‫الرئيسية‬ مقالات التعذيب بالصمت .. عن مكائد المثقف السوداني
مقالات - 19 أبريل 2021

التعذيب بالصمت .. عن مكائد المثقف السوداني

د. ناهد محمد الحسن

في سفره الضخم (محمود محمد طه و المثقفون .. قراءة في المواقف وتزوير التاريخ)، وبدأب (نملة)، وثق عبد الله الفكي البشير في خمسة أبواب وثمانية عشر فصلاً، جانباً مهماً من كواليس السياسة السودانيّة من قبل استقلال السودان. وهو إذ يعكف على مراجعة التاريخ في علاقته بمرشده الروحي الأستاذ محمود، رفد المكتبة السودانيّة بمرجع نادر في التاريخ، من شأنه أن يسد النقص في جانب ديناميكيات الحياة الاجتماعية التي نادراً ما يتوقف عندها المؤرخون، والتي لا شك ستساعد في فهم العمليات المعرفية والنفسية لأجيال سابقة أثرت في اتجاهات وطرائق التفكير، وأرست عقائد في المعاملات بين الأقران والمجايلين تكاد تعيد نفسها في دائرة معيبة عجزت عن خلق تراكم معرفي ومشاريع فكرية مشتركة.

لا شك أن الدعوة لأي تغيير في أي مجتمع ليست بالأمر الهين، لأن هنالك نزوعاً فطرياً نحو التكرار والرتابة كوقاية منالقلق والمخاوف عند الإنسان من الجديد وما يستلزمه من جهد على التكيف والتأقلم وما تصاحبه من شكوك حول قدرته على إيجاد حلول أفضل. لهذا، لا بد من توفر شروط معينة ليتقبل المجتمع التغيير، وهي شروط تتعلق بالرسول، قدراته وكاريزما شخصيته القيادية ونحو ذلك، بالإضافة لعوامل تعرف بشاشة التغيير النفسية للمجتمعات، كنوع الرسالة التي يستطيع المجتمع تقبلها في هذا التوقيت على حسب المعضلات التي يختبرها، ودوافعه لاختيار أنماط جديدة وطبيعة المجتمع إلى آخره. ومن البديهي أن تكون المجتمعات القبلية التي يتفشى فيها الجهل والتغييب أكثر محافظة وانغلاق من غيرها ومعاندة كذلك لكل جديد.

فطبيعة المجتمع التي تعول على الطاعة وتنفر من الفردانية لا تشجع على التفكير الحر فقط، ولكنها أيضاً تمارس طرائقها الخاصة في القمع والتخويف ليبقى الحال على ما هو عليه، لأنها غير مستعدة للتعامل مع ما لا يمكن التنبؤ به، وتفضل أكثر ما اعتادت عليه وألفته لأنه أكثر أمناً وأقل تكلفة. وعلى سبيل المثال، عزى بعض العلماء اليابانيين قلة الاختراعات الإبداعية لديهم بسبب أزيائهم الموحدة ونمط تربيتهم الصارم والذي يقوم على الطاعة ولا يشجع التفرد.

في مجتمع ما قبل الاستقلال والدولة السودانية الحديثة طور التخلق، حيث لازالت القبيلة حاضرة، والمجتمع تراتبي هرمي، كان من الصعب أن ترى شخصاً يقف نسيجاً وحده ومستعداً للصدوح برأيه وتحمل التبعات. هذا لا يبدو صعباً فحسب، ولكنه مفارق لنمط رسخته النظم التربوية في البيت والمدرسة وحرسه نظام استعماري، هذه هي الأجواء التي ولد وكبر فيها محمود. النظم التي تعلمك باكراً أن تجامل الناس وأن تبحث دائماً عن حلفاء وتقلل الأعداء، وأن تتعلم أن تبتلع رأيك وتتحمل من هم أكبر منك سناً أو مكانة، وألا يعاقبك المجتمع بالرفض والعزلة. سفر عبدالله الفكي البشير الذي يوثق لآليات التجاهل وصنوف المحاربة لفكر الأستاذ محمود تخوض في المسكوت عنه، والمتواطأ حوله بالصمت عن شروط القبول في المجتمع السوداني التي يستديمها نظام مركزي قابض لاتجاه مصالحه، يحدد من يبقى وكيف يبقى.

هذا المقال ليس عن محمود محمد طه ولا عن مشروعه، محمود كان أحد النماذج التي لولا هذا السفر وما هو محفوظ في صدور تلاميذه لما أمكننا أن نعرف شيئاً عن معاناة المفكر في مجتمع كمجتمعنا، ينحاز لما يراه صواباً دون حسابات الربح والخسارة المعتادة والمضاعفة في مجتمعنا. ما تركه لنا لنتعلّمه عن أهميّة الأعداء في الحياة، والذين يشهدون للمفكر أنه لم يشتر القبول بالهزيمة، وأنه اختار أن يخوض معركته مهما كان توحشها، لنصر ما يعتقد فيه و يؤمن به. كتاب عبد الله الفكي يقدم أيضاً درساً مهماً فمن أمن العقاب أساء الأدب، تذكير بألا شيء يضيع في ذمة التاريخ، وحتماً يجد الفكر العظيم والعمل المميز من يقدره ومن يبحث ويتساءل عن غيابه وتغييبه.

كما يوفر مادة تحليلية مهمة عن الطريقة التي يحذف بها المارقون عند كتابة التاريخ. قال لي أحد الأصدقاء إنه في الصين متى ما غضب على أحد منسوبي النظام الحاكم يشطب من التاريخ، وليس غريباً أن تجد حذاء في صورة بدون وجه صاحبه الذي تم حذفه من المشهد، وقد يحتاج الأمر لمؤرخ عظيم كعبد الله ينبش في تاريخ صاحب النعل إلى أن يهتدي إليه ويوثق جريرته ومن حكم عليه. المقتطفات التي أوردها عبد الله خلقت صورة شفافة لما كان يحدث، طبيعي أن يختلف الناس، وطبيعي أن ينتقد الناس مشاريع بعضهم البعض، وقليلاً ما يتسم النقد بالعلمية والموضوعية بعيداً عن الغرض، ومما لا شك فيه أن نصيبنا من ضعف المحاورة كثير.

ومتى ما كان لديك ما تقدمه وحظيت بمقدرات وكاريزما وزنتهم بحسن خلق، سرعان ما تصير مهدداً لوجود آخرين، من قبل أغراض النفس وحظوظها أو تكون مهدداً لأحزاب، أو يكون تقدمك خصماً على فئة أو تهديداً لنظام اجتماعي حدد أسياده وتابعيه. هذا بالإضافة لما قد سبق يشرح شيئاً عن عقيدة الممارسة الفكرية والسياسية وسط المثقفين السودانيين، والذي وصل في قضية محمود لإعدام كما في قضية الحزب الشيوعي الطرد من البرلمان، رفع سلاح التكفير ليس لإسكاتك مؤقتاً بل إلى الأبد. هذا حين يتعاظم خطرك، وقبل ذلك تتعرض للتحقير والتقليل من مشروعك، وتجاهل مساهماتك الفكرية، الإنسانية والوطنية، تدفن عمداً أو يتم تشويهها وتجريدها من نبلها أو وسمك بالخيانة، وتتفاوت صنوف الإيذاء وشدتها على حسب حجم الخطر والتهديد.

وفي المقابل، يمكن أن يتم الاحتفاء بك وترفيعك إذا كنت من المرضي عنهم، بدعم الشلة أو الجماعة أو القبيلة أو الحزب. لمحت قبل فترة تعليق لياسين حبيب نورة عن سكوت النقاد عن أعماله الروائية، وكذلك حمور زيادة، ومن قبلهما الطيب صالح أبو الرواية السودانية. ما هي الشروط -غير النص الجيد- التي تجعلك شاعر الشعب؟ أو عميد الأدب؟ أو مغني الملايين؟ ما هي الماكانيزمات التي تدفعك بعيداً أو قريباً من دائرة الرصد والمتابعة؟ في إحدى الأمسيات كانت تجلس صديقتي المخرجة الإذاعية (…) بقربي، وكنا نتبادل الحكايات بشوق كبير لطول المدة، لكنها اعتذرت مني لتذهب وتجلس بالقرب من شخص آخر مسؤول صفحة فنية أو شيء من هذا القبيل، وهي تغادرني قالت لي علي أن أبدي فروض الولاء والطاعة حتى لا نقرأ في صحف الغد عن تراجع مستوى أدائي مؤخراً، وضحكنا بمرارة، وهذا في تقديري ما قتل محمود.

فمحمود لم يوقفه الصمت عن مشروعه أو الحرب الضروس بالأسلحة الأخلاقية ودونها. قتله كونه كان عصياً على الهزيمة، لهذا قال أحمد مطر: “علموه الانحناء”، وقال عبدالله شابو: “سيكتب فوق الشواهد من بعدنا بأنا انحنينا قليلاً، وأنا كذبنا قليلاً، لتمضي الرياح إلى حتفها.. وأنا سقطنا سقوطاً جميلاً”. العقاب بالعزلة عند المثقفين تم تحديثه ليصير التعذيب بالصمت عن مشروعك، من تجاهل منتوجك الفكري والعلمي، عدم مدحه أو قدحه، تحريم الاقتباس منه، استحالة جعلك مرجعاً لفكرة مستوحاة من عملك، من سابع المستحيلات أن يقروا بفضلك على فكرهم … إلخ. وهي سلسلة طويلة من المحرمات قد تصل تحريم اللايك في الفيس بوك والريتويت في التويتر!! ولها أسماء كثيرة وأفعال، (فطسوه..)، (ما تلمعوه)، حتى إن النظم الأمنية القمعية تتجنب اعتقال بعض الأشخاص بحجة ألا يتم تلميعهم. التعذيب بالصمت حين تقرأه في سفر عبد الله الفكي يجعل الكبار صغاراً والصغار كباراً، يعيد ترتيب المقامات، يضبط عملاقاً في فعل نرجسي صغير، إذا كنتم لم تطلعوا عليه، هذه فرصة لتتعرفوا على هذا العمل الذي يوثق بالأدلة الدامغة صنوف العمد والتجاهل.

في مجال حماية الأطفال، يتعدى تعريف الإساءة حصرها فيما نقترفه من أفعال مؤذية في حق الطفل إلى عدم القيام بأفعال حماية، فبينما يقوم الأشخاص الذين يحرسون دوائر الضوء وصناعة المشاهير في كل عصر ومكان عمداً بتجاهل مساهمات المغضوب عليهم، يدعمهم جمهور غفير بالتواطؤ الصامت، وتكتمل أحداث موت معلن. من المهم أن نثور على هكذا أخلاق، وأن نهدم الكهنوت، لأن الكهنوت يعلم الخضوع، ويقتل الإبداع. أمَّا المفكرون والمبدعون، فعليهم ألا ينتظروا ريثما تصفو السماء، وألا يتهيبوا صناعة الأعداء. عندما لامت الملكة إليزابيث مارغريت تاتشر على خلقها لأعداء في اليمين واليسار، ردت عليها مارغريت بأبيات من قصيدة الشاعر تشارلز ماكاي:

? YOU have no enemies, you say
; Alas! my friend, the boast is poor
 ,  He who has mingled in the fray
  , Of duty, that the brave endures
, Must have made foes! If you have none
. Small is the work that you have done
 , You’ve hit no traitor on the hip
, You’ve dashed no cup from perjured lip
, You’ve never turned the wrong to right
 . You’ve been a coward in the fight

حتاج هذا النص لمترجم بارع. أما أنا فيمكنني أن أقول القليل عن رؤيويته، فالذي يفخر بأنه ليس لديه أعداء لديه القليل ليفخر به. والذي يكتوي بنيران الواجب الذي لا يقدر عليه غير الشجعان، لابد أن يخلق أعداء، فإذا لم تصنع عدواً، فهذا دليل على ضآلة العمل الذي أنجزته، لم تخز أي عدو في خاصرته، لم تصوب الأخطاء، لقد كنت جباناً في المعركة، لهذا كتب منصور خالد عليه الرحمات حين عاد مع الحركة الشعبية للسودان نصاً اختتمه باقتباس من الشاعر سهية بن أرطأة عن أبيات أنشدها في حضرة عبدالملك بن مروان:

إذا ما طلعنا من ثنية لفلف    فخبر رجالاً يكرهون إيابي

وخبرهم أني رجعت بغبطة     أحدد أظفاري ويصرف نابي

وإني ابن حرب لا تزال تهرني   كلاب عدوي أو تهر كلابي

هذا وقد حبانا الله شعباً له ذائقة فطرية لبديع الفكر والقول، يستنقذونك من وحشة منفاك، ويدافعون عنك أحياناً بأكثر مما تفعل لنفسك، ويستغفرونك على ما نالك من ظلم ولو بعد حين. وكتاب عبد الله الفكي البشير دليل على ذلك، لأنها محاكمة جليلة أعادت تعريف المتهمين والأحكام.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.1 / 5. Total : 8

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *