‫الرئيسية‬ ثقافة عن أعباءِ خفيرِ شعرنة العالم: شهادةٌ موجزةٌ عن الشَّاعرِ محجوب كبلو
ثقافة - 18 أبريل 2021

عن أعباءِ خفيرِ شعرنة العالم: شهادةٌ موجزةٌ عن الشَّاعرِ محجوب كبلو

د. هاشم ميرغني

عند تناول مشروع واسع، ومعقد، ومتجاوز مثل مشروع محجوب كبلو الشعري، والنثري (بالضرورة) فإن الأمر قد يفضي إلى متاهة كمتاهات بورخيس، وجنرالات ماركيز؛ فبوسع آرائه فقط في الشعرية والحداثة والإيقاع والشعر السوداني، ومجادلاته الخصبة مع عيسى الحلو وبشرى الفاضل وعبد الماجد الحبوب على صفحات الرأي العام في مسائل جوهرية كالتناص وقصيدة النثر وغيرها، ومداولاته وحواراته المتشعبة في منتدى محمد صديق الثقافي على مدى أكثر من عشرين عاما، بوسعها أن تفجِّرَ عدداً واسعاً من الأسئلة وأصداء الخلافات المثمرة.

أمَّا معركتُه المحمومة مع رموز الحداثة الشعرية، بل رموز الكتابة العربية عامة: المتنبي ودويش وأدونيس والطيب صالح والمجذوب سعيًا منه وراء فرض نموذج بعينه للكتابة يرتكز على فكرة “الإنساني” و”الكوني ” و”المجازي” مجردا من أي سياق تاريخي أو اجتماعي -وهي معركة من جانب واحد على أية حال – فيمكن لها أن تلتهم كامل هذه الإفادة. بل بوسع حوار واحد كالحوار الخصب الذي أداره معه الشاعران المغيرة حسن والأصمعي باشري ونُشِرَ بموقع “البعيد” أن يلتهم كتابا كاملا يشكِّل ضفافاً ليِّم ذلك الحوار وفتوحاته الذي تتجاور فيه الآراء النقدية الحادة كأنما هي منحوتة بحد السكين جنبًا إلى جنب مع مخيال شعري شرس ومتجاوز يفيض خارج ضفاف القصيدة، لا ليغطي الواقع بأسره بل ليهدمه ويقيم بناءً شعريا خالصًا مشيدا بلبنات المخيلة على أنقاضه حيث: “سيصبح حوار الناس في الشوارع شعريَّاً، ومشيهم سيصير الباليه”.

فمنذ السطور الأولى في الحوار يفأجنا كبلو: “صادقت طريقاً فضياً نحيلاً يجري من مرسى معدية شمبات إلى موقف الشاحنة النباتية العملاقة. لا زلت أبحث عن ذلك الطريق بالكاد أعثر عليه في مسادير الرسامين ثمَّ رأيت، حقيقة لا مجازاً، من تحت الغطاء طفلات الحور وهن منغمسات في لعبة الحبل، فيثير دورانُه أزهاراً وكراتٍ ملونةً تستقرُّ فوق أغطيتنا الليلية، ولقد شربت من المعصرات ما له طعم النافذة، على طريقة تعبير أصدقائي السرياليين، وأكلت ما له نكهة النزهة. كنت أسمع زئيرَ الأسد قبيل الشرق يأتي من حديقة الحيوانات، وكنتُ أراه على طريقتي: سحابةً تشبه ذلك الخط الذي تصنعه طائرة الرش الصباحية، نعم، كنت أراه، الزئير، بقدر ما أسمعه”، وهناك مثلا هذه الياقوتة الفردوسية التي نتلقفها من ذلك الحوار: “حسناً، هناك طائر، في تلك الآونة يختزل كل أبهة الطيران. سيمورغ حقيقي. كنت أتمثل هيئته وأنا في تصعيدات معراج نامه لسيدي فريد الدين، ذلك هو طاؤوس الشريفة. لم لا يتعهد البشر مِشيةَ هذا الكائن النبيل ويدربون عليها الأطفال في المدارس؟”.

وقد يرتقي كبلو بسلالم حُمَّى شعرنة العالم السحرية هذه إلى المراقي التي يرى فيها تفاصيل الواقع تحقق نبوءاته الشعرية جارًا عنق هذا الواقع حتى شفا التطابق مع النص الشعري الذي كتب؛ فبوستر المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في العام 2011، والذي اشتمل على أسدين متقابلين وبينهما الكأس يتطابق بشكل كامل مع قصيدة كتبها في التسعينيات. كتب كبلو: “لم أصدق ناظري وأنا أشاهد (البوستر) الرسمي للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا لهذا العام 2011 بين فرقتي برشلونة ومانشستر يونايتد، وذلك لأنه كان يحتوي تناصاً كاملاً وتطابقاً في غاية الإدهاش مع أحد المقاطع الشعرية التي كتبتها في تسعينيات القرن العشرين:” كيف وقد زأر الزهر؟ أما لماذا يتطابق، فإن الإجابة هي: “إن آلية التقريب والتقابل بين الوحدتين (الأسدين) قد شكلت كلاً واحداً يأخذ شكل الزهرة مما دفع بالرسم الى أجواء من المجازية ثلاثية الأبعاد وتكاد تنطبق في تناص كامل مع المقطع” (!!).

خروجًا من كل هذه المسارب الملتبسة الذي تفضي إليها كتاباته النثرية سندلف مباشرة إلى مشروعه الشعري: صدور ديوان كبلو “سكرتير الحقول” عن دار رفيقي بجمهورية جنوب السودان العام الماضي 2017 ليلملمَ ما تناثر من قصائده على مدى أكثر من عقدين من الزمان كان فتحا شعريا في عالم الدواوين الشعرية السودانية والعربية لحزمة من الأسباب التي تمثل في مجملها أركان المشروع الشعري الكبلوي والتي يمكن إجمالها فيما يلي بإيجاز مخل، يشير فقط ولا يتوغَّل:

اقتصاد الكتابة

تلك أولى مداميك هذا المشروع: التكثيفُ الدلالي واقتصاد الكتابة وتقطير التجربة في لآل ثمينة نادرًا ما نعثر عليها في الكتابة السودانية الغارقة غالبًا في وحل إسهابها وثرثرتها، كأنه يتلقَّى تلك الوصيةَ الصينية القديمة من الشاعر لو – جي ” (261-303):

زِنْ كلَّ كلمةٍ وفقَ ميزان
استخدمْ خيطًا حاسبًا حين تقصُّ أو تقطع

وتلك الواردة في “لمع من لآلئ الشِّعر” التي تعودُ إلى حقبة سُلالة سونغ (960 -1279): “عليك أن تصوغَ القصيدة بالطريقة التي تقصُّ بها لؤلؤةً، بحيثُ لا تتركُ أثرًا لأدواتِك. صوِّبْ باتجاهِ عين الثَّورِ، ولكن لا تطوِّحْ في الوحْلِ”.

يكتب كبلو وكأنه يستحضر – عبر تناسخ وجودي غامض – إرثَ هذه الوصايا العظيمة هذه؛ فيكتب- كأنه ينقش أيقونات خالدة على حجر الذاكرة – مثلاً (وكل قصائده تصلح تمثيلاً لهذا، ولذا سنختار هنا جزافاً من قصيدته الأولى في الديوان “ألواح الراعي”):

فتحتِ الشمسُ نافذةَ الغيمِ
وجفَّفْتُ قميصي للموعد.
أو:
مزهرًا يتبعني الفراش،
وأنيقًا كالشيطان الذي
ألقى إلى الأرض كرةَ القديم
كنتُ في الطريقِ إليك.
أو:

كان سيِّدُ الماءِ في كاملِ أناقتهِ:
السترةُ السماوية،
المنديلُ الأحمر،
عصَا الطحلب،
وقبعةُ النِّعاس.
……..
وهكذا لا تغادِرُ نصوصُه البقاعَ المكتنزة لاقتصاد الكتابة حيث يكتب كاشطًا ترهُّل المعنى فيما أسميناه مرة – في سياق مشابه – بالتَّركيزُ على الدَّلالي في أنقى صوره: حدود اندغامه القصوى باللغوي، حيث يتلاشى الفصام النكد بين الكلمة والمعنى.

حينها لن تعودَ الكلمَة تتحدَّثُ عنِ الشيءِ، إنما هِيَ عَيْنُ الشيءِ مثلما كتب الشاعر بابكر الوسيلة من قبل:

“لا أكتبُ الشيءَ
إني أكتبُ عينَ الشيءِ
ببصيرةِ الجبل”

قوة المجاز

يشتغل كبلو على قوة المجاز القادرة على دحر ابتذال العادي والواقعي ونفيه خارج حدود استلابنا؛ إذ يمثِّل المجازُ النَّسغَ الذي يسري بتضاعيفِ نصوصه، وهو أمر يبدو هامًا وملحًا وجوهريًا في عالمنا المعاصر المنشغل باستمرار بجرِّنا للغة العادي والآني والمستهلك والمبتذل والركيك عبر التقنية وربيباتها: الواتس اب، تويتر، الفيس، المدونات … إلخ إلخ. حيث تنزلق على سطح تلك الوسائط القوارب السريعة لمليارات النصوص المكتفية باللغة في حدِّها الأدنى: التواصل المتعجل؛ فاللغة التي تتهدَّدُنا الآنَ وتكاد تلتهم كينونةَ وجودنا هي لغة هذه الوسائط التي لا تسمِّمُ مياهَ المجاز فحسب، بل تهدد “سويَّة اللغة” نفسها، وتحوِّلنا تدريجيًا إلى ابتذالها وركاكتِها بعد أن تجرِّدنا من ذواتنا،حيث الذات لا تقول ذاتها، إنما تقولُ اللُّغةَ التي أزاحتها وحلَّتْ محلَّها وحدَّدت خريطة عالمها.

قصيدة النثر

يراهنُ كبلو على قصيدة النثر لا بوصفها خيارًا للشعر، بل بوصفها خيارًا وحيدًا له، موالياً هجومه الكاسح على قصيدة التفعيلة ورموزها ، ولا تسمح هذه الإفادة المقتضبة بمناقشة إشكاليات ذلك الخيار الذي يقلِّص حدود الكتابة وينسف تنوع أشكالها المتداخلة والمتحاورة والمتقاطعة أبدا، ولذا سنتناول باختزال فلسفة هذا الخيار كما تتجلى في نصوصه.

تعي نصوص كبلو بحدة مسألتين: الأولى تختص بالعناصر المتحولة في النص الأدبي، تلك العناصر التي تقع في مهبِّ حساسية العصر ومتغيراته والنابعة من مرونة الجنس الأدبي وحيويته وتطوره التاريخي وحواره الغني مع سياقه الحضاري ولحظته الثقافية الراهنة والمستقبلة، العناصر التي تقع في مهبِّ عنفوان المواهب الفردية القادرة على اجتراح آلياتها الخاصة التي تتجاوز بها القوالب الأدبي التي غالبا ما يصنعها الخطاب النقدي، أو الذوق المتواطئ، أو المواضعات الأدبية السائدة، أو المواهب الضعيفة.

والثانية: انهيار الحدود بين النوعين الرئيسيين في الكتابة: الشعر والنثر، وتمدد مفهوم الإيقاع الذي يخترق سائر الأجناس الإبداعية وغير الإبداعية بعد أن خرج عن مفهوم الوزن البسيط إلى الإيقاع بمعناه الواسع الذي يبدأ في كل أشكال الكتابة مثلا من مستوى المفردة والجملة لينتهي بالنص والخطاب والسياق، مشتغلاً على الإصاتة، والتنغيم، والنبر، والتجاور، والتضاد، والانزياح الأسلوبي، والاقتصاد اللغوي، في دائرة يتسع محيطها ولا ينغلق أبدا.

ولذا ترى في تلك النصوص أن التفعيلة مثلاً ليست شرطاً لازماً في الشعرية، وإنما ترتبط بسياق تاريخي محدد والوزن الخليلي ليس شرطاً للقصيدة، وإنما الإيقاع، فالوزن كما يوضح الناقد محيي الدين اللاذقاني لا يمثِّل إلا “إقليماً صغيراً من أقاليم الإيقاع الشاسعة، أو هيكل النص، فالإيقاع هو الروح التي تسري في النص، وتعتمد على النشاط النفسي للمبدع والمتلقي على السواء”. فالإيقاع “يشمل الخصائص والتنظيمات اللغوية والصوتية والتركيبية حيث يتولد الإيقاع الداخلي من موسيقية اللغة سواء أكانت مفردة أم جملة أم عبارة؛ فاللغة في ذاتها تبعث إمكانات نغمية ممتدة تتمثل في جرسها وائتلاف حروفها وما تحققه مع غيرها من المفردات، أو العبارات من تجانس أو ترادف أو تقابل أو تواز إلى ذلك من علاقات لاحد لها”. كما تعبر الباحثة عزة جدوع، وقد نبهنا بودلير إلى أن الإيقاع الشعري لا يمكن تناوله مدرسياً عبر دراسة عروضه أو أصواته ؛ فالشعر “يمس الموسيقى عن طريق عروض تمتد جذوره في النفس البشرية بقوة أشد من تلك التي تشير إليها أية نظرية كلاسيكية”.

تلك الفلسفة التي تقف وراء نصوصه لها مرتكزها العميق إذن، ولكن الرهان على قصيدة النثر باعتبارها شكلاً وحيداً للتعبير الشعري يمثل منزلقاً خطيراً لـ “تجفيف هديل” ديمقراطية الكتابة وتداخلاتها وجدالها الخصب.

لا غائية المعنى

لا تهدف قصيدة كبلو لـ “أن تقول ” لأنها معطونة أساساً بهم “أن تكون” مجرِّدة نفسَها من أي وظيفة سوى وظيفة الشعر الخالص، الشعر الذي يترقرق صافياً نقياً مثل موسيقى أو نهر دون التباسات الدلالة المربكة وذرائِعيتها الانتهازية المتلهفة على الإقناع والكسب، وأيديولوجيتها المصادرة لكل تحليق؛ وإن كان ثمة احتراس واجب هنا؛ إذ يمكن أن يفضي ذلك الطموح المستحيل إلى نص مثل “هضرة” لا يقول ولا يكون، أو يتهدد “نوستالجيا الاستقلال” بشبح تتالي الصور العصية على الاتساق، أو يسلمنا مباشرة إلى مجانية المجازات المنتهبة على عجل من أطراف قراءاته المتعددة هنا أو هناك بعد تحويرها قليلاً جداً، وهي صور سرعان ما يعتم بريقها المستعاد في مثل:

للخمر نكهة الأبد
ولبشرة الحبيب ملمس الظلام
ولقلب العاشق حبل من مسد
ولكن هذا نادراً ما يحدث لحسن حظنا.

أسلوبية الانزياح

يرتكز نص كبلو على آليات أسلوبية الانزياح (Deviation) على المستويين التركيبي والدلالي، وقد أشرنا إلى الدلالي فيما سبق حين تحدثنا عن اشتغاله على قوة المجا.، أما على المستوى التركيبي، فإنه نص لا يكف لحظة عن انتهاك المستوى المثالي من سنن اللغة مستثمراً طاقة العربية العالية في الخروج، والتحويل، والتقديم، والتأخير، والالتفات، والحذف … إلخ إلخ، منقِّبا في ذات المنجم الخصب الذي تتناهبه جحافل المارقين منذ أبي تمام حتى سليم بركات.

وقد سبق للشاعر بول فاليري إلى (1871 -1945) أن نبَّه في نظرة نافذة إلى المعادن الثمينة النادرة في منجم الانزياح هذا عندما قال: “عندما ينحرف الكلام انحرافاً معيناً عن التعبير المباشر، أي عن أقل طرق التعبير حساسية، وعندما يؤدي بنا هذا الانحراف إلى الانتباه إلى دنيا من العلاقات متميزة عن الواقع العملي الخالص، فإننا نرى إمكانية توسيع هذه الرقعة الفذة، ونشعر بأننا وضعنا يدنا على معدن كريم نابض بالحياة قد يكون قادرا على التطور والنمـو”.

من منجم الانزياح هذا يغترف كبلو:

ديكانِ من ثوان مشمسة
بعلوِّ مترٍ من الحنَّاءِ
ودونَ ذلك من الرمان
يلعقانِ شهدَ روحيهما
أمامَ أقنعةٍ
تمتصُّ فائضَ القيمة
من بيضةِ الفلامنغو،
والتفاتةِ الميتادور
قابَ لا شيءٍ مِنْ ضجرِ عزرائيل.
وهكذا … وهكذا.
هذا الفتى/الكهل: “معجزةٌ كونُهُ لا يطير”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال