‫الرئيسية‬ ثقافة في ذكرى سادن المعرفة التجاني الماحي: حاشية على متن أسطورة ساطعة
ثقافة - 1 مايو 2021

في ذكرى سادن المعرفة التجاني الماحي: حاشية على متن أسطورة ساطعة

د. هاشم ميرغني

المشوار الذي قطعَهُ التجاني الماحي ما بين الكوَّةِ على النيل الأبيض منذ يوم الجمعة السابع من أبريل 1911 حتى رحيله بالخرطوم بحري صبيحة الخميس الثامن من يناير 1970 لم يكن طويلا بحسابِ السنوات، ولكنه كانَ عريضًا كثيفًا مكتنزًا بحساب الإنجازِ مثلما هي الحيوات الكبرى للغزالي، والمتنبي، وشكسبير، وطرفة، وتشيخوف، والتجاني، والشابي، ومعاوية نور، وخليل فرح، وعرفات محمد عبد الله وغيرِهم من الذين قطعوا الحياة وثبًا، والتهموا بشراهةٍ جينيةٍ استثنائيةٍ لُبَّ الحياة وعصارتهَا مخلِّفينَ لمعاصريهِم ما تبقَّى من ثُفْلِها وقشورِها.

لا يتغيَّا هذا المقال أن يتناولَ الحياةَ الثقافيةَ العلميَّةَ الباذِخةَ للتجاني الماحي مما هو معروفٌ، ومبذولٌ على أرفف المكتبات، وقارعة الإنترنت بما في ذلك موقعه الذي دشِّن قبل سنوات  على الشبكة الدولية، ولكنه يعاني الآن محنةَ الغياب: http://www.eltiganielmahi.sd/، ومجمل الكتب التي صدرت له أو عنه بعد وفاته سِيَّما ما جمعه العلَّامة أحمد الصافي الذي عكف منذ بواكير السبعينيات على تراثه الثر مخرجًا ما تناثر من علمه الغزير  – في بطون الدوريات العلمية أو المؤتمرات أو غيرها – إلى القارئ العام، كذلك الكتاب القيِّم الذي أصدره عنه ابنه علي التجاني الماحي بالإنجليزية بعنوان: (التجاني الماحي: أبو طب النفس الإفريقي) عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي ، وكذلك كتاب «د. التيجاني الماحي: سادن المعرفة» للدكتور حسن أبشر الطيب (1941 – 2013) الذي صدرَ عن مركز عبد الكريم ميرغني أيضًا في العام 2000.

ينضافُ إلى هذه المكتبة التي بدأت تتراكمُ باطِّراد حول التجاني الماحي، بل يتوسطُّها، السِفرُ القيِّم الذي ضمَّ فيه العلامة الراحل قاسم عثمان نور ( 1938 -2020) حزمةً من المقالات الهامة التي كُتِبَتْ إثر رحيله في العام 1970؛ ففي سياقِ مشروعهِ البيبلوغرافي الكبير وسعيهِ الدؤوب النبيل في جمع وتصنيف ودراسة المدوَّنة السودانية  الشاسعة، وهو المشروع الذي نهض به منفرداً في ظل تقاعس الجهات الثقافية المسؤولة – غير المسؤولة في الحقيقة – منذ الاستقلال إلى وقتنا الراهن، وقد اعتمدَ الكتاب في الأساس على العدد الذي خصَّصَتْهُ مجلة الخرطوم لذكرى التجاني الماحي في أبريل 1970 بالإضافة  إلى مقالات أخرى متفرِّقة قام بجمعها والتقديم لها البروفسير قاسم نور، وقد شارك في الكتاب واحدٌ وعشرون كاتبًا، وجاء في مائة واثنتين وثلاثين صفحةً من القطع الصغير، وصدرَ عن دار “مطبعة مصنع إيمان للأدوات المكتبية” في طبعة متواضعة للغاية – ربما في إشارة حزينة لحال إشكاليات النشر الحادة في السودان – وهي طبعةٌ لا تليق بالراحل الجليل أو العلامة المعِدِّ أو المشاركين، أو المقالات القيِّمة التي احتواها الكتاب الذي سنحاولُ عبرَه الإشارةَ إلى أهمِّ صُوَى ومعالمِ هذا الطريق الباهر الذي قطعه التجاني الماحي وثبًا: موسوعيته المذهلة المتداخلة التي يرفد بعضُها بعضًا باتساق يبدو مُلهَمًا.

استبطنَ التجاني الطبيب منذ خطواته الأولى في دراسة الطب عميقًا ما قاله أبو الطبِّ أبوقراط بن إقليدس (460 ق.م – 377 ق.م)؛ فوفقاً لما ذكرَهُ الطبيب أبو الحسن الطبري (ت370هـ) في “المعالجات الأبوقراطية” فإنَّ أبوقراط يقسِّم الأطباءَ إلى نوعين: الطبيب الفيلسوف الذي “يسمو بعلمه وإدراكه إلى طلب الغاية، ولم يقتصر من كل صناعة على أقلِّ ما يمكن”، والطبيبِ غير الفيلسوف الذي “يقتصر علمُهُ وهمَّتهُ على علاج الداء فحسب مع قلَّة المعرفة”.

لم يكتفِ التجاني بفتحِ الطبِّ على الفلسفة فحسب كما طالب أبو الطب؛ فقد اكتشف باكراً، منذ الخمسينيات، الخصوبة المتراكبة التي تنجم عن التداخل المعرفي؛ أي لما صار يُعرف بعده بعقود بالمقاربة البينيَّة متداخلةِ، وليست متعدِّدةَ، التخصصات Interdisciplinary Approach التي تعوِّلُ على المتعدِّد، والمختلف، والهامشي وتعمل على خلخلة السياجات الأيديولوجية الهشَّة التي تطوِّقُ الحقولَ المعرفيةَ المختلفة لفتحِها على بعضها في وحدة معرفة مشتركة لا تعاني عُزلة الانفصام.

هذا التداخل البيني بين التخصصات المختلفة – أي التي تبدو ظاهريا مختلفة في الحقيقة – كان نتاجًا طبيعيًا للتعالق الداخلي لحقول المعرفة الإنسانية التي تتشابك جذورُها في العمق، بينما تختلفُ طعومُ ثمارِها وأشكالها، وهي الحقول التي تتداخل أيضًا مع بعضها باطراد لتولِّدَ المزيدَ من الحقول البينية في متوالية لا تُستنفدُ أبدًا.

وقد عرَّفتِ اليونسكو (1984) البينية أو التناظمية Interdisciplinarity بأنها “نوع من التعاون بين التخصصات المختلفة أمام المشكلات المعقدة والتي تحل فقط بالتضافر والتوليف الحصيف بين وجهات النظر المختلفة”.

نفَذَ التجاني لكل ذلك في وقت مبكر جدًا ؛ فقد اكتشف ذلك من خلال استبطانه العميق للتراث الإنساني برُمَّتهِ؛ وها هو يستهِلُّ دراسته “أهمية الإنسان في عملية الإنتاج” بالقول إنَّ العربَ كانوا أوَّلَ من رادَ فلسفةَ تكامُلِ المعرفة، ويستدلُّ بأبي نصر الفارابي الذي “كان من أوائل القائلين بوحدة العلوم وأنَّ هذه الوحدةَ تفرض في حقيقتها صلات مفروضة، وكان يتمسَّكُ بالمذهب القائل بشمول الحكم، وفحواهُ أنَّ المعرفة الكاملة والإحاطة بالعلوم بقدر ما يتيحه الإمكان الإنساني تسبغ الحكم التي تفتح أبواب الحياة الفاضلة للعقل الفاضل للوصول إلى فهم الحقائق الكلية لأن المعرفة من أي نوع تشمل مبدأ حكيما “( أهمية الإنسان في عملية الإنتاج: الصفحة الأولى)، وهو ما أشار إليه د. حسن أبشر الطيب في مقاله “التجاني الماحي العالم الموسوعي”، ود. عبد المجيد عابدين في مقدمته لكتاب التجاني “مقدمة في تاريخ الطب العربي” 1959.

انفتح التجاني الماحي عقلا وروحًا على رحاب شاسعة من حقول المعرفة الإنسانية مُطيحًا بسياجاتها المفتعلة التي تفصلها عن بعضها: الطب، الفلسفة، التاريخ، الأديان، الآداب، الأنثروبولوجيا، السوسيولوجيا، الآثار، علم اللغة، التراث العربي، التراث الشعبي، الممارسات الشعبية، التصوف، الإدارة، المخطوطات، الخرائط، الموسيقى، اللوحات الفنية، العملات، طوابع البريد… وهَلُمَّ جرَّا ، أما اللغات التي نال منها نصيبا وافرا  – أجاد بشكل كامل اللغات: العربية، الإنجليزية، اللاتينية، الهوسا، الفارسية، الهيروغليفية، والعبرية، وألمَّ بلغات أخرى عديدة –  فهذه قصَّةٌ أخرى.

هذه الموسوعية التجانية التي نفضِّل تسميتَها بالثقافة البينيَّة الواسعة – فقد قامت على تداخل التخصصات وتشابكها لا تعددها وتشرذمها –تجسَّدت في إنتاجه الفكري؛ كما تجلَّت في أرخبيل قراءاته الشاسعة المتشعِّبةِ التي تفصح عن بعضٍ منها مكتبته الهائلة التي يعدُّها بعض الباحثين “أكبر مكتبة شخصية على مستوى العالم العربي”، بما حوته من نفائس الكتب والطبعات النادرة والمخطوطات والخرائط واللوحات والعملات.

ووَفقاً لأحمد يس نابري في مقاله التوثيقي القيِّم “العلامة التجاني الماحي ومكتبته” فإنَّ مكتبة التجاني الماحي “التي جمعها صاحبها من مشارق الأرض ومغاربها، وبذل في جمعها الجهد والمال الكثير والتي آلت إلى جامعة الخرطوم في العام 1972” احتوت على 19 ألف مجلد تتوزَّعُ على النحو التالي : المخطوطات 2650 ، كتب الطب 1000(منها 270 باللغة العربية )،كتب علم النفس 1000(منها 100 باللغة العربية)،كتب عن السودان 1300، كتب عربية 2500، كتب التاريخ القديم 500، كتب التاريخ الحديث 850 ، خرائط 760، أما بقية الكتب فقد “شملت كل علوم المعرفة الأخرى تقريبا” بتعبير نابري – ومن المهم هنا الرجوع للكتاب لتقصِّي أبعاد وتفاصيل هذه المكتبة مما لا يسعه هذا المقال.

ومِن المخزي – لا توجدُ كلمةٌ أخفُّ – أنَّ هذه الثروة النادرة لم تتمَّ المحافظة عليها من قِبَل الجامعة؛ ففي خطاب مفتوح وجهه البروفسير أحمد الصافي إلى مدير جامعة الخرطوم البروفسير مصطفى إدريس في الذكرى الأربعين لرحيل التجاني الماحي في العام 2010  كتب البروفسير الصافي ما نصُّه: “حين جُرِدَتِ المكتبة للمرة الثالثة في 2007، كان المفقودُ من الكتبِ قد وصلَ إلى (2742)، ومن الخرائط (158) خريطة، أي وصلت نسبة الفقد إلى (19%) ،ولاحظتْ كلُّ لجان الجرد، وأثبتت في تقاريرها تردِّيَ أحوالِ المكتبة، وأنَّ الأرْضَة قد أتلفتْ بعض المجموعات، وأشارتْ إلى غياب الصيانة والترميم والتجليد والتطهير لتلك المقتنيات مما أدى إلى تلف بعض الكتب، وأنَّ المخطوطات ليست في المكان المناسب من حيث الحفظ والإضاءة والتهوية. كما أوضحتْ تلك اللجانُ أنَّ المساحةَ المخصصة لتلك المكتبة صغيرة، وأن بيئتها يصعبُ التحكُّمُ فيها بما يناسب طبيعةَ المواد المحفوظة فيها” أ.هـ.

ويُثيرُ كلُّ ذلك حزمةً من الأسئلة المؤلمة حول المسؤول عن كل ذلك؟ وعن طبيعة العقليات التي تعاملت مع هذه الثروة النادرة التي لا تقدِّر بثمن بهذا الاستهتار؟ وعن مدى استفادة جامعة الخرطوم من مخطوطات التجاني؟ وكم تمَّ تحقيقها منها؟ وعن مصائر الكتب والخرائط التي نُهبت من المكتبة؟ وأين انتهى بها المطاف؟ وعما إذا كان ذلك النهب والإتلاف ما زال جاريًا لأنَّ الجرد المشار إليه يعود إلى العام 2007؛ فكم مخطوطةٍ وكم كتابٍ قد مرَّ تحتَ جسرِ النهب والإتلاف والإهمال منذ ذلك الوقت في هذا البلد الذي تُعَدُّ فيه المحاسبة حلمًا مترفًا؟

وتُقرأُ كلُّ هذه الأسئلة بالتزامن مع ما ذكره العلامة قاسم عثمان نور حول أنَّ “إحدى المكتبات العالمية عرضت على التجاني مبلغًا يقارب المليون دولار ثمنًا لمكتبته، ولكنه لم يأبهْ لهذا العرض وآثر الاحتفاظَ بها في السودان ليستفيدَ منها مواطنوه” الأمر الذي لم يحدث للأسف. كما يُقرأ مآلُ مكتبة التجاني تزامنًا مع تلك المعلومة المعروفة في أنَّ مكتبةَ الكونجرس التي تُعدُّ الآنَ المكتبة الأكبرَ في العالم، والتي تبلغ مساحتها 39 هكتارًا، وتمتدُّ رفوفُها على مدى 856 كيلومترًا، وتحتوي على 130 مليون مادة مختلفة بـ 460 لغة قد بدأت مسيرتها الحالية  بعد أن زودها توماس جيفرسون (1737 – 1826) الذي يشابه التجاني في عدد من السمات كتشعب اهتماماته وموسوعية ثقافته وإجادته عددا من اللغات بمكتبته والتي لا تبلغ محتوياتها ثلثَ محتويات مكتبة التجاني الماحي؛ فمجموع الكتب  التي باعها جيفرسون للحكومة الأمريكية بمبلغ يقارب الأربعة وعشرين ألف دولار لتزوِّدَ بها مكتبةَ الكونغرس بعد احتراق المكتبة خلال الحرب في العام 1812 بلغ 6500 كتاب، بينما ناهزت كتب التجاني التسعة عشر ألفًا.

تجلَّت موسوعية التجاني الماحي وثقافته البينية الواسعة أيضًا في ريادته وتأسيسه؛ فقد قادت خُطاه – تضافرًا مع عبقريته الفردية – إلى شقِّ دروب كان رائداً فيها: فقد كان أولَّ من تخصَّصَ في الطب العقلي من السودانيين وفي أفريقيا بعامة، وأول طبيب نفسي سوداني 1947، ومؤسس أول عيادة للطب النفسي أكتوبر 1950، وصاحب أكبر مجموعة من المخطوطات، والمشرف على أول مؤتمر للصحة النفسية أقيم في جامعة الخرطوم 1966، وأول من أخضع بعض الممارسات الشعبية السودانية كالزار للفحص العلمي والمقاربة البينية.. وهكذا، ولم تكن الريادة في كل ذلك صورية بل كانت ريادة حقيقية فتحت الطريق واسعًا للبناء عليها.

كما تجلَّتْ أيضًا، هذه الموسوعية البينية، في إنتاجيته في الحقول المعرفية المختلفة مستثمرًا قدرةً فذةً على تشبيك حقول معرفية متعددة في وحدة معرفية متناغمة لا تعرف التشرذم، وهو ما يثير ذلك السؤال: هل تناسبت موسوعية التجاني الهائلة طرديًا مع إنتاجه أم التهمه ذئب الشره الهيجلي؟!

وذئبُ الشره المعلوماتي الهيجلي في توصيف عبد الوهاب المسيري في أحد حواراته هو أكثر الذئاب شراسةً، فالتوحُّش الهيجلي يتطلَّبُ من الإنسان أن يصلَ إلى أعلى مستويات التجريد، ويتعامل في الوقت نفسه مع أدنى مستويات التخصص، أيْ الجمع بين التجريد العام بإطلاقه، والتعين المعلوماتي بتخصيصه.

ويرى المسيري أنَّ مشكلة الذئب الهيجلي المعلوماتي أنَّهُ لا يشبعُ أبدًا، وكلما أطعمته ازداد نهمًا وشراهةً؛ فهو لا يعرف أين يتوقَّف، ومن أهمِّ آليات استئناسه في رأيه وضعُهُ داخلَ حدوده عبر التفرقة بين الكمال والاكتمال: الكمال الذي هو خاصية إلهية، والاكتمال الذي هو صفة بشرية؛ فهل التهم هذا الذئب الهيجليُّ الشرس عمر التجاني وشتَّتَ جهودَه؟!

يرى د. جعفر محمد علي بخيت في مقاله القيم عن التجاني،في الكتاب، أنَّ الولهَ الموسوعي بالثقافة قد قاد التجاني “إلى أنْ يكونَ متعدِّدَ المعارف متنوِّعَ الاهتمام قادرًا على ربط العلوم ببعضها وإيجاد الصلة بينها، ولكن هذا الشغف كانت له سلبياتُه فقد حرمه من ابتداع منهجية خاصة به، أو مذهب يفسِّر به ظواهرَ الحياة العامة، كما أنه قوَّى من اتجاه أسلوب تلقي المعاني الذي جعل بعض محاضراته يفقد التركيز الموضوعي حتى يصيرَ أحيانًا مثل مسرحيات اللامعقول عند صمويل بيكيت” أ.هـ.

وقد مدَّ محجوب باشري هذا الخيط إلى نهايتهِ، أي إلى أن لامس حدودَ التطرُّف؛ فقد استنتجَ بتسرُّعٍ يحسد عليه أنَّهُ: “لا شك أن التجاني قد قرأ كثيرا من صنوف المعرفة، واهتم بالتاريخ الروحي والإنساني في وادي النيل ورجع إلى أمهات الكتب، ولكنه لم يسجِّل عملا يستفيد منه الذين جاءوا من بعده”؛ وهو الاستنتاج الذي تكذبه قائمة ببليوغرافيا كتابات التجاني التي أعدها أحمد الصافي وأحمد يس نابري والتي تقدِّم مسحًا تقريبيًا بما تمَّ العثورُ عليه من كتاباته وكتبه التي ما زالت تترى بعد عقود من رحيله.

وربما كان خطأُ صاحب “روَّاد الفكرِ السوداني” أنَّهُ حاسبَ التجاني قياسًا على معرفته الموسوعية، أيْ رأَى أنَّ موسوعية التجاني ينبغي أن تتناسبَ طرديًا مع إنتاجه، وهذا أمر مستحيل تقريبا إلا في حالات نادرة مثل حالة ابن الجوزي (510 – 597هـ) الذي يُنسَب إليه كتابةُ ألفي مجلد، والسيوطي (849 – 911هـ) الذي ينسب إليه أكثر من خمسمائة مؤلف وهكذا.

ولكن ينبغي الاعتراف،بوضوح، أنَّ سادن المعرفة لم يخلِّفَ لنا الكثيرَ من الإنتاج على صعيد الكتب، ولكنه خلَّفَ العديدَ من المحاضرات والبحوث والمقالات التي يصعب حصرها رغم الجهد البيبلوغرافي القيِّم لأحمد الصافي، وطه بعشر، ويس نابري في جمعها وتصنيفها وإصدار بعضها؛ فكثيرٌ من المحاضرات التي قدَّمها بالداخل والخارج – ومن بينها مثلا أكثر من ثلاثين محاضرة بالجامعات العالمية – كان يعتمد فيها على قصاصات تضم رؤوس الموضوعات التي سيتحدث فيها بينما يتكفَّل استطراده الخصب، وذاكرته الحاضرة باستكمال المحاضرة من جميع جوانبها، وقُلْ مثل ذلك في جلساته المنزلية العامرة وأحاديثه الإذاعية، ومحاضراته الجامعية التي لم يتمَّ رصدها ونشرها؛ فذهبت أدراج الرياح، وهو الأمر الذي يمكن سحبُهُ أيضًا على أعلامٍ سودانيين كثر التهمتْ جلساتُ الونسة السودانية، وسحرُ المشافهة التي لا تقاوَم بسهولتها وانسيابيتها ومجانيتها كثيرًا من نتاجهم الفكري والإبداعي، وظلَّ القليل الذي كتبوه موزَّعًا بين أيدي الأصحاب والمهتمين، والصحف والمجلات الغاربة، منتظرًا بيأسٍ من يجمعه ويقدِّمه لجمهرة القُرَّاء – ولهذه الأجيال التي لم تسمع سِوى بطيفِ أسمائهم من بعيد – حتى لا ينسربَ عطاؤهم غير المدوَّن بنهرِ النسيان العظيم حيث تغوص، رويدًا، رويدًا، كنوزُ العالم المهدورة، وعطاياه المغدورة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.8 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

  1. مقال مهم كالعادة د. هاشم ميرغني.

    “وتُقرأُ كلُّ هذه الأسئلة بالتزامن مع ما ذكره العلامة قاسم عثمان نور حول أنَّ “إحدى المكتبات العالمية عرضت على التجاني مبلغًا يقارب المليون دولار ثمنًا لمكتبته، ولكنه لم يأبهْ لهذا العرض وآثر الاحتفاظَ بها في السودان ليستفيدَ منها مواطنوه” الأمر الذي لم يحدث للأسف. كما يُقرأ مآلُ مكتبة التجاني تزامنًا مع تلك المعلومة المعروفة في أنَّ مكتبةَ الكونجرس التي تُعدُّ الآنَ المكتبة الأكبرَ في العالم، والتي تبلغ مساحتها 39 هكتارًا، وتمتدُّ رفوفُها على مدى 856 كيلومترًا، وتحتوي على 130 مليون مادة مختلفة بـ 460 لغة قد بدأت مسيرتها الحالية بعد أن زودها توماس جيفرسون (1737 – 1826) الذي يشابه التجاني في عدد من السمات كتشعب اهتماماته وموسوعية ثقافته وإجادته عددا من اللغات بمكتبته والتي لا تبلغ محتوياتها ثلثَ محتويات مكتبة التجاني الماحي؛ فمجموع الكتب التي باعها جيفرسون للحكومة الأمريكية بمبلغ يقارب الأربعة وعشرين ألف دولار لتزوِّدَ بها مكتبةَ الكونغرس بعد احتراق المكتبة خلال الحرب في العام 1812 بلغ 6500 كتاب، بينما ناهزت كتب التجاني التسعة عشر ألفًا.”

    1. تسلم أخي الحبيب عصام…
      هذا هو حالنا في السودان..وأخشى أن يكون مآلنا أيضا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *