
6 أبريل .. عندما تحولت الذكرى إلى ملحمة أخرى
تقرير – إيمان فضل السيد
“موجهات موكب السودان الوطن الواحد السبت 6 أبريل 2019 الســـ1ـــاعة ظهراً بتوقيت الثورة في العاصمة القومية”.
“يكون الحشد أوَّلُه في القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة وآخره في نقطة تجمع جاكسون، كما سيكون هناك حشود للثوار من شارع الجمهورية إلى القيادة”.
بهذا التعبير استهلت قوى الحرية والتغيير بيانها إلى جماهير الشعب الثائرة في يوم الجمعة الخامس من أبريل، كآخر وصية لأجل مليونية الشعب المرتقبة، التي لم تكن مجرد مليونية، بل كانت عِقد مليونيات انتظم على جيد الوطن، عندما هب الشعب مستلهماً ذكرى ثورة أبريل المجيدة ليصنع من خميرة الذكرى ميلاد ملحمة أخرى أشد نضجاً وأكثر عمقاً وثورية.
الدعوات التي انتظمت البلاد مبشرةً وداعيةً للمشاركة في مليونية 6 أبريل شكلت ملحمة في حد ذاتها، إذ شهدت شوارع السودان ومواقع التواصل الاجتماعي فنوناً متنوعةً ومتجددةً في أساليب التحشيد وشحذ الهمم، أعطت مؤشراً واضحاً بأن 6 أبريل ستكون قاصمة الظهر للنظام المباد.
كانت الجمعة 5 أبريل لساناً واحداً وصوتاً واحداً وضميراً واحداً لشعب نذر نفسه لدعوات المشاركة في موكب 6 أبريل، إذ تواصلت الحملات الإعلانية بكثافة، وتزينت كل جدران المنازل والشوارع في العاصمة والولايات بـ “هاشتاق” الدعوة لموكب الغد.
اعتلى الإمام الراحل، الصادق المهدي، رحمه الله، المنبر في خطبة الجمعة بمسجد السيد عبد الرحمن بودنوباوي، مطالباً النظام بالتنحي، والجيش بحماية موكب 6 أبريل. كما طالب جموع الشعب السوداني بالمشاركة في المليونية، وكانت خطبته ملهمة للمصلين الذين كانت أعدادهم ضخمة، ليهبوا عقب الصلاة في مظاهرة عظيمة، رددت الحناجر فيها هتافاً واحداً: (حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب).
وبطبيعة الحال، تم قمعها بقوة من قبل قوات النظام المباد بالبمبان والرصاص المطاطي؛ مما تسبب في عدد من الإصابات بين المتظاهرين. ولم يكن ذلك الموكب الوحيد الذي خرج عقب صلاة الجمعة معلناً ومروجاً للمليونية، فقد انطلقت جموع المصلين من مسجد المنارة بود البخيت، ومن مسجد الأدارسة بالثورة الحارة الخامسة. وكان لخطبة الشيخ بدر الدين الخليفة، إمام المسجد العتيق بالعيلفون يوم الجمعة 5 أبريل، صدى واسع بين جماهير الشعب، إذ طالب النظام بتحقيق مطالب الشباب، كما حث الناس على الخروج في موكب 6 أبريل المركزي.
وفي خشم القربة، حيث موطن الشهيد الأستاذ أحمد الخير بمحلية كسلا، انطلق موكب ضخم عقب صلاة الجمعة، شارك فيه جل سكان المدينة. وخرجت مواكب شبيهة في كل من السامراب بمحلية بحري وبري والصحافة بمحلية الخرطوم.
الكثير من الصفحات على (فيس بوك) كانت قد نذرت نفسها للثورة، بل وأعلنت التنسيق فيما بينها لنقل تفاصيل الحدث المليوني في بث حي ومباشر. ونذكر على سيل المثال صفحة صوت الشارع التي كانت من الصفحات الرائدة في التحشيد والترويج للمواكب والمليونيات باستخدام شتى الفنون، البصري منها والمسموع والمقروء.
وهذا بعض ما جاء على صفحتها من دعوات للمليونية:
“مليونية 6 أبريل هي رفع لوتيرة الحراك الذي ولد في 19 ديسمبر، هي تثوير للخلايا المجتمعية الساكنة التي آثرت الحياد، لتنضم إلى ركب الثورة. مليونية 6 أبريل هي إكرام لأرواح الشهداء الذين رووا الأرض بدمائهم الزكية من أجل الحرية، من أجل أمهات الشهداء اللائي يقاسين الأمرين بفقدان فلذات أكبادهن، من أجل البيوت التي انتُهكت حرماتها باسم الدين وقانون الطوارئ، من أجل المصابين الذين واجهوا الرصاص الحي والبمبان، والاعتقال والتنكيل”.
“مليوينة 6 أبريل من أجل القابعين في سجون النظام الظلامي، من أجل الذين قاسوا مرارة الحرب والتصفيات العرقية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، من أجل ثروات البلاد التي نُهبت، من أجل المرضى الذين حرمهم نظام الإنقاذ الظالم من مجانية العلاج، من أجل جميع أبناء وبنات بلادي الذين حُرموا من مجانية التعليم، من أجل الأطفال المحرومين من الحليب والتطعيم. مليونية 6 أبريل من أجلي وأجلك، وأجلنا جميعاً، فلنخرج إذن، لننجز حلماً تأخر تأخر”.
وهذا مجرد نموذج واحد لملايين المنشورات في ملايين الصفحات التي كانت تصب في الترويج للموكب المليوني العظيم. ولم يخلُ مهرجان الترويج للموكب من القصاصات تم توزيعها في الأسواق والأحياء وداخل المنازل تدعو المواطنين إلى المشاركة في مليونية 6 أبريل.
شعب السودان بعبقريته الفذة استطاع تحويل شهر أبريل من شهر الأكاذيب إلى شهر الحقيقة البحتة، بانتصار ثورته العظيمة وسموها إلى أعلى درجات الكمال الثوري في ربيع السودان، أبريل.

