‫الرئيسية‬ ثقافة فنون عبدالكريم الكابلي.. تواشيح تبقى (1)
فنون - 30 أبريل 2021

عبدالكريم الكابلي.. تواشيح تبقى (1)

حلقات تنظر في مشروع الكابلي الإبداعي

بقلم: مهدي يوسف إبراهيم 

توطئة: 
” الجانب الإبداعي جانب مهم لأبعد الحدود، وما ذلك إلَّا لأن الفن يخاطب وجدان الإنسان، ويستمد الفن قيمته من قدرته على الاقناع من خلال التأثير “
عبدالكريم الكابلي
*…*
“ومنذ أن تفتَّحت مداركي على هذه الحياة، أدركت عميقاً أنَّ الفن الخيّر كان وراء تطوُّر البشرية” 
عبد الكريم الكابلي

*بدأت حكايتي مع “الكابلي” في ثمانينيات القرن الماضي، ولا تزال مخضرّة التفاصيل حتى اللحظة، فهو رجل بصم بأصابعه العشر في تراب الروح، ولعل أثر أغنياته في عشقي للغة العربية وآدابها فاق أثر كل المؤسسات التعليمية التي ارتدتها من مدارس وجامعة. كذلك ولجت عبر أغنياته إلى عالم التراث الشعبي السوداني العريض. لا غرو، فالرجل فنّان عملاق ذو رؤية، وشاعر “يستنطق الصخر العصيّا”، وباحث في التراث. وقد ظل – ولأكثر من نصف قرن – يحترف تجميل ذاكرتنا الجمعية والارتقاء بأحاسيسنا.*
*تقول رزنامة عمره إن جذور والده تعود إلى “كابل” في أفغانستان، بينما انحدرت أمه من قبيلة الكنجارة الشهيرة في “دارفور”. وتقول كذلك إنه ولد في مدينة بورتسودان في العام 1932. بدايات الثلاثينيات كانت حاسمة في تاريخ بلادي الفني، فقد شهدت رحيل العبقري “خليل فرح “، لكن السماء كافأتنا بمقدم “الكابلي” و”وردى”. ولد الكابلي لوالد يجيد عزف العود، ويتعشق القراءة والاطلاع، وينظم في بيته صالوناً أدبياً عظيماً. أنفق “الكابلي” طفولته ودراسته الأولية في “بورتسودان”، وتنقّل بين “القضارف” و”القلابات” و”دوكة”. هذا الترحّل في شرق السودان، ثم إلى “الخرطوم” و”مروي” فيما بعد، فتح نوافذ وعي “الكابلي” على قضية التراث وأهميته وهو ملمح مهم وجوهري في مشروع الرجل كما سنرى لاحقا. في صباه تعلّم “الكابلي” العزف على آلة الصفّارة، ثم اكتشف الأستاذ “ضرار صالح ضرار” موهبته في الغناء فضمه لفرقة الأناشيد المدرسية، كما اشتهر “الكابلي” بقدرته الهائلة على الإلقاء الشعري وكثيراً ما نال الجوائز بسببه، وهي موهبة تغذّت بسبب امتلاك والد “الكابلي” لمكتبة منزلية ضخمة، نهل منها الصبي نهلا دون انقطاع…*
*في “بورتسودان” نفسها رافق “الكابلي” الشاعر العظيم “حسين بازرعة”، ولا أعلم الى اليوم كيف لم يتغن “الكابلي” لهذا العبقري اليمني الجذور السوداني الهوى. كان الصديقان العظيمان يحرصان على تبادل الكتب، والجلوس قرب شاطئ البحر الأحمر للحديث عنها، وارتكاب الثرثرة البريئة. وقد أثرت هذه الصداقة تأثيراً عميقاً في حياتي هذين المبدعين الكبيرين. *
*بعد شرق “السودان” حطّت خيول الرجل في مدينة “الخرطوم”، فالتحق بكلية التجارة الثانوية الصغرى، وحين تخرّج فيها التحق بالعمل في مصلحة القضاء. في العاصمة برع “الكابلي” في عزف العود وبدأ في التغنِّي ضمن دوائر الأصدقاء المقربين، مترنِّماً بأغنيات الأساتذة “حسن عطية” و”عثمان حسين” و”الكاشف” وغيرهم. في تلك الفترة كتب “الكابلي” ولحّن أغنية “زاهية” ثم قدّمها إلى الكبير “عبد العزيز محمد داود”:
يا زاهية قلبي الشلتي جيبي
يا زاهية عبثك بي لو سبتى 
*لم يشأ “الكابلي” الظهور وقتئذ بسبب نظرة المجتمع المتخلفة للفنانين وقتها، ومما زاد من حساسية موقفه أنه كان يعمل في القضائية. كما ذكر “الكابلي” في لقاء تلفزيوني أجرته معه قناة “الغد العربي” أنه أيضاً لم يكن يثق في ملكاته اللحنية وقتها بالصورة التي تجعله يفكر في ولوج الوسط الفني علنا. *
*ذكر “الكابلي” في واحدة من لقاءاته الصحفية أنه كان يودُّ أن يدرس القانون لكن إيقاع الحياة اللَّاهث في “الخرطوم” لم يمكنه من ذلك، ولذا طالب بنقله إلى منطقة هادئة تمكنه من التفرغ للدراسة، فأشار عليه بعض النفر المقربين بالذهاب إلى مدينة “مروي”. هناك تعرف “الكابلي” على لفيف من القضاة والإداريين والمغنين والشعراء والأعيان. وهناك كتب أوبريت “مروي” الشهير في أواخر الخمسينيات وأدخل فيه شيئاً من الروح الموسيقية للمنطقة مثل مقطع “بوبا عليك تقيل”. التفت “الكابلي” إلى تراث المنطقة الغني، كما خالط عدداً من المثقفين الكبار مثل الشاعر “مهدي فرح” الذي قدّم للكابلي أغنية “حليلكم” ليقوم الأخير بتلحينها وتقديمها للكبير “إبراهيم عوض”:
يا حليلكم يا حليلك انت براك
كيف نذكرك ما دمنا ما بننساك
*في العام 1955 كتب الشاعر العظيم “تاج السر الحسن” قصيدة “آسيا وافريقيا” احتفاءً بميلاد حركة عدم الانحياز وانعقاد مؤتمر باندونق بإندونيسيا. قام “الكابلي” بوضع اللحن للقصيدة وبحث عمَّن يتغنّى بها. لكنَّ وفداً من وزارة الإعلام (وكانت تسمى حينها وزارة الإرشاد القومي) أقنعه أن يتغنَّى بها بنفسه أمام الزعيم عبد الناصر الذي زار السودان في العام 1960، سيما وأن “الكابلي” كان شديد الإعجاب بالزعيم المصري. وبالفعل صعد “الكابلي” خشبة المسرح القومي بأمدرمان وصدح: *
عندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمة
ويطل الفجر في قلبي على أجنح غيمة
سأغني آخر المقطع للأرض الحميمة
للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو
لرفاقي في البلاد الآسيوية
للملايو ولبنادونق الفتية
*منح لحن هذه الأغنية “الكابلي” ثقة في نفسه. أيضاً كان نص الأغنية الشعري جديداً ومختلفاً عمَّا كان سائداً آنذاك. الجدير بالذكر أنَّ “الكابلي” كان قد كتب قبلها قصيدة عن “عبد الناصر”: *
أقبل الصباح مشرقاً وزاهر 
يعلن الكفاح جنده مزامر 
حدّث البطاح عن زعيم زائر 
عزمه رياح ملهم وثائر 
أسمر الوشاح واسمه ناصر 
*دخل “الكابلي” إذن، الى حديقة الغناء من البوّابة الكبيرة. بعدها استضافه الإذاعي الكبير “أحمد الزبير” في برنامجه الذائع الصيت “أشكال وألوان”، وفيه تغنّى بأوبريت “مروي” مع أغنيات أخر. بعد ذلك قدّم من كلماته وألحانه أغنية “فتاة اليوم والغد”: *
أي صوت زار بالأمس خيالي 
طاف بالقلب وغنى للكمال
وأذاع الطهر في دنيا الجمال
وأشاع النور في جوف الليالي
*وهي اغنية مهمة كونها من أوائل الأغنيات التي تغنّت ببعض حقوق المرأة. أعقبت هذه الأغنية أغنيات خفيفة مثل: “أمير” و”سُكَّر” و”الكل يوم معانا” و”زينة وعاجبانى”. في الستينيات قدَّم “الكابلي” –وللمرة الأولى -ندوة عن التراث. وقد شكّلت هذه الندوة بداية تعاطيه الجاد لقضية التراث. كما شهدت فترة الستينيات تغنيه بنصوص فصيحة أخرى، فقدّم إلياذته الكبرى “ضنين الوعد” في العام 1964، وهي من كلمات “صديق مدثر”:*
يا ضنين الوعد أهديتُك حبِّي 
من فؤاد يبعث الحب نديَّا
إن يكن حسنك مجهول المدى 
فخيال الشِّعر يرتاد الثُّريَّا
*وهي القصيدة التي استفزَّت “وردي” فظل يلحّ على “صدّيق مدثر” كي يمده بنص فصيح حتى وضع يده على أغنية “الحبيب العائد”. بعد “ضنين الوعد” تغنّى الكابلي برائعته الكبيرة “إني أعتذر” للكبير “الحسين الحسن”:*
حبيبة عمري تفشى الخبر

وذاع وعم القرى والحضر *
وكنت أقمت عليه الحصون *
وخبأته من فضول البشر *
ليتواصل بعدها تدفُّق نهر “الكابلي” العظيم. *
*يتبع *

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *