‫الرئيسية‬ مقالات في ذكرى رحيله الأولى “أبو النضال” وبعض من رحيق الذكريات
مقالات - 15 أبريل 2021

في ذكرى رحيله الأولى “أبو النضال” وبعض من رحيق الذكريات

عندما علمت بنبأ رحيله جلست ساكنة مدة طويلة من الزمن؛ أسترجع جلساتي وحكاياتي معه، ولم أستطع أن أخط سطراً لنعيه أو حتى أن أرفع صورته على صفحتي بـ (فيس بوك)، كما تقتضي العادة، وهكذا تكون ردة فعلي عندما يكون الأمر متعلقاً برحيل شخصية لها خصوصية ما في دواخلي. وأستأذنا فاروق أبو عيسى أفضل من يترك أثراً في نفوس من يعرفونه ويتعاملون معه عن قرب.
لم يكن أبو عيسى رقماً عادياً في مسيرة النضال السوداني والكفاح اليومي، وهو الذي نذر جل حياته للعمل العام، فاستحق عن جدارة لقب (أبو النضال). كيف لا وقد كانت كلماته حتى وهو ممسك بعكازته ويرتجف جسده النحيل من عامل السنين وفعل الأمراض المزمنة، كالسيف حدةً. كان يمتلك نارية العبارة وجزالتها ما قد يُحسد عليه بين الساسة.
هو أبو النضال لأن أجيال كثيرة من السياسيين تربوا على يده، وساروا على نهجه هو وجيله من الرعيل الثاني جيل ما بعد جيل الاستقلال وأنا أسميه جيل المنهج السياسي أي الجيل الذي انتهج السياسة ومارسها فكراً وتخطيطاً وفعلاً.
في أول اتصال هاتفي أجريته مع الأستاذ فاروق أبو عيسى في بدايات عملي في الصحافة السودانية في العام 2010، وكنت حينها في صحيفة الأخبار أجري تقريراً عن المعارضة متمثلة في قوى الإجماع الوطني، ورأيت أن آخذ تصريحاً من رئيس الهيئة العامة لقوى الإجماع الوطني الأستاذ فاروق أبو عيسى. عدد من الزملاء بصالة التحرير اكدوا لي أن ابو عيسى لن يرد على هاتفه وإن رد فلن يقبل أن يدلي بتصريح للصحيفة مارست عنادي الصحفي، وأخذت الهاتف واتصلت كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهراً تقريباً، وبعد جرسين على الأقل سمعت صوته من الطرف الآخر مجيباً، تهللت أساريري وأحسست أنني ربما أنجزت نصف مهمتي. تبادلنا التحايا وعرفته بنفسي “أنا إيمان فضل السيد يا أستاذي من صحيفة الأخبار”، ففاجأني برده عندما قال لي “إيمان بتنا بت المعارضة الواحدة دي”، فتبسمت بفرح وقلت له نعم، فقال “أنا متابع شغلك أنتِ صحفية ممتازة وبتعملي تغطيات كبيرة لنشاط المعارضة”، فرحت جداً من حديثه ولم أستطع التعبير المهم.. واصل حديثة قائلاً “أها يا إيمان عاوزة شنو؟”. وأضاف “أنت محظوظة لأنك ضربتي لي في آخر دقيقة قبل دخولي وقت القيلولة وإغلاق الهاتف”. فأجبت “هذا من دواعي سروري”، ثم شرحت له فكرة التقرير الصحفي الذي أنا بصدد كتابته وطلبت منه إفادة في ذلك الشأن، فقال لي قبل أن يدلي بإفادته “عارفة يا إيمان يا بتي أنا طبعاً ما قاعد أدلي بأي تصريحات خاصة، للصحف السودانية وعندي موقف منها لأنهم قاعدين في مرات كثيرة يشوهوا كلامنا ويحرفوه ويفرقوه من محتواه. بس في صحفيين معينين أنا بصرح ليهم لأني ضامن أنهم ما عندهم أي أجندة لتغيير كلامي البقوله وانتي منهم”. تنفست الصعداء فهذا بمثابة تصريح لي من أبو النضال بالإدلاء لي بتصريحات خاصة.
بعد أن أكمل تصريحة الذي طلبته منه وقبل أن ينهي المكالمة معي أخبرني بالمواعيد التي يمكنني فيها الاتصال به وقال لي “أنا عادة بكون متوفر من الساعة 10 صباحاً لغاية الساعة واحد الظهر بعدها بدخل في وقت القيلولة ولا أستقبل مكالمات لا عصراً ولا ليلاً”.
منعتني الصحيفة من متابعة دائرة المعارضة مع إنني أمتلك مصادر كبيرة ومقدرة فيها، ومع إنه لا يوجد صحفي مكلف بها، ولكن رئيس التحرير محمد لطيف كان قد أعطى توجيهاته بعدم تكليف أي صحفي بالجريدة بهذه الدائرة، وهكذا كانت تسقط أخبار المعارضة عمداً عن صفحات الجريدة إلا نادراً.
تم تكليفي بأن أكون في قسم التحقيقات والانشغال بالقضايا العامة والاجتماعية إلا أن القضايا السياسية كانت تأخذ حيزاً من تفكيري ما جعلني دائما تأتيني أفكار بإجراء تحقيقات سياسية، وكنت أفعلها. عند انفصال السودان اقترحت على الصحيفة إجراء مقابلات مع شخصيات سياسية ليتحدثوا عن شعورهم في ليلة انقسام الوطن، ووافقت الجريدة، وكان أبو النضال أبو عيسى يتصدر قائمتي، وكان يقتضي الحوار ان ألتقي بالشخصيات وآخذ لقطات حية لهم وهم يعبرون عن شهورهم تجاه الانفصال. اتصلت بأبي النضال ووافق مباشرة وأعطاني وصفاً تفصيلياً لموقع منزله بحي الرياض بالخرطوم، وتابع معي وأنا في الطريق برفقة المصور وسائق عربة الصحيفة حتى وصلنا واستقبلنا في حديقة منزله العامرة والظليلة، وكان يرتدي حينها عراقي وسروال، ولأول مرة أراه بشارب ولحية تبدو كثيفة.. صافحنا وجلسنا حوله وتحدثنا أحاديث كثيرة عن الانفصال وعن السياسة عموماً وتمت ضيافتنا أحسن ضيافة.
وبالطبع لم تنقطع صلتي بالمعارضة لكوني غير مكلفة بتلك الدائرة من قبل الصحيفة؛ ذلك لأنني كنت ضمن لجنة الإعلام بقوى الإجماع الوطني، وكنت دائماً ما أضبط المنبر الدوري للجنة الإعلام، وكان أسمعه منبر الشارع والذي يستضيف قادة قوى الإجماع لمناقشة القضايا الملحة، كما كنت أقوم بمهمة تقديم المؤتمرات الصحفية، وكانت الأخيرة من أكبر الفرص التي أهدتني إياها الحياة لمقابلة أبو النضال فاروق أبو عيسى عن قرب ولفترات طويلة، ولسماحة حظي كنت كثيراً ما أقدمه للحديث في المنابر وأجلس بجواره حتى ينهي حديثة.
في ذلك اليوم من العام 2015 شهر يونيو على ما أعتقد كنت أعمل في ديسك أخبار قناة أم درمان عندما علمت أن أبو النضال وحرمه قدما من خارج البلاد من إحدى رحلات استشفائه، وأن قوات الأمن قامت باعتقاله من المطار، وتم التحقيق معه وإطلاق سراحه لاحقاً اتصلت به مباشرة، وعندما عرفته بنفسي شعرت بغبطة لسماع صوتي ورحب بي كثيراً، ولما عرف أنني أريده في تصريح لقناة أم درمان؛ تفاجأ وقال لي كيف تعملين في هذه القناة؟ أجبته بانني لن أستمر فيها كثيراً، فالأجواء فيها خانقة جداً ولن تعجبهم طريقة عملي، وقد كان، فقد تم فصلي بعد شهر فقط من العمل بها.. المهم أعطاني أبو النضال التصريح الذي طلبته وأكثر، وقال لي بعدها ممازحاً “أفضل ليك تتخارجي من الحتة دي عشان ما تموتي كمد مع حسين خوجلي ده، لو عرستي أحسن ليك”.. أجبته من خلال ضحكاتي “بالمناسبة يا أستاذ سيتم عقد قراني في أغسطس القادم بعد عيد رمضان وأنت مدعو من الآن لحضوره”. فرح جداً عد سماع الخبر وأكد لي أنه سيحضر إذا كان موجوداً في البلاد، وسألني عن عريس الغفلة كما قالها فقلت له إنه الصحفي عبد الرحمن فاروق حامد السيد، فقال لي “هل هو حفيد حامد السيد؟”. أجبته “نعم”. فقال لي “هل تعلمين أن عمه مصطفى حامد السيد رحمه الله صديق طفولتي وشبابي؟”. وأردف “أنا أعرف هذه الأسرة جيداً، وهذا اختيار موفق، ولابد أنني سآتي عقد القران حتى أقابل عمه توفيق.. فأنا اعرفهم جميعاً”.. هكذا انتهت مكالمتي معه وكانت طويلة في تلك المرة. لم يحضر عقد قراني للأسف فقد كان وقتها في القاهرة.
لم أقابله بعدها إلا في أواخر العام 2017. تلقيت مكالمة هاتفية من الأستاذ محمد ضياء في السابع من ديسمبر 2017، وكان وقتها رئيس لجنة الإعلام بقوى الإجماع الوطني وأخبرني بأنه تم الترتيب لعقد مؤتمر صحفي غداً سيتحدث فيه رئيس الهيئة العامة الأستاذ فاروق أبو عيسى لإخراس الألسن التي ظلت تقول إنه هجر قوى الإجماع الوطني وانضم إلى نداء السودان، وطلب مني تقديم المؤتمر الصحفي. كانت ولادتي بابنتي وفاء مقرراً لها بعد أقل من أسبوع، ولكني لم أعتذر عن الحضور ولا عن تقديم المؤتمر الصحفي، ذهبت وأنا أحمل “كرشتي” وعندما قابلني أبو النضال تفاجأ وقهقه ضاحكاً، وقال إنه لم يتعرف عليّ. جلسنا في المنصة هو وأنا قدمته في ذلك اليوم بمقدمة اجتهدت في كتابتها جداً لتأتي معبرة عن مكانته النضالية في نفوسنا وعن فرحتنا بعودته. لم يفوّت حديثي ومازحني في أذني “أنتِ طلعتي داهية”. كان حديثه في ذلك اليوم مشحوناً بالحماس والجرأة السياسية في اختيار العبارات التي أفحم بها زبانية نظام البشير أيما إفحام. وكان ذلك آخر لقاء بيننا بسبب عدم استقرارنا نحن الاثنين في السودان.
شارك أبو عيسى في الكثير من الاحتفالات القومية والندوات التي كان يقيمها حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، وكان دائماً متحدثاً أساسياً في إحياء ذكرى استشهاد القائد صدام حسين لكونه من الذين قابلوه وجلسوا إليه أكثر من مرة بحكم منصبه رئيساً  لهيئة المحامين العرب لسنوات طويلة. كما شارك البعثيين في ندوتهم الشهيرة في ميدان فريق ريد في أم درمان، وعندما قدمته للحديث لم يعتلِ المنصة وطالبني بإحضار المايك إليه، وقال لي وقتها “المنصات دي نحن فترنا منها خلاص خليناها ليكم إنتو الشباب”.
تميز أبونا فاروق أبو النضال بالغضب الممتع كان عندما ينفعل غاضباً يُخرج درر القول الطريف ما يجعل جميع الحضور ينفجر ضاحكاً لقوله وكأنما رائعة الفنان الكاشف قيلت في حقه “غضبك جميل زي بسمتك”.. شهدت له الكثير من المواقف ربما سأرويها في مساحات مقبلة. ألا رحم الله فقيد البلاد والأمة والإنسانية الأستاذ فاروق أبو عيسى وجعل الجنة مثواه ومستقره آمين.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.8 / 5. Total : 6

كن أول من يقيم هذا المقال