‫الرئيسية‬ مقالات العلمنة في السياق السوداني
مقالات - 20 يونيو 2020

العلمنة في السياق السوداني

بقلم: بيرا كُرّا

 

في ورقة صغيرة بعنوان إعادة التفكير في العلمنة، ميّز عالم اجتماع الأديان الإسباني خوسيه كازانوفا، بين ثلاثة معانٍ للعلمنة: العلمنة بوصفها انحساراً تدريجياً للدين داخل المجتمعات الحديثة؛ والعلمنة بوصفها خصخصة للدين، أي تحرير المجال العام من سلطته، دون أن يعني ذلك نفيه خارج المجال العام؛ والعلمنة بوصفها تمايزاً واستقلالاً لمجالات الدولة والاقتصاد والعلم عن الدين، أي بوصفها فصلاً بين ما هو زمني وما هو مُفارق. هذه التمييزات ضرورية ومُهمَّة لفهم العلمنة كعملية تمثُّل معالجة اجتماعية وسياسية؛ وبالتالي تاريخية، لمفهوم العلمانية.

وبلغة كازانوفا، باعتبارها توصيفاً لسيرورة تاريخية اجتماعية. وعلى الرغم من أن كون العلمنة، بمعنى انحسار دور الدين داخل المجتمعات الحديثة، تبدو مرتبطةً على نحو وثيق بالمجتمعات الأوروبية؛ يلاحظ كازانوفا أن علماء الاجتماع يُفكِّرون فيه – ربما بسبب كون الحضارة المعاصرة نفسها نزّاعة لأن تكون كونية – كحدث كوني. وعلى العكس من ذلك، يُحاجِج كازانوفا بأن العديد من المجتمعات ذات الأنظمة العلمانية، ما زالت تحتفظ بدور فعّال للدين، آخذاً الولايات المتحدة الأمريكية كمثال. ويمكننا أن نضيف إليها الهند وجنوب أفريقيا والسنغال والبرازيل.

 

يُفكِّر كازانوفا في العلمنة داخل سياق علماني، أي سياق يسمح له، أولاً، كعالم اجتماع، أن يرصد التجليات الاجتماعية للعلمانية، ويسمح له أيضاً بتقييم ممارستها وتجلّياتها المختلفة؛ وقبل كل ذلك يفكر كازانوفا داخل سياق اجتماعي يُمثِّل النقد إحدى بنيات تفكيره، أي أن ما يقوم به هو انعكاس العلمانية على ذاتها. وبالنسبة لنا كوننا خارج هذا السياق، وأعني هنا على مستوى مؤسسة الدولة، ليس لنا سوى الاستفادة من النقد الذي يُقدِّمه علماء الاجتماع للعلمانية في سياقاتهم الاجتماعية: أولى هذه النقاط النقدية التي ينبغي الانتباه إليها، هي أن تراجع دور الدين في المجتمع لا يجب أن يكون شرطاً لقيام دولة علمانية. وهذه في الواقع من أكثر الحجج إستخداماً لرفض العلمانية في المجتمع السوداني، ومع ذلك، لا يمكن إنكار التأثير الكوني لهذا التراجع الديني الذي تمظهر في السياق الأوروبي، إلى حد أنه يمكن قراءة الإرهاب الديني المعاصر – الإسلامي تحديداً – كرد فعل على هذا التراجع، وكخوف منه. وعلى أية حال، في الواقع الاجتماعي السوداني، يتعيّنُ علينا أن نطرح السؤال بشكل معكوس: متى بدأ دور الدين – الدين المؤسسي – يتضخم باطّراد؟

 

أية قراءة دقيقة لمدونات التاريخ الاجتماعي السوداني، الحديث والمعاصر، سوف تُبيِّنُ لنا أن تضخم دور الدين في المجتمع السوداني لم يكن أمراً يتعلَّق بطبيعة المجتمع نفسه – على الرغم من أن جزءاً من المجتمع كان مُتديّناً في صميمه – غير أن هناك محاولات مستميتة لفرض الدين بقوة الدولة والثقافة والاقتصاد، أي أنه جرت عملية ديننة قسرية لجزء من المجتمع، وحتى مع عملية الديننة طويلة الأمد هذه، ما تزال العديد من المجتمعات السودانية – إن لم تكن أغلبها – غير متدينة بالشكل المؤسسي الذي يرفض ويصبح مانعاً اجتماعياً وبنيوياً أمام العلمنة؛ ولذا فإن مقولة “المجتمع السوداني مُتديّن بطبعه”، غير ذات معنى معرفي على الإطلاق. لأننا عندما نتأمّل حرب الجنوب على سبيل المثال، لن نستطيع أن نتجاهل كونها كانت حرباً صليبية قادتها مؤسسات دينية ضد مجتمعات “مثقوفة” دنيوياً بشكلٍ فاضح ومُخجل، وكانت بالنتيجة حرباً خارج الدولة، وبدرجة أقل، يُمكننا أن نرى إلى حرب دارفور – دون نزع الثقافة بالطبع من جميع هذه الحروب ودون إهمال السياسي أو الاقتصادي – كمحاولة من المؤسسة الدينية  لفرض نموذجها المعياري للدين على مواطنين أقلَّ اكتراثاً لأمر الدين. هكذا نجد ببساطة أن مقولة “المجتمع السوداني مجتمع مُتديّن بطبعه”، كانت مضمرة حيناً ومصرحاً بها أحايين أخرى، عندما شنَّت المؤسسة الدينية حملاتها على المجتمعات السودانية التي إما أنها لا تُبدي حماساً دينياً في نشاطاتها الدنيوية، أو أنها تُبديه بطريقة خاطئة وغير مقبولة؛ وبالتالي لا تستطيع المؤسسات الدينية أن تضمن ولاءها. من البديهي أنه ليس هناك مجتمع سوداني واحد يُظهِرُ نفس الجدية تجاه الدين، وهكذا تصبح المقولة السابقة اختزالاً عسيفاً للمجتمعات السودانية إلى مجتمع صغير، هو ذات المجتمع الذي كان طوال تاريخ السودان المعاصر يُقرِّر ما يجب أن يكون المجتمع عليه، وما يجب أن تكون عليه الدولة، لدرجة أنها تتطابق مع الدولة تماماً، وهي، باستخدامها لهذا الخطاب، خلقت لنفسها امتيازات ووضعت حواجز أمام المختلفين. نحن إذن، يجب أن نقرأ هذه المقولة كمقولة إرهابية، وكتهديد يجب أخذه على محمل الجد.

 

أحد التأويلات التي يمنحها كازانوفا للعلمنة، هو انتقال الشيء من الاستخدام الديني إلى الاستخدام الدنيوي، وتكون الديننة، إذن، الانتقال العكسي. وبهذا المعنى، تُعتبر كثيرٌ من المجتمعات السودانية مُتَعَلْمِنة، وتُصبح الفكرة القائلة ببنية دينية للمجتمع السوداني مُؤشْكَلاً عليها. دون أن يعني هذا وجود ارتباط شرطي بين علمنة المجتمع أو عدمها وعلمانية الدولة، لدولة الحديثة علمانية بالتعريف، تحمل مسوغات علمانيتها داخل نسقها، إذ لا يُمكن تصور دولة حديثة غير علمانية. وبذات القدر، فإن أي ربط شرطي بين مجتمع متدين ودينية الدولة لن يكون ربطاً تعسفياً فحسب، بل إن جملة “دولة دينية” سوف تبدو مربكة وبلا معنى تماماً، ولا يمكن فهمها إلا باعتبارها خطاباً سياسياً يُمثّل أصحاب الامتيازات التاريخية للمُحافظة على وضعية الدولة المؤجلة كما يسميها الأستاذ يس السوار والاستفادة من هذا الغياب لمُراكمة رأس مال رمزي ومادي.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال