‫الرئيسية‬ مقالات الانتقال الديموقراطي (11): إسبانيا.. الانتقال عبر عقد الصفقات
مقالات - 1 مايو 2021

الانتقال الديموقراطي (11): إسبانيا.. الانتقال عبر عقد الصفقات

مهدي رابح

لو كنت من المحظوظين وحملتك دروب الحياة يوماً إلى طرقات مدينة مدريد رائعة الجمال في إسبانيا، فلا تفوت فرصة المرور بمركز الملكة صوفيا للفنون، والبحث عن أحد أهم التحف الفنية في العالم، وأقصد هنا لوحة (غيرنيكا Gernika)، المرسومة بالأسود والأبيض على مساحة سبعة وعشرين متراً مربعاً تقريباً، والتي تمثل أروع تجليات عبقرية الفنان بابلو بيكاسو، وتعتبر ضمن أكثر الأعمال الفنية الموجهة ضد عبثية الحرب قوة، وأحد أهم مستودعات الذاكرة الجمعية الإسبانية للفظائع التي ارتكبت إبان الحرب الأهلية 1936-1939م.

ورغم أن اللوحة كانت محاولة لتصوير حدث المجزرة البشعة التي جرت في قرية غارنيكا بإقليم الباسك، والتي راح ضحيتها جراء القصف الجوي العنيف المدمر نصف سكانها، وانتزاعه من لحظته التاريخية لتضفى عليه صفة الخلود، إلا أنها تجاوزت كونها -اللوحة- تعبيراً عن مأساة مدينة إسبانية فقط، إلى إدانة كل عدوان تتعرض له مدن العالم المحاصرة بالمآسي والدمار، وتعبيراً بليغاً عن الصراع العنيف بين إرادة الحياة والنور، وإرادة التدمير والموت، وهو ما قد يتبادر إلى ذهنك وأنت ترنو إلى هذه اللوحة المبهرة الضخمة، وتجتر الفظائع التي ارتكبها عنف الدولة منذ فجر استقلال وطننا المأزوم، والتي وصلت ذروتها مع مشروع الدولة الدينية الذي أداره الإسلامويون لثلاثين عاماً، وكأنهم يستلهمون ويعيدون إنتاج حقبة محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر الميلادي، مرتكبين الإبادات الجماعية في دارفور، ومستبيحين دماء الأطفال والنساء بالقصف الجوي العشوائي في جبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها، وصولاً إلى جريمة اعتصام القيادة مكتملة الأركان.

أي إنك سترى نفس ملامح المجازر المروعة، مكاناً تم قصفه للتو، دماراً، بقايا حريق، ضحايا تستغيث، تصرخ تنتحب، تتحشرج وتحتضر، أجساداً متهالكة، ملتوية، وجوهاً تصرخ هلعاً، وكل شيء على الأرض في الأسفل يختلط بأشلاء الضحايا، وربما تتساءل حينها مثلي أيضاً: “أين لنا نحن من بيكاسو سوداني يخلد جرحنا النازف المزمن، ويبني حوله جدراً ملونة تحفظ لنا ذاكرة الظلام هذه، حتى لا تذروها رياح النسيان, لتراه وتفهمه وتحس بآلامه كل الأجيال القادمة؟!”.

شكل موقع إسبانيا المتميز كتقاطع لطرق بحرية وبرية، وممر لا يمكن تجاوزه للعبور بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بوتقة لتلاقح حضارات مختلفة عبر العصور, حيث تُشير الأدلّة الأثريّة إلى أنّ الانسان (العاقل) سَكَن تلك المنطقة قَبل نحو (100,000) سنة، واستوطن فيها الشعب الإيبيري قَبل نحو (5,000) سنة، مؤسساً مراكز مدينية متعددة تُمثِّل اليوم مُدنها الحديثة، وفي القرن الحادي عشر ق.م. استعمر الفينيقيّون إسبانيا، واستطاع القرطاجيّون في القرن الخامس ق.م فَتح أجزاء واسعة منها، وظلّوا فيها إلى أن تمَّت هزيمتهم على يد الرومان في القرن الثالث ق.م.

وبحلول القرن الخامس الميلاديّ، استطاع القوط الغربيّون بدورهم بسط سيطرتهم، وانتزاع حُكمها من الرومان، حيث استمرَّ حُكمهم حتى عام 711م, أي حتى استطاع جيش الخليفة الوليد بن عبد الملك بقيادة موسى بن نصير وطارق ين زياد إسقاطها في القرن الثامن الميلادي, فخضعت إسبانيا منذ ذلك الحين لحُكم الدولة الإسلاميّة الذي انتهى في عام 1231م بعد انهيار الدولة الناصريّة إذ أنهت القُوّات الإسبانيّة الوجود الإسلاميّ في إسبانيا بصورة نهائية في عام 1492م، ووحدت البلاد تحت حكم آل هابسبورغ سنة 1516م، وبذلك تشكَّلَت الإمبراطوريّة الإسبانيّة التي تمددت عبر أساطيلهاأ البحرية إلى رقعة واسعة من العالم بلغت أراضي المكسيك والفلبين.

ولكن ومع انتهاء القرن الـ (17) بدأت عظمة إسبانيا بالانحدار عقب وفاة آخر حكام هابسبورغ، حيث اندلعت حرب الخلافة الإسبانية التي انتهت بحكم البوربون وتحولها من دولة عظمي إلى قوة من الدرجة الثانية، ثم مع نهاية القرن الثامن عشر بدأ كل شيء ينجرف أمام التغييرات الدراماتيكية التي أحدثتها الثورة الفرنسية وحروب نابليون. أسست الملكية البرلمانية في إسبانيا عام 1874م متتبعة خطى التطور السياسي لجيرانها الأوروبيين, وهو ما ضمن لها عدة عقود من الاستقرار والرخاء, لكن انقلاباً عسكرياً أبيض (ي دون إراقة دماْ) عام 1923م، وبمباركة الملك، قطع الطريق أمام الجهود الرامية إلى إحلال الديموقراطية, وانهارت ديكتاورية بريمو دي ريفييرا سريعاً أمام التحديات التي واجهتها، وأعظمها الأزمة الاقتصادية العالمية، وانهيار أسواق المال عام 1929م لتحل مكانها الجمهورية الثانية عام 1931م, وهي التجربة الديموقراطية الحقيقية الأولى، والتي اتسمت بتشظي المشهد السياسي وعدم استقراره والاستقطاب الأيديولوجي الحاد, ليقطع انقلاب عسكري عنيف عليها الطريق عام 1936م بقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، متسبباً في اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت لثلاث سنوات، مزهقة أرواح ما يقارب النصف مليون ضحية.

أقام فرانكو نظاماً ديكتاتورياً قمعياً شديد الانغلاق، وأسس حزباً شكلياً لم يكن له تأثير حقيقي، بينما سيطر العسكريون ومناصرو الديكتاتور من اليمينيين على مفاصل الدولة. في العام 1947م أصدر قانون “الخلافة” والذي أعلن البلاد مملكة من جديد مع تسمية فرانكو وصياً على العرش وصاحب الحق في تسمية خليفته عليه، وهو ما فعله عام 1969م بتسمية خوان كالرلوس سليل عائلة البوربون الملكية.

على الرغم من كون نظام فرانكو نظاماً محافظاً، فقد امتلك مرونة جعلته يتأقلم مع التغييرات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، ما مكنه عام 1959م من الإعلان عن نهاية سياسات الاكتفاء الذاتي الفاشلة وبداية تطبيق ما أسماه “خطة الاستقرار”،  والتي ظهرت نتائجها نمواً اقتصادياً كبيراً في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، محققاً ارتفاعاً في الدخول، وتحولاً جذرياً للقوى العاملة الزراعية نحو الصناعة، وتضاعف حجم الطبقة المتوسطة التي فاقت الـ (40%) من عدد السكان.

كان لتلك التغييرات تأثيرات مباشرة على ارتفاع درجة الوعي والثقافة السياسية، وبروز حركة نقابية ومجتمع مدني مؤثر، كما أدى التوسع في التعليم الجامعي إلى انبثاق حركة طلابية نشطة، وبالتالي ارتفاع صوت المنادين بالرجوع لنظام حكم ديموقراطي، والمعارضين لاستمرار نظام فرانكو في الحكم. كان لهذه التغييرات أيضاً أثر مهم آخر، يتمثل في تغيير طبيعة الدولة، فمع تقدم التحديث الاقتصادي باتت الإدارة في الدولة قائمة على الاستحقاق والكفاءة وأقل تسييساً، وهذا ما يفسر حقيقة أنها لم تقف موقفاً معادياً ضد التحول الديموقراطي فيما بعد، وأدى كذلك إلى انحسار تدخل المؤسسة العسكرية في إدارتها.

مع أفول النظام، نشطت الأحزاب السياسية المعارضة، وصعدت من ضغطها عليه، وكان من أبرز تلك الأحزاب وأكثرها تنظيماً، الحزب الشيوعي الإسباني (PCE)، وتركزت قوته في الحركات الطلابية والعمالية، لكنه في نهاية الأمر لم ينجح في تحقيق هدفه المتمثل في توحيد القوى اليسارية داخل تحالف واسع، وهو ما سمح لغريمه حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE) بقيادة فيليبي غونزاليس منذ العام 1974م، من اكتساب مساحات مقدرة من التأثير على الفعل السياسي وعلي الحركة النقابية عبر “الاتحاد العام للعمال UGT”، وفرض منهجية تحول مغايرة للتي كان ينتهجها الحزب الشيوعي, أي بدلاً عن الثورة السلمية التي تؤدي إلى الإسقاط الكامل للنظام، والانقطاع التاريخي المفاجئ, إلى انتهاج أسلوب استعادة الحريات بصورة جزئية ومتدرجة، وهو ما دفعه لرفض الانضمام للتحالف الديموقراطي الذي يقوده الشيوعي والانضمام، بدلاً عن ذلك إلى منبر “التقارب الديموقراطي”.

أثرت عدة عوامل في تسريع عملية التحول، كان أهمها تعمق التوترات الاجتماعية بفعل الأزمة الاقتصادية والكساد الذي تسببت فيه أزمة النفط عام 1973م، ثم اغتيال نائب الرئيس الذي أدى إلى اعدام النظام لناشطين سياسيين، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات، ثم أخيراً وفاة الديكتاتور عام 1975م، وتنصيب الملك خوان كارلوس عاهلاً جديداً للمملكة، وبداية عملية التحول نحو الديموقراطية.

تعتبر عملية الانتقال في إسبانيا حالة نموذجية لعمليات الانتقال عبر الصفقات, والاستخدام المتناقض لمؤسسات النظام السابق وبنيته الدستورية لإطلاق العملية الديموقراطية, واتسم بالحوارات المفتوحة بين المعتدلين من قيادات النظام السابق والقوى السياسية الرئيسية، وإشراكها في من صنع القرار والمداولات الخاصة التي جرت بين عدد محدود نسبياً من المشاركين، والتي تناولت المراحل الحاسمة. كما اتسمت بضعف التعبئة الشعبية وقدرة الفاعلين على التعامل الإيجابي مع مستويات مرتفعة من الضغط من “الأسفل” والاستجابة والتفاعل معه.

من العوامل الحاسمة أيضاً، رغبة الملك كارلوس في ترسيخ شرعيته في الملك عبر تأسيس ملكية ديموقراطية تضمن لعائلته الاستدامة في العرش, وهو ما دفعه إلى استبدال رئيس الوزراء نافارو المتشدد بوجه أكثر اعتدالاً ممثلاً في أدولفو سواريز الذي دفع مباشرة بقانون الإصلاح السياسي إلى استفتاء شعبي فاز بأغلبية ساحقة. ورغم عدم اشتراك المعارضة في الاستفتاء، إلا أن محادثات سرية بين سواريز وغونزاليس سمحت لحزب العمال الاشتراكي بإقامة مؤتمره العام بعد الاستفتاء مباشرة.

دخل سواريز بموقفه القوي بعد الاستفتاء في مفاوضات مع المعارضة أدت إلى سن تشريعات رفعت من معايير الممارسة الديموقراطية، وشرعنت نشاط عديد الأحزاب المحظورة، وعلى رأسها الشيوعي، وضمنت حيادية الدولة تجاه العملية. وبالرغم من فوزه بالرئاسة عقب انتخابات شفافة عام 1977م، إلا أنه يمكن اعتبار أن عملية الانتقال اكتملت بالفعل بفوز غونزاليس بالرئاسة عام 1982م، عقب خمس سنوات عقدت فيها سلسلة من الصفقات غطت غالب جوانب إدارة الدولة، وتضمنت قانوناً للعفو العام عن موظفي الدولة والعسكريين الذين ارتكبوا انتهاكات، والأهم من ذلك المصادقة على دستور عام 1978م الديموقراطي، وإفشال محاولة انقلاب عسكري كادت أن تطيح بكل العملية عام 1981م.

اتسم عهدا الرئيسين سواريز وغونزاليس بعمليات إصلاح عميقة للاقتصاد ومؤسسات الدولة والخدمات، إلا أن الأخير استطاع ترسيخ العملية الديموقراطية وجعلها مستدامة، وإخراج العسكريين من العملية السياسية بصورة نهائية عبر المصادقة على عديد القوانين الموجهة لذلك، كما أدى برنامجه الديموقراطي الاجتماعي إلى خلق توازن بين انفتاح البلاد على حرية السوق والنمو الاقتصادي وخصخصة القطاع العام، وبين تحقيق درجة معقولة من العدالة الاجتماعية.

نختم مقالنا الذي يتناول آخر التجارب التسع بمقتطف من الحوار الذي أجراه محررو كتاب (تجارب التحول نحو الديموقراطية) مع السيد فيلبي غونزاليس، الرئيس الإسباني 1982م-1996م, والتي يتناول فيها قضية أهمية القدرات الاستخبارية في الانتقال: “على المرء أن يفهم القوى القادرة على خلق ديناميكية إيجابية للانتقال، وتعتمد هذه القوى على ترابطات السلطة داخل النظام وخارجه, وفي المعارضة. كما تعتمد على مدى إقدام المرء أو عدم إقدامه على قول ما يلي: إن أي شخص متعاون مع النظام السابق في أي مرحلة من مراحله شخص فاقد لأهليته. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه ستنشأ عقبة كؤود تعترض إمكانية التوصل إلى توافق وطني يجعل من الانتقال الديموقراطي السليم أمراً ممكناً. لست أقول إن الأمر هو نفسه في كل مكان, إنني أتحدث عن التحولات الديموقراطية التي تتمتع بقدر أكبر او أقل من النجاح”.

… يتبع

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *