‫الرئيسية‬ مقالات إلى علاء الدين الجزولي في عليائه -أو- نهاية وجه ساحر لحياة مضت
مقالات - 7 أبريل 2021

إلى علاء الدين الجزولي في عليائه -أو- نهاية وجه ساحر لحياة مضت

وجدي كامل

يا لقسوة الحياة ويا لها من خادعة ومخادعة

يصاب منا الفرد ويموت بسبب الجائحة، فيحمله الطاقم الصحي، وتذهب به عربة الموت للحظات يودعه فيها بيته ويودع أقرب الأقربين، وتتحرك العربة إلى قبر دامس موحش، ويتم دفنه دون وداع من أحد.

كل ما كان من تقاليد والتفاف اجتماعي حول المصاب يهرب -يتبخر- كل ما كان للسودانيين من حيل وتحايل على أوجاع الفقد تفشل. كل ما كان من صخب اجتماعيات الموت يصمت وينزوي.

كل الطقوس تغيب وكأنها كانت ضرباً من الأساطير والأكاذيب العابرة، فقط هي الوحدة تسحق الموجوعين لوحدهم، فقط هو ليل يتلوه نهار من الحجر الصحي الإجباري يشرب من دمهم، ودموعهم، ويحرض عليهم أصوات أنينهم، ونزول قطرات حزنهم التي لا تنضب.

كنا في غض الشباب، أو شباب يافعين ببداية العشرينيات، طلابًا كنا وطالبات ندرس بعاصمة الثلج. وكنت وناصر الطيب المك من معهد السينما بعض أصدقاء مقربين لعلاء، وربما كان هنالك علي حمدان، وبشرى الفاضل، ومحمد عوض كبلو، وأبوذكرى، وبدوي محمد الأمين، والدرديري إسماعيل.

كنت أنا وعلاء الدين نلوذ أحياناً ونتشارك في سكن مشترك عند اشتداد الغربة وعلو نبرتها، وتعاظم وعورتها حين تحاصرنا الحيرة بسياجها العصي على الكسر والانكسار بفصل الشتاء.

أقيم معه لأيام بداخلية معهد سوريكوف للفنون الجميلة، فتمضي أيامنا في متعة مفتوحة من الجلسات، والنقاشات، وتبادل الكتب، والأعمال الفنية، والأدبية.

يزورنا محمد عوض كبلو، فنخرج في أوج سقوط الثلج وتفاقم الصقيع إلى دور السينما أو إلى المعارض التشكيلية، ومعارض التخرج بكليتهم، والمسارح.

وفي الصيف، كنا نسرح في الحدائق وشوارع منتصف المدينة، وأحياناً نتسكع في ساحة الكرملين أو معرض المنتجات السوفيتية القريب من فندق الكوسموس وسكننا الطلابي، مطلقين العنان لأخيلتنا، نحلم بغد مغاير لسودان خال من عراقيل الطيران، وموانع الإقلاع للأفكار الإبداعية المزدحمة بها رؤوسنا وقتها كانت.

علاء كان يعرف الحياة كظاهرة تشكيلية مثله مثل أستاذه وأستاذنا عبد الله بولا الذي أحبه وبادله حباً بحب، منذ أن تتلمذ علاء على يد بولا بكلية الفنون الجميلة، أصبح واحداً من دائرة تلامذته التاريخيين كحسن موسى، وهاشم محمد صالح، وبشرى الفاضل، والنور حمد، وصديق أثير له.

كانت لواقعة فصل علاء الدين الجزولي وهاشم محمد صالح من كلية الفنون أثرها المباشر لكتابة بولا مقالاته ذائعة الصيت، والتي نشرت باسم مصرع الإنسان الممتاز – بصفحة الفن التي كان يحررها حسن موسى بصحيفة (الأيام). عبر بولا عن جم غضبه النقدي الفلسفي باكراً لمؤسسات التعليم النظامية العليا، وكمون النظرة الإعاقية في مناهجها ورؤيتها للإنسان.

أذاق بولا في تلك المقالات (التي تحولت إلى كتاب فيما بعد) الأكاديميا السودانية نقداً لاذعاً في تساوي موقفها مع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية ذات الغرض في عدم تبصير البشر بسعة قدراتهم وعمق تجاربهم وقدراتهم الخلاقة القابلة للمزيد من التفجير والقادرة على بناء واقع جديد مختلف.

فالمعايير التي اتخذتها المؤسسة النظامية العليا لتعريف الطلاب الناجحين المرضي عنهم، لم تخرج من تعريف الطلاب والطالبات (الموهوبين بنظرها) خارج قدرة النقل البصرى الإيضاحي للمرئيات والواقع، دون إضافة رؤيتهم الخاصة له، وتسجيل زوايا نظر جديدة، وبصمات خاصة بهم.

التقيته في أواخر السبعينيات بمنزل بولا، خرجنا في ذلك اليوم مساء؛ بولا وبشرى وحسن وعلاء، وعلى ما أظن الماحي وشخصي، كمجموعة نقصد منزل محجوب شريف بأمدرمان الثورة بمناسبة زواجه من أميرة الجزولي يومها. أذكر في تلك الليلة كان من المتوقع أن يغني وردي في الحفل. وقد راجت تلك الأيام أغنية “جميلة ومستحيلة” التي قفز بها وردي مراحل من الإبداع الموسيقي.

أذكر أننا قبل وصولنا المناسبة توقفنا نتبادل التعارف والأنس، ونحن جميعنا في الطريق إلى الحفل بالمحطة الوسطى بأمدرمان، التي كانت تزخر بالحياة والبشر وقتها.

وصلنا بيت المناسبة، وفوجئنا بأن وردي لن يغني بسبب آلام في حنجرته إثر اعتداء تم قبل أيام من جهاز أمن نميري. توالت بعدها مقابلاتنا وكنت لا أزال طالباً بمدرسة بحري الثانوية الحكومية العليا، وأساهم مع أصدقاء بولا في شتى النشاطات، وكانت لا فروق سنية بيني وبينهم، مما أعطاني ثقة أكثر بالنفس وإحساساً بالمساواة معهم.

غادر بعدها بفترة علاء في بعثة للاتحاد السوفيتي (سابقاً)، ولحقت به بعد عدة أعوام، التقينا وناقشته وناقشني (وكنت قد جئت لمؤتمر الطلاب السودانين بمدينة لينينغراد) عن التخصص الذي أفضل دراسته، وأخبرته عن رغبتي في دراسة السينما بوصفها جماع التعبير التشكيلي الذي اهتممنا به معاً، وكان أن حضرت إلى موسكو بعد عام من دراسة اللغة بمدينة كيشنيوف القريبة من رومانيا، وقيل إنها كانت جزءاً منها قبل الحرب العالمية الثانية.

عندما حضرت إلى موسكو لتقديم اختبارات القدرات لمعهد السينما، كنت أسكن مع علاء الدين في داخليات معهد الفنون الجميلة، ونعيش حياة ثقافية واجتماعية عرفتني تدريجياً بموسكو ومجتمع الطلاب والطالبات السودانيين، عبر اشتراكي كشاعر أيضاً في مناسباتهم من أعياد وطنية وأنشطة سياسية وغيرها.

قلت إن علاء كان شخصية هادئة وساخرة، تجده يعرف الناس ويقرأهم بنحو نادراً أن تجده عند الآخرين، وكأن بعقله كشاف خاص يراهم به دون بقية البشر. كان بالطبع رساماً باهراً محباً لمجاله، ومطوراً لقدراته. وكان كاتب مقال لا يشق له غبار، وقاصاً مجيداً للقص والسرد، وإن كان غير مكثر في إنتاجه القصصي، لكنه يظهر ويتبدى لقارئه كصاحب نظرات خاصة وفريدة الزوايا.

كنت لا أتعب من صحبة علاء وسخريته ونوادره العجيبة الغريبة، حتى إذا ما أسرني ذات يوم في النصف الأول من الثمانينيات على ما أذكر بنيته للزواج من شلبية الصاوي، صديقتنا وزميلتنا بالدراسة بموسكو، وكنا على واجهة إجازة سنوية سأعود فيها إلى السودان، وتعود كذلك شلبية (شوشو).

طلب مني أن أذهب لوالده ووالدته وأخوه مختار لإخبارهم بنيته ورغبته والتقدم معهم لطلب يدها. نزلنا وشوشو من موسكو عن طريق القاهرة ومكثنا ليومين وغادرنا لتحقيق الهدف.

كل شيء أذكر إنه سار على ما يرام وفوق المتوقع أحياناً. حتى إذا ما جاء يوم عقد الزواج ومراسيمه بالموردة بحوش واسع كبير. وكان الأصدقاء المشتركون سباقين في تلبية المتطلبات بما فيها توفير الفنانين والعازفين، ويا لها من مشاعر كانت يومها بالانتصار.

لبست شوشو فستان الزفاف الأبيض ورقصنا وأهلها وصديقاتها وجيرانهم. وما هي إلا أيام حتى عدنا وهو يستقبلنا فرحاً سعيداً كان غير مصدق لما جرى بمطار شيرميتفا ٢.

سلمته الأمانة بفستان الزفاف، وتوالت الاحتفالات بعدها بمجتمع الطلاب والطالبات والمبعوثين والمبعوثات، ومضت الأيام، وأنجب علاء وشوشو ابنهما البكر سامي، وتوالت الزهرات: سالي، وهبة، ومي، والصاوي، ومازن. وتحرك دولاب الحياة، وتزوجت فكانا بقربي، وسافرنا، وعشنا أعواماً في ليبيا، أذهب كل ما حانت الفرصة لي من بنغازي لزيارتهم وبولا وأسرته بسبها.

عدنا نتواصل ونزور بعضنا البعض، ونتابع مراقبة العيال التي كبرت حتى إذا ما تزوجت ابنتهما واحتفل الجميع بذلك، وجاء دور زواج ابنتي فكانا بقربي. اليوم يذهب علاء ذهاباً أبدياً، وأتحدث قبل قليل مع شوشو وسامي والصاوى ومي، وأجدهم في مركز الصدمة لوحدهم، ولا صوت لبكاء أهل أو حركة جيران. وجدتهم في مواجهة ليل بهيم ووحدة صادمة، يحاولون تصديق ما حدث من غياب مفاجئ وصادم، ولكن.

يا لها من قسوة فعلاً وغرابة فادحة

من كان يتصور، ومن بمقدوره أن يحتمل زماناً يطحن كهذا، ويجردنا بعنف وعنوة من أعز الأعزاء، وأجمل ما نملك أحياناً من أصدقاء لم نحسن وداعهم، ونستحي أن نقابلهم فيما بعد منزوعين من الأسباب الوجيهة المقنعة بعدم الوداع كما كان ينبغي، من كان يتخيل؟! كنت أراه بعيداً، ولكنني اليوم بكيت أكثر مما بكيت في أي يوم آخر بحياتي، وما كنت أدري أو أدرك أنه سيحل هكذا مباغتاً ولادغاً دون إنذار مبكر أو نظرة شريرة، ليتها كانت عن بعد.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *