‫الرئيسية‬ مقالات حول “علمانوية” المحبوب عبد السلام
مقالات - 12 أبريل 2021

حول “علمانوية” المحبوب عبد السلام

لا أخفي اهتماماً بمتابعة تقييم بعض مثقفي الإسلام السياسي لحصاد تجربتهم التي امتدت نحو عقود ستة، استهلكوا نصفها منفردين بحكم السودان، بصورة لم تتح محلياً أو إقليمياً لأي فصيل من فصائل الإسلام السياسي، إن تجاوزنا تجربة إيران، غير أنك نادراً ما تُحظى بتقييم ذاتي عقلاني أو موضوعي لحصاد تلك التجربة التي أرهقت البلاد والعباد بقدر غير يسير من الرزايا، إلى أن وقع بين يدي ذلك الحوار الصوتي الذي أجراه موقع (الرواية الأولى) في آخر أيام مارس المنصرم مع الأستاذ المحبوب عبد السلام – الرجل الذي كان يوماً ما أقرب لعراب الحركة الإسلاميه السودانية ومرشدها من حبل وريده، ذلك الحوار الذي يمثل – من وجهة نظري – علامة فارقة في مسار تطور النظر في قضية تعد بلا جدال أُس فكرة الإسلام السياسي وأساسها المتين، وأعني هنا علاقة الدين بالدولة.
صاحب اللقاء ممن اعتقدت فيه سابقًا، إنه أكبر من أن تقيده الفكرة بسلاسلها الثقيلة، وأنه (soon or later) سيجد طريقة ما لفك هذا الطوق الذي يكبل قدراته علي الإضافة والتجاوز، ولكن – صدقاً – لم أتوقع أن يذهب إلى حد هدم أساس فكرتهم، ليس من نافذة السياسة فقط، بل حتى من باب الفقه المُؤصِل لمرجعية الجماعة والناظم لخيط أيدلوجيتها التي لم تسيطر على بعض الرأي العام ردحاً من الزمان فحسب، بل امتدت كـ (سوط) ابتزاز أناخ ظهر كثير من الأحزاب والمكونات التقليدية تقيةً، كما امتد ليملأ أفواه كثير من المثقفين ماءً حتى أضحى تناولهم للقضية مجرد (لغلغة) لا تضيف وعياً أو تمحو جهالة !
كان مضمون الحوار، أو قل عنوانه الأبرز هو ترحيب المحبوب عبد السلام وحركته الناشئة المسماة (تضامن من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية) باتفاق المبادئ الموقع بين الحكومة الانتقالية ممثلة في السيد رئيس مجلس السيادة، والحركة الشعبية – شمال، ممثلة في قائدها السيد عبد العزير آدم الحلو، لم يكن ترحيب الرجل وحركته ترحيباً مجانياً، بل كان ذا ثمنٍ عظيم، دفعه الرجل إقراراً موثقاً بعقلانية فصل الدين عن الدولة.
لقد مهد المحبوب لهذا الإقرار بمراجعة حصيفة لأهم محطات تاريخنا السياسي اسمعه يعترف “منذ العام ١٩٩٥م مع إعلان مبادئ الإيقاد برزت هذه الثنائية التي ورّطت المفاوضات وورطت الحالة السودانية كلها في مقابلة بين وحدة السودان والشريعة الإسلامية، وكان هذا ــ في تقديري ــ مأزقاً مؤسفاً ما كان يجب أن تتورط فيه المفاوضات آنذاك بين حزب المؤتمر الوطني وبين الحركة الشعبية شمال”، ثم يواصل “وهذا الموقف يتجدد مع القائد عبدالعزيز الحلو، فقد وقعنا في ذات المأزق، فإما أن نقبل بدولة تقوم علي المواطنة أو نذهب إلى تقرير المصير، فنضجت الرؤى وأصبح الأمر واضحاً جداً بالنسبة لي – الحديث ما زال للمحبوب – لذلك عندما شرع الإخوة في (تضامن) لمناقشة هذه المسألة كان هذا رأيي ورأي غالب المتدخلين في إعلان موقف يُرحب بإعلان المبادئ ” – انتهي –
إذن نضوج رؤية الرجل أنبني على قراءة أمينة لكارثية المقابلة ما بين وحدة السودان وما بين تطبيق الحدود غير المطبقة أصلاً حتى وإن لم يكن هناك جنوب، فمن أجل شيء متوهم – حسب رأيه تمت التضحية بوحدة السودان، فهل وقف الرجل في نقده لتلك المقابلة عند حد (الضرورات تبيح المحظورات)، فرحب بإعلان المبادئ – مجبراً أخاك لا بطل – حتى لا تتكرر ذات المأساة، تجيبك إفادته التالية، المجتزأة من ذات الحوار، بالكثير الخطر، أسمعه يرسل سيلاً من الأسئلة التي لو باح بها ليبرالي لتحسس عنقه قبل رجع صدى صوته “هل هناك دولة إسلامية في القرآن؟ أم أنها صناعة الإسلام السياسي وتيارات الإحياء التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وهل القضايا المتعلّقة بالحكم هي بالفعل قضايا متعلّقة بالحاكمية كما أصَّلها المودودي ووصفها سيد قطب ؟ أم أن الحكم الذي يتحدث عنه القرآن هو حكم متصل بالقضاء؟ وهل الأحكام الواردة في القرآن الكريم هي أحكام نهائية؟ أم أنها أحكام محكومة بالسياق؟ ولماذا تلجأ التجارب الإسلامية المعاصرة إلى تكثيف التحوطات حتى لا تُطبّق حَداً؟ فواقع الأمر أنه لم يتم تطبيق أي حدٍ في السودان طيلة حكم الإنقاذ” إلى أن يصل للخلاصة التي قطعاً ستصدم كثيراً من أقران الصبا وإخوة التنظيم: “لذا فالآيات المتعلقة بالأحكام كلها ظرفية جاءت في سياق معيَّن وينبغي أن نقرن كل آيات القرآن بالسياق الذي نزلت فيه، هذا هو التجديد الذي أفهمه للفكر الإسلامي المعاصر”، فهل انتهى الرجل عند هذا الحد، أم ما زال في جراب مراجعاته ما يدهش البعض ويصدم الآخر، لقد بلغت الجرأة أو ربما الاتساق شأوا يتقاصر دونه بعض أرباب الحداثوية، اسمع – يا أعزك الله – ماذا يقول الرجل : “وقد ذكرت في أكثر من مرّة أن محمد إقبال في كتابه الفلسفي الشهير إعادة بناء التفكير الديني أشار إلى أن عقل الإنسان قد يتقدّم القرآن، وجميع هذه التساؤلات هي التي انتهت بي إلى أن الدولة الحديثة مضادة للمفاهيم التي أسستها مؤسسة الفقه منذ القرن الرابع الهجري، وإذا أردنا بناء دولة حديثة علينا أن نتحرر من مؤسسة الفقه التقليدية”.. هكذا دون مواربة أو (لجلجة).
أما كيف حاز الرجل هذا الوضوح وتلك الإبانة، وعلى أي أرضية يقف الرجل بعد هذا العمر المديد بين ردهات الإسلام السياسي ودهاليزه، يجيب المحبوب: “بالطبع الناس ينسبونني إلى تلك المدرسة – يعني مدرسة الحركة الإسلامية في تجلياتها المختلفة – وبالفعل كنتُ طالباً نجيباً في تلك المدرسة إلا أنني تخرّجت منها، وهذا شيء طبيعي أن يمضي العمر بالإنسان وينضج بالتجارب” انتهى.
هذه المراجعات جديرة بالاحتفاء وتستحق فتح منافذ للمثاقفة والمفاكرة من الأطراف كافة، حتى لا تغدو العلمانية محض عقيدة سلطوية أو أيدولوجية فوقية مقابلة للدين كعقيدة أو حتى كمكون من مكونات الوجدان الجمعي، وأن تنفتح بوابات الحوار المنتج والبناء بين الفرقاء كافة لسودنة العلمانية وتجذيرها اختياراً وتوافقاً ديمقراطياً، حتى لا يرتبط إقرارها بتوازنات ظرفية، قد تتغير وفقاً لتغير الظرف الذي أنتجها.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال