‫الرئيسية‬ مقالات كتاب الوعي.. العسكر و مصر و سد النهضة
مقالات - 19 أبريل 2021

كتاب الوعي.. العسكر و مصر و سد النهضة

منتصر القدال

من القصص المؤلمة في السياسة السودانية، يُحكى أنّه وعند مفاوضات اتفاقية مياه النيل في العام ١٩٥٩م التي مهدت لقيام السد العالي، بين مصر والسودان أن رئيس الوفد السوداني وقتها اللواء محمد طلعت فريد وزير الاستعلامات، كان قد أبدى استغرابه من مفاوضة مصر للسودان، وهي تريد إقامة سد مائي داخل حدودها وليس داخل حدود بلده، وبعد أن شُرح له أن السد يخلف خلفه بحيرة مائية داخل حدود السودان، استفسر سيادته وطرح تساؤلات عن حجم البحيرة وهل ستكون بمساحة ملعب استاد الخرطوم ؟!
انتهت تلك المفاوضات بموافقة حكومة السودان، التي كان يرأسها الفريق إبراهيم عبود، على قيام السد العالي وحصلت مصر علي كل ما تريد من ضمانات الإمداد المائي، بل وافقت حكومة العسكر في الخرطوم على كل الشروط المصرية.
نجحت مصر مع حكومة العسكر الأولى رغم فشلها لسنوات في أن تقنع الحكومات الديمقراطية التي رأسها إسماعيل الأزهري بفوائد السد العالي للسودان، بعد تمسك مفاوضي الحكومة السودانية وقتها بحصة السودان من مياه النيل ورفضهم مشاركة (المناصفة) في تحمُّل خسائر المياه المتبخرة في بحيرة السد، علماً بأن هؤلاء المفاوضين كانوا ينتمون للحركة الاتحادية القريبة سياسياً من مصر، ولكنهم انتصروا لوطنهم ووطنيتهم ورفضوا كل الشروط المجحفة، عكس العسكر الذين سارعوا لتوقيع اتفاق أعطى مصر أكثر مما تريد ولم يجن السودان أي فائدة من السد العالي، أما عن الخسائر فما حدث لمدينة وادي حلفا وتشريد سكانها وحده يكفي لعدم أخذ الوعود المصرية بمحمل الجد ولا نريد أن نفتح الجراح بالحديث عن الآثار وتراث الإنسان النوبي  العظيم  الذي ضاع.
مصر الرسمية تعمل جاهدة لتحقيق مصالحها في السودان، ووجدت في الحكام العسكر غايتها، من حيث استعدادهم لتلبية الطلبات المصرية مقابل الدعم الإعلامي وغيره حتى يمكنهم الاحتفاظ بالسلطة.
الآن يعيد التاريخ نفسه، حيث يتبنى الجناح العسكري داخل مجلس السيادة الرؤية المصرية وتتمثل في أن سد النهضة الإثيوبي يشكل خطراً عظيماً على السودان، ففي عام ١٩٥٩ لم يصطحب المفاوضون رؤية الخبراء في السدود والمياه، وذات الأمر يحدث الآن، ولكن الجديد الآن، أن مشكلة سد النهضة أصبحت ثلاثية بين السودان ومصر وإثيوبيا التي هُضم حقها كدولة منبع سابقاً بعدم إشراكها في اتفاقيتي ١٩٢٩ و١٩٥٩.
من حق مصر أن تبحث عن مصالحها في ضمان الحصول على كميات المياه التي تحتاجها لعدد سكانها المتزايد بالطريقة التي تراها، ولكنها لا تملك حق أن تجبر السودان على تبني رؤيتها.
أما التصعيد مع الجانب الإثيوبي من قِبل مصر وعسكر السودان، فإنه لا يخدم السودان في شيء، فقد أبدت إثيوبيا رغبتها في التعاون مع السودان ومصر وأظهرت حُسن النوايا باعترافها بحق السودان وسيادته على منطقة الفشقة، بل ورفضت على لسان وزير خارجيتها تدويل المشكلة وإخراجها من النطاق الأفريقي، وهذه قراءة مستقبلية لما يمكن أن يحدث حال ما طالبت دول منطقة البحيرات بحصتها في توزيع المياه، عكس الجانب المصري الذي ما زال يتمسك ويحتل أراضي سودانية في حلايب وشلاتين ويريد تدويل القضية.
على الحكومة السودانية إن أرادت خيراً لشعبها أن تسند أمر أي مفاوضات قادمة للخبراء في هذا المجال، وإن تبقت للعسكر ذرة من الوطنية وقليل حب لهذا التراب وشيء من نكران الذات أن يبعدوا أنفسهم من مثل هذه الملفات.
يمثل العقيد جون قرنق استثناءً عن رؤية عسكر السودان وتعاملهم مع قضايا المياه، حيث عارض قيام قناة جونقلي في عهد حكومة مايو العسكرية، فالقناة تمثل المصالح المصرية وتشكل تأثيراً سلبياً علي الحياة البرية في منطقة المستنقعات وتضر بالنشاط البشري المعتمد في معاشه على حرفة الرعي، وساعد قرنق في اتخاذ هذا الموقف المعرفة التامة بالمنطقة (بالنشأة) والخلفية العلمية بالتخصص في الاقتصاد الزراعي، ثم رسالته للدكتوراه وموضوعها عن تطبيق استراتيجيات التنمية الريفية لأجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية في منطقة جونقلي، فالرجل خبير وليس مجرد عسكري يتخذ قراراً مصيرياً يتعلق بأمة وشعب ويفرضه بقوة السلاح.
لا يزال شعبا وادي النيل يحملان الكثير من الود لبعضهما البعض ويدركان المصير المشترك، ولكن على مصر الرسمية أن تراجع طريقة تعاملها مع السودان وتتخلى عن الطابع الاستعلائي والنهج الاستخباراتي والتقرب من العسكر إن أرادت الخير للشعبين.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.3 / 5. Total : 6

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *