
بكل هدوء
الهيثم فهمي
هل يقوم شركاء الحكم والحكومة بما يكفي لتحقيق الحد الأدنى من واجباتهم تجاه الشعب والإيفاء بما عهدوا به أنفسهم وشهداء الثورة والمواطنين؟
الأهم من ذلك القسم الذي أدوه بوضع أيديهم على كتاب الله ورددوا كلماته، استشهدوا الله على البذل والعطاء لمصلحة هذه الوطن وشعبه، أم أن الأمر كان مجرد ستكمال شكلي لمراسيم التنصيب؟
لا يُخفى على أحد التدهور المريع في أحوال البلاد ولن أدخل في طريق تعديد أشكال المعاناة والخطر والتقصير، فمعظم الشعب السوداني يعيش على خط الفقر (هذا ما تقوله إحصاءات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية) والحقيقة أننا لسنا بحاجة للإحصاءات للتدليل على ذلك لجلاء الحال في كل بيت وكل وجه أرهقته المعاناة بشكل ما أو تكالبت عليه صنوفها.
أما الجانب الآخر فهو الانفلات الأمني الكبير الذي ضرب البلاد بطولها وعرضها وبشكل موقوت بحيث لا يمر يومان إلا وانفجرت مجموعة من الأحداث الدامية أو أعمال السلب والنهب والقتل حتى أضحى الأمر وكأنه جزء طبيعي من الحياة اليومية، فهل هذه الهشاشة الأمنية مصادفة بحتة في التوقيت والمواقع الجغرافية والنسق؟ لن أسأل ماذا تفعل الأجهزة الأمنية والقوات المنوط بها الحفاظ على أمن المواطن ولن أتبنى نظرية المؤامرة ولكن لا يمكن إسقاط ذلك.
من زاوية أخرى يمكن تحديد إطار مشكلات السودان في جانبين رئيسيين:
الأول خارجي:
أهمه حجم المديونية الهائل (نحو ٦٠ مليار دولار)
العزلة الدولية المفروضة على البلاد نتيجة وجودنا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
سد النهضة – و هو تحدٍّ يمكن حله من خلال خيارات سنتعرض لها.
الإطار الثاني داخلي:
– الحفاظ على وحدة البلاد.
– تحديات تحقيق السلام وإعادة توطين المهجرين.
– تحقيق العدالة.
– النهوض بالاقتصاد وتحديثه.
– النهوض بقطاعات الدولة الخدمية إجمالاً صحة، تعليم، نقل و مواصلات.. الخ.
– الحفاظ على القوات المسلحة وتحقيق وحدتها وتمتين عقيدتها في تأمين البلاد وخدمة المواطنين.
– استكمال هياكل السلطة وأهم ما في هذا البند تكوين المجلس التشريعي وفق رؤية مغايرة لأنماط المجالس التشريعية السابقة.
– الإعداد للانتخابات الديمقراطية الحرة لاختيار حكومة منتخبة تضطلع بدورها في تغيير وجه السودان ومجتمعه للأفضل.
بالإضافة لكل ما سلف، فإن هناك الكثير جداً من التحديات الكبيرة التي تقع على عاتق شركاء الحكم والجهاز التنفيذي للدولة أي الحكومة ومؤسساتها المختلفة القائمة منها أصلاً وتلك التي يجب إنشاؤها لتضطلع بأدوارها في عملية البناء المدروس والمحكم.
إن التحديات الماثلة أمام الحكم في المرحلة الانتقالية ليست هي كل مشكلات السودان كما أنه من باب الحقيقة والواقعية ليس متوقعاً من الحكم الانتقالي نشر الرفاهية في فترة زمنية محدودة بعد حكم أسس للفساد وقام عليه وزرع الفتن وغيرها من إرث سلبي ستمتد آثاره لأجيال قادمة، المطلوب تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من وضع لأسس الدولة السودانية التي نريد أن نكون عليها، ويتطلب ذلك جهوداً مضاعفة.
أما في فا يتعلق بالتحديات الخارجية التي أشرنا إليها فهي تسير في طريق جيد حيث تم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب كما يتم النظر في معالجة ديون السودان الخارجية بشكل إيجابي من المانحين ووفقاً للمؤشرات الجيدة من صندوق النقد والبنك الدولي، فمن المتوقع البت في هذا الأمر ربما في الربع الثالث من العام الحالي أو بنهايته، وربما سيكون الأمر على هيئة سلسلة من القرارات المتعلقة بالإعفاءات الجزئية والمنح وغيرها من أدوات المعالجات المالية.
في ما يتعلق بأزمة سد النهضة، فإن الأمر إذا لم يتم التوصل فيه إلى حل من خلال الاتفاق بين الدول الثلاث المعنية، فإن ذلك سيشكل خطراً كبيراً على السودان من ناحية النقص الحاد في كمية المياه المتدفقة للسودان في موسم الفيضان أو أن يتم تدمير السد عنوة، وذلك سيسبب أضرارا بالغة و غير محسوبة للسودان، السيناريو الأخير هو انهيار السد في أي وقت من الأوقات لأسباب تتعلق بسلامة إنشائه. وفي هذه الحالة، فإن المحصلة واحدة لما قد يحيق بالسودان من ضرر.
ما هو المطلوب منا كدولة لنستعد للسيناريوهات الأسوأ ؟ هل ننتظر المساعدات الدولية (كالعادة) أم علينا أن نضع خطة لتوجيه المياه المندفعة من السد حتى و إن تم الاتفاق بالمفاوضات أو لم يتم؟ بالتأكيد لا بد من من خلق خطة لدرء الآثار المدمرة لانهيار السد ربما بشق أخدود أو توجيه الإغراق لمناطق آمنة أو غير ذلك المهم وجود الخطة والعمل على تنفيذها، حيث أننا الآن بمعايير العالم في الأربعينيات من القرن الماضي، ولا نريد أن نضمحل بكارثة تعيدنا إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى.
بناء على ما تقدم يتضح أن تحدياتنا الكبرى هي تحديات داخلية بالأساس كما وأن العالم يبدي تعاطفاً ودعماً كبيراً، وفي كافة الأصعدة للحكم (المدني) والتغيير في السودان ولكن من المؤكد أنه يتوجب علينا أن نقوم بالجزء الأكبر من العمل والتغيير، بل في معظم الحالات يجب علينا التفكير المبادرة بالعمل لإحداث التغيير والإنجاز دون انتظار المساعدات. صحيح إن القيام بالأعمال والمشروعات الضخمة يتطلب التمويل ولكن لن تتحق هذه المعادلة أبدًا بالجلوس على الرصيف ننتظر التمويل لكل شيء، فمثلاً يمكن أن تمنحنا حكومة اليابان أحدث مركبات جمع القمامة وتنشئ مصنعاً لتدويرها ومعالجتها (مجاناً)، ولكن يتحتم علينا نحن السودانيين التقاط مخلفاتنا ووضعها في الأماكن المخصصة وأن نقوم بكنس شوارعنا وأحيائنا بأيدينا.
إن توفر القوى العاملة الشابة والمتعطشة للعطاء في بناء الدولة، لهي ثروة تحتاج لمن ( يؤمن بها) ويقودها لتكسير الجبال ودفع الرمال وتسوية الأرض وبناء السدود والسواتر من الصخور و الحجر وغرس الغابات في الأراضي القاحلة للإسهام في تثبيت التربة وتغيير مناخ البلاد والحفاظ على بيئتنا المهملة كلياً.
هذه المهام وغيرها تحتاج إلى تفكير إبداعي وقيادة ذات رؤيا تستفز الشباب لتعمير بلادهم. وفي نفس السياق، فإن أداء شركاء الحكم يجب أن يتصف بالشفافية أولاً والمقصود هنا أن يعلم الناس ما هي خطط الحكومة للتعامل مع هذه الملفات وفق أطر زمنية ربع سنوية، فبمعرفة الخطط الحكومية وأطرها الزمنية تخضع للمتابعة والمراقبة و المحاسبة.
بالغياب (المهين) للمجلس التشريعي تبرز أهمية الرقابة الشعبية والإعلام وتتعاظم أدوار الأقلام والمنتقدين للحكومة وشركاء الحكم وكونهم جهات شعبية لا ينقص ذلك من حقهم في الحصول على إجابات مقنعة من قمة المسؤولين على اختلاف درجاتهم، بمن فيهم رئيس الحكومة ليس تفضلاً منهم، ولكن الواجب الذي ارتضوا التصدي له يستلزم احترام عقول وحقوق هذا الشعب الذي ضحى كثيرًا ومستعد لمزيد من التضحيات شريطة أن يعلم أن هذه التضحيات ليست من أجل فئة تمتص في دمائهم وتتاجر في آلامهم كما كان يحدث في السابق.
غاية الأمر، فإن القيادة هي التي تدفع الجماهير للإنجاز وأن أهم وأكبر الأعمال والمشاريع يجب أن يقوم بها الشعب السوداني وعليه يتوجب خلق (منصة للحرس الوطني والاستجابة الشعبية للمشاريع الوطنية الكبرى).
المعني بفكرة منصة الحرس الوطني ليس مليشيا مسلحة بأي حال من الأحوال ولكن استيعاب للمدنيين وإعدادهم للقيام بأعمال تحتاج لمجموعة كبيرة من الناس وفق خطط مدروسة من متخصصين يتولون التدريب والتأهيل للتعامل مع سيناريوهات مختلفة من الاستجابة ساعة الكوارث أو البناء، ومن ضمن هذه المنصة أيضاً يمكن رفد القوات الشرطية والجيش وحراس الحياة البرية بالأفراد من أبناء الشعب الذين سيكتسبون مهارات العمل الجماعي وغيره.
الفكرة ليست قالبا جامدا لما أوردناه و لكن يمكن تطويرها و تحسينها فالغرض هو الإعتماد عليه القوى الشعبية و الشبابية التي هي ثروة لا تقدر بثمن.
فليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

