحر الأحمر نموذجاً- أعتقد مجرد فكرة المجتمع المدني في الخرطوم هي شكل واضح لطبيعة علاقات القوى من حيث سلطة المكان نفسها والعلاقات مع المنظمات المانحة كالأمم المتحدة المتخصصة في العمل مع النساء، وفرص المكابدات الشاقة مع الأحزاب السياسية تلك المشاركة في السلطة أو خارجها.

وأقول (مكابدات) لعبارة مركزية وحاسمة نطقتها الأستاذة هدى شفيق في اجتماع مع قوى الحرية والتغيير حيث قالت: “إذا كان صوتنا نحن القاعدات معاكم هنا ما مسموع كيف يكون حال أصوات النساء البعيدات خارج المركز؟!”.

تلك العبارة هي المحفز على هذه الكتابة من أهمية تشجيع تلك الأصوات التي لا تسمع، الأصوات التي تحاول ولكن يتم قمعها وإقصاؤها حتى داخل الحراك النسوي، وتشجيع هذه الأصوات سيكبر كوم النضال لتعلو الحناجر ضد احتكار السلطة السياسية الأبوية، ولأن الإقصاء أمر مختبر للنساء فإن الوقوع في فخاخه لا يجعل هنالك اختلافاً في المنهجية الذكورية (القحتاوية).

(منسم) كمظلة تضم منظمات من المجتمع المدني والأحزاب السياسية، أدت أدواراً كبيرة من ضمنها الدفع بمرشحة المجلس السيادي الأستاذة عائشة موسى السعيد على سبيل المثال.

فهي إذن لديها سلطة ولديها وضعها الذي يخول لها ممارسة أدوار مؤثرة في العمليات السياسية المختلفة، وهي أيضاً عليها العديد من القيود بطبيعة الحال في السودان.

ولكن مع هذه المجهودات العظيمة التي تقوم بها تظل هي جهة حاصل على تفويض مجموعة محدودة، ولذا فإن مشروعيتها نفسها تخضع للسؤال نفسه الذي تتم به مواجهة الكيفية التي تم بها تكوين الحكومة الانتقالية.

تكمن أهمية ومشروعية السؤال، في غياب آليات الترشيح الديمقراطية التي تضمن إشراك أصوات أكبر للمواطنين والمواطنات. وينطبق هذا الأمر حتى على فرضية أن (منسم) جسم من الأجسام الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، لذا فإن التفويض الثوري نفسه قد تم قطع الطريق عليه عندما جلست قوى الحرية مع القوى الأمنية.

الحراك في أوساط الإعلام الاجتماعي، خلق فرصة لسماع بعض ما يحدث داخل الحلقات المغلقة وراء أبواب السلطات السميكة.

والأهم من ذلك هو أنها أتاحت مشاعية المعرفة والحرية في الاعتراض على السلطة المطلقة التي نتحرك فيها كنشطاء في المجتمع المدني، ونظن أنه لدينا المشروعية والإجماع من كامل نساء السودان.

(منسم) في سعيها الدؤوب للدفع بقضايا النساء عليها الانتباه إلى شكل العلاقة التي تتعامل وفقها مع النساء خارجها، أو النساء بوصفهن شرائح مستهدفة بالدعم والترفيع كما يفهم من الأستاذة سامية النقر في ردها على ما كتبت أستاذة خالدة – بأنهن كنسويات يعملن من أجل النساء اللواتي ليس لديهن صوت .

لعل تجاهل الموقع الصفوى لـ (منسم) ولموقع الأستاذة سامية النقر المنفرد أيضاً، هو الأمر الذي يظهر كتعالٍ نخبوي.

فتلك الدعوة المقدمة للأستاذة خالدة إلى الحضور للتعلم والخروج من دائرة الأنا الضيقة، والدخول في دائرة العمل الطوعى الذي لا يبتغي شكراً ولا جزاءً، لا تدع مجالاً لتفسير خارج غرفة التعالي والوصاية الأبوية لوضوح اللهجة المدرسية التي يضج بها الخطاب السياسي.

ومع كامل التقدير لتضحيات النساء بالغالي والنفيس، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن رأس المال الاجتماعي الذي تحوزه معظم النسويات المتحركات في العمل العام، إضافة إلى أن العمل في المجتمع المدني ليس فقط عملاً طوعياً، ولكنه أيضاً عمل ممول ونحصل فيه على مرتبات وفرص للترقي الأكاديمي والسياسي. وفي هذه النقطة لا تجريم ولا اتهام، إذ إن أمر اختلاط أكل عيشنا بالنضال هو أمر في غاية الحساسية، وفي الأرجح الوقوف عند ذلك بشكل حذر قبل أن تُطلق المثبطات الأخلاقية الآمرة.

دعوة فوقية لا تهدف إلى استيعاب الأصوات بل تهديد بسلطة المعرفة النابع من موقع العارف الذي يرى أن النسوية أو النضال لديهما تعريف واحد يتم تحديده بواسطة الشخص العارف أو المؤسسة العارفة.

هنا لا تظهر فقط تربيته اليد العليا الصفوية التي تتعامل مع النساء الأخريات بوصفهن في حاجة مستمرة للجلوس والتعلم منهن، ولكن تظهر أشباح المستعمر الأيديولوجية التي تعشعش في مخيال البيض، حالة التغريب النخبوية التي تتمسك بحبال المستعمر السرية، تلك التي قتلت المعارف المحلية وطرائق جلوسنا للتعلم الحميم – تلك البرهات التي تتجاذب فيها الجدات اطراف الحديث بينما يمشطن جدائل الحفيدات، تلك اللحظات التي لم تكن بحاجة إلى المأسسة الأوروبية المركزية الحداثوية فيسبوكية، ولكن حدث ما حدث.

أذكر نموذجاً آخر اعترض على عمل مجموعة (لا لقهر النساء) حيث كتبت إحدى العضوات في مجموعة الردمية الآتي: “نحن النسوان عاوزين نتقهر بس انتو اتركونا في حالنا”، وهنا من الواضح أن الاعتراض ليس فقط على فكرة اسم المجموعة الذي يقترح أن النساء كلهن مقهورات، بل هو اعتراض على شرعية التمثيل أيضاً، لأن كاتبة البوست نفسها استخدمت نحن النساء، حيث (نحن) هذه تستخدم للإشارة إلى الفرد كما هو سائد لدى معظمنا.

تباينت ردود الأفعال على هذا البوست، ولكنها كانت ردوداً تعكس حقيقة اختلاف النساء وأولوياتهن، فذهب البعض إلى القول بجهالة كاتبة البوست والمجموعة نفسها، وكتبت ناشطة معروفة متعجبة على عدم موضوعية صاحبة البوست، لكنها لم تقف هنا، بل ذهبت أبعد قائلة: “يا الما عِندِك موضوع وجاية تتكلمي عن النسوان الشغالين في حقوقك”.

أعتقد أن الدرس الذى يمكن تعلمه من النموذجين أعلاه هو الآتي:

*دائماً هنالك فرص للتعلم وإخضاع ما نتعلمه إلى الفحص بشكل مستمر، التعلم من النساء يكمن في أخذ آرائهن ووجهات نظرهن على محمل الجد، لأن المسؤولية التي تقول بها النسويات في اهتمامهن بالعمل مع النساء تقتضي بعض التواضع والشك في اكتمال المعرفة.

*الاستماع إلى النساء بمختلف خلفياتهن يقدم فرصاً للمراجعة والتطور الجماعي بوسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت المرأة التي تعكس الصورة المغيبة بوضوح.

*هذا الجيل الجديد هو فعلياً جيل معلم بأدوات جديدة أتاحتها لنا هذه المساحات الإسفيرية، فكما تغنت القونة: “الدنيا مواقف وانا ببركن صاح”! الجيل البعرف يبركن صح دا، بيدينا فسحة لتعلم القيادة من جديد وخارج المدرسة التقليدية..

 

 

 

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *