‫الرئيسية‬ تحقيقات ‎عامان على السادس من أبريل .. مسار الثورة والتغيير بعيون لجان المقاومة
تحقيقات - 7 أبريل 2021

‎عامان على السادس من أبريل .. مسار الثورة والتغيير بعيون لجان المقاومة

استطلاع – ويني عمر

كانت لحظة السادس من أبريل، لحظة حاسمة في مسار ثورة ديسمبر المجيدة، الجماهير التي واجهت عنف النظام ورصاصه وملاحقات رجال أمنه، حتى وصلت إلى مقر القيادة العامة بوسط الخرطوم. لحظة فتحت مساراً انتقل بالثورة من المواكب والتظاهرات اليومية لاحتلال مساحة أقرب للسلطة، مثلت ثِقلاً جديداً للتفاوضل على شروط الوضع الجديد وعلى مجمل مسار الثورة.

بعد عامين من هذا الحدث الكبير، ما الذي حدث حتى الآن؟

كيف مضى مسار الثورة؟

كيف تفكر القوى الثورية في حالة الانتقال الآن؟

ما الذي يريدونه؟

وكيف يفكرون في المقاومة السياسية؟

تبادلت هذه التساؤلات مع عدد من أعضاء وعضوات لجان المقاومة، القوى التي لعبت الدور الأبرز طوال مسار ثورة ديسمبر، وكانت هذه هي أفكارهم وشهاداتهم على مسار الثورة والانتقال.

محمد الطيب “جاستر”، لجان مقاومة المعمورة، الخرطوم، قال: “عندما احتشدت جماهير المقاومة الشعبية في السادس من أبريل لتقيم اعتصامها الباسل أمام ساحات القيادة العامة، كانت تطمح لإحداث تغييرات جذرية/نوعية في طاقم وسياسات الحكم، وهو ما تبدى جلياً في مقاومتها لكل أشكال الالتفاف من المجلس العسكري والتسويات المنقوصة التي طرحتها قوى الحرية والتغيير خلال فترة الاعتصام. لعلنا في غنى عن الإشارة إلى أن ما تحقق منذ ذلك الحين إلى هذه اللحظة أدنى من مستوى الطموحات، إن لم يكن مجافياً لها تماماً، فكل الذي حدث لا يعدو كونه عملية تغيير في المواقع والخطابات داخل نفس المنظومة، مع الحفاظ على بنية الدولة ومؤسساتها وسياسات الحكم فيها كما هي.

أضاف: “في الحقيقة لم أكن أعول كثيراً على قوى الحرية والتغيير في إنجاز مطلوبات الثورة نظراً لانفصالها الواضح والمعلوم بالضرورة عن القاعدة الاجتماعية الواسعة التي شاركت في الثورة، وعدم ارتباط مصالح قيادتها غير الثورية في أغلبها بمصالح هذه القاعدة، كذلك تجمع المهنيين الذي تبدى في ذلك الحين ارتباطه الوثيق بالطبقة السياسية وانفصاله عن قوى المقاومة وقاعدتها الاجتماعية التي استجابت لنداءاته. التعويل كان ولا يزال على قوى المقاومة الشعبية في الدفع بأجندة ومصالح القاعدة الاجتماعية التي التفت حولها لتغيير المعادلة السياسية القائمة”.

واصل: “الفراغ السياسي لدى قوى المقاومة الذي خلفه التدمير الممنهج لرمزية تجمع المهنيين، وامتداد اعتمادها على أدوات الحشد والاحتجاج بصورة حصرية، جعل من مردود حركتها وأثرها السياسي محدودين للغاية في ظل تغير بيئة الصراع ما بعد تشكل الحكومة الانتقالية، ودخول لاعبين سياسيين جدد بأوزان مختلفة للمعادلة السياسية. تجربة المقاومة الشعبية المنظمة رغم مشاركتها الواسعة والممتدة في حراك ديسمبر الثوري وما بعده لا تزال قيد التخلق، وتعد بالكثير لواقع ارتباطها بالتحولات الاجتماعية المستمرة، التي كانت أحد العوامل الأساسية التي قادت إلى تفجر الثورة. يمكن القول إن التغيير المحتمل في المعادلة السياسية الحالية يعتمد على انخراط قوى المقاومة في حراك تنظيمي، يمكنها من تشكيل مرجعياتها السياسية والتنظيمية المستقلة التي تسمح لها بإنتاج خطابها السياسي والاجتماعي، والدفع بأجندات ومصالح مجتمعاتها في المعادلة السياسية لتعزيز عمليات التحول الديموقراطي المختلفة وصولاً للمشاركة الفاعلة في صناعة الدستور الدائم للبلاد بنهاية الفترة الانتقالية”.

عبد الإله موسى محمد – لجان مقاومة حي الكرانك، الفاشر قال: “لم يحدث أي تقدم في اتجاه المطالب الثورية. وصل الحراك الثوري إلى قمة ذروته في أبريل، والفعل الثوري والقيمي وصل في قمته في أبريل، ومن ثم صار يتناقص، لأن إسقاط النظام قد حدث، ومن ثم بدأ التساؤل عن الوجهة. وبرز سؤال، إلى أين تمضي الثورة؟ كان هذا السؤال الذي يواجهنا. لم تكن هناك أفكار منظمة في اتجاه البناء، فأصبحث الثورة مجرد فكرة عامة، تعبر عن تصور أفراد، أو كادر حزبي، لكن لم يتشكل هذا التصور الجماعي عن مسار الثورة لدى لجان المقاومة ليقوموا بالتالي بتشكيل مقاومة سياسية، وهذا ما جعلها بالتالي في حالة من التراجع. من بعد 6 أبريل كان أكبر الأحداث بعد سقوط النظام، هو موكب 30 يونيو الذي غير المعادلة السياسية وفرض الوجود المدني بعد المحاولة الانقلابية في يونيو”.

أضاف: “ما تغير هو في حدود إسقاط النظام القديم، أما في إطار البناء، فلم توجد أي إجابات لسؤال: ما الذي يجب أن يحدث بعد السقوط. لذلك بدأت الصراعات، واعتقدت مجموعات مختلفة أن ما يتصورونه هو التغيير الثوري. خرجت اللجان من دائرة الفعل الثوري، لدائرة رد الفعل، لسد الفراغ الإداري، بعد سقوط نظام الإنقاذ، وتجاذبتهم الأدوار المختلفة، ما بين المسؤوليات تجاه الأسر وتجاه أحيائهم، والانخراط في المشكلات السياسية، وممانعة الردة للنظام السابق والثورة المضادة، الأمر الذي جعلهم يعملون داخل هذا الإطار.
في ذات الوقت، واصلت المكونات السياسية في عملية تفريغ الفعل الثوري من أدواره، ليتحول همه للمشكلات والتعقيدات اليومية التي تحدث في الأحياء. ومن ثم طُرحت فكرة لجان الخدمات والتغيير، وهذا اتجاه لتغريق حقيقي للكتلة الثورية من دورها وتغيير لأدوار من هم صمام الأمان الحقيقي لهذه الثورة، تواصلت الأمور في هذا الاتجاه، لكن هنالك ممانعة قوية لهذا التفريغ ومحاولة سد الفراغ الإداري الذي سببه غياب اللجان الشعبية في الأحياء. لجان المقاومة يجب أن يكون لها دورها في فرض أجندة الثورة والتحول الديمقراطي وفي بناء المجتمع المدني. وهنا تكمن معاناة كبيرة، معاناة ما بين وجود رؤية سياسية يتم فرضها وأجندة ثورية، وما بين الواقع الذي يتم بالشتات، حيث يرى كثيرون أن دور اللجان يجب أن ينتهي، ويجب أن نترك الساحة للعمل السياسي وللسياسيين”.

أضاف: “في هذه الحالة، لا ضامن سوى حسن الظن، أن نُحسن الظن في أن المكونات السياسية ستقوم بدورها. بالرغم من أن الواقع يقول إن الأحزاب السياسية غير مهمومة بتصوراتنا الثورية، بل هي مهتمة ببناء خطها الحزبي. فبدلاً عن دعمها للكتل الثورية ولأجندة التغيير ودعم هذه الكتل في اتجاه فعلها في الفضاء السياسي، لكن نرى انشغالهم بمشكلات تضرب في ثوريتهم، ورأينا من بعد ذلك خروج مواكب تهتف ضد هذه المكونات السياسية، مواكب يتم ضربها بالبمبان وقمعها، وبالتالي فحسن الظن لا يقود لأي مكان.
الذي تغير هو المجالات التي استطعنا أن نكون فاعلين فيها، أما الذي لم يتغير فهو أن لجان المقاومة قد توقف فعلها الثوري بشكل كبير. لا يمكن لأي شخص أن يدعي أن ما يحدث الآن هو في اتجاه المسار الثوري، أو أن الثورة قد حققت أهدافها، ونرى جميعاً الفعل الثوري.
حتى تتحول هذه الدولة وطبيعتها، وندرك اختلافاً حتى الطريقة التي تعامل بها الثوار مع الثورة، مقارنة بالثورات السابقة. ما نخاف من حدوثه هو الاتجاه الذي تسير فيه هذه الكتلة الثورية، في اتجاه الاضمحلال، وهناك حالة من اليأس، لأنه لا تغيير حقيقي يحدث على الأرض ولا تقدم في اتجاه إعادة بناء الكتلة الثورية هذه، في محاولة لأن تستعيد حماسها مجدداً وتعود لفضاء العمل السياسي. فسنكون أمام إعادة للتاريخ، باضمحلال الكتلة الثورية، ومن ثم ظهور بدائل قد تكون ذات توجهات إثنية أو قبائلية لتعيد طرح أسئلة القبيلة والدين، بتشتت الفضاء السياسي عن أهدافه، بخطابات لا تخدم التغيير في شيء، ولا تقود لأي تحول ديمقراطي أو استقرار سياسي. وهذا هو الخوف، أن التاريخ لم يتغير، ويبدو أننا نسير في مسار إعادة التاريخ”.

تابع: “هنالك أمل في إعادة اصطفاف للكتلة الثورية، تتجاوز عبره الخطاب السائد حالياً، وأن نتجه نحو البناء ونحو فهم جديد لدورنا، وتعزيز وجودنا السياسي كذلك، والتفكير في الشرعية الانتخابية، وفهم للسياقات والأدوار القادمة كذلك. هنالك اتجاه نحو هذا الانتظام، وأن تتغير طبيعة العلاقات التي تربط هذه المجموعات مع بعضها البعض، لتعيد تعريف الثورة نفسها. وتعريف أدوارها، هذه العملية تمضي ببطء، لكن نعلق عليها كل آمالها. خلافاً لذلك سنكون مفتوحين على خيارات كإعادة التاريخ والاتجاه نحو حرب أهلية أو نحو استمرارية الوضع الراهن”.

يسرا حسن النيل أحمد – عضو لجان مقاومة، الأبيض، شمال كردفان قالت: “6 أبريل كانت فجراً لأحلامنا، وكانأعظم انتصارات الثورة، كان حدثاً مختلفاً، وكان حصيلة لكل المطالب، وحصلية لكل المظالم. كان الشعب كله في الشارع. ما بعد 6 أبريل واقتحام الشعب لمحيط القيادة، رأينا الوطن الذي نريده، والذي حُرمنا منه، التشارك المجتمعي الذي عشناه والقوافل وحالة التضامن التي تشكلت وقتها. تركيز الحكومة الانتقالية في العمل على حلحلة مشكلات الخارج، وعلى متابعة عملية التفاوض مع الحركات المسلحة. لكن حتى الآن لم تنجح الحكومة الانتقالية في وضع خطط عملية لإدارة الدولة، فالمأزق الاقتصادي الذي نواجهه الآن، والذي يتفاقم كل يوم، يدل على غياب أي خطة بخصوص إدارة الاقتصاد، وكذلك الكارثة الصحية.

داخلياً، الأوضاع في تدهور مستمر، هنالك غياب لقراءة سليمة للأوضاع وحلحلة الأزمات، بعكس الطريقة التي أدارت بها الحكومة الانتقالية ملف العلاقات الدولية، من حيث السرعة والاتفاق على رؤية واحدة. صاحبت تخبط الوضع في الداخل، حالة من الإحلال والإبدال للوزراء، مسألة لم تكن مبررة. وفي نفس الوقت، الشارع يعاني من حالة من الضيق الاقتصادي، يستحق الشعب أن يعيش في رخاء بلا مزيد من الجوع والأزمات، ما كان هذا ليحدث لو كانت هنالك خطة عمل متفق عليها لإدارة الفترة الانتقالية. حالة المحاصصات التي لازمت عمليات تشكيل الحكومة في كل مرة، كانت مخيبة للآمال أيضاً، مواكب 30 يونيو العام السابق أرسلت رسائل قوية حول موقف الشعب من طريقة عمل الحكومة، وعدم رضانا عن المسار حتى الآن.

إهمال الشباب ومشاركة الشعب هي من الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة، مثلاً، المذكرات التي قُدمت تعبيراً عن رفضنا للطريقة التي تم بها اختيار الولاة. قوى الحرية والتغيير لم تلقِ بالاً لمطالب القواعد، وهذا يذكرنا بنفس الطريقة القديمة، أن تكون قلة قليلة مسؤولة عن اتخاذ القرارات، ولا تتم استشارة الشباب وقوى لجان المقاومة حول هذه القضايا”.

أضافت: “هنالك استهداف للجان المقاومة، اعتقالات وقضايا كيدية واجهتهم في مختلف أنحاء السودان، قُدم عدد منهم لجلسات محاكمة مطولّة، فبالتالي لم تتغير الأوضاع بالنسبة لنا كلجان مقاومة. الأحزاب تحاول تمكين نفسها، لم تعمل من أجل المصلحة العامة، متجاهلين هذه المصلحة العامة لصالح المحاصصات وتوزيع الكراسي والعمل بشكل أشبه بحملات انتخابية.

محاولات السودانيين والسودانيات لتنظيم أنفسهم، وهنالك مستوى وعي جماعي أكبر، وثقافة المطالبة والاحتجاج التي انتشرت في كل مكان، بعكس الوضع السابق، حيث كانت الكتلة الأعظم متفرجة وصامتة، أصبحنا مشاركين ولنا صوت. بالرغم من ذلك، هنالك عراقيل كثيرة توضع في وجهة القوى الثورية، وهنالك محاولة حثيثة لتمرير أهداف وأجندة حزبية عليها. وأُهملت في نفس الوقت قضايا الشهداء والمفقودين والجرحى والمصابين، وتركت هذه القضايا للتضامن والحِراك الشعبي ومجهوداته. ملف العدالة الذي غاب، بالرغم من معرفتنا جميعاً بالمتهمين في جريمة فض الاعتصام. الممارسات الآن تقود لتشكيل ديكتاتورية قادمة، وهذا وضع لن نقبل به”.

واصلت: “المخرج يتمثل في توسيع المشاركة السياسية، مزيد من الأصوات الثورية في المجالس التشريعية وفي المشاركة في العمليات السياسية، وفتح نقاشات حول مستقبل الانتقال الديمقراطي.
ما تلمسناه هو أنه يجب أن نكون أكثر قرباً من السلطة السياسية، وأن تتشكل أجسام رقابية، تراقب بشكل لصيق أداء الحكومة والأجهزة التنفيذية، ومشاركتهم في عمل وتشكيل المفوضيات المختلفة، بالذات مفوضية السلام، وتوزيع الأدوار بعدالة، بعيداً عن هيمنة المركز والسلطة المركزية”.

أحمد بشير منزول – ناشط سياسي وعضو لجنة مقاومة بأمبدة، قال: “كثير من التحليلات تقول إن الثورة انحرفت عن مسارها بعد تشكيل حكومة الفترة الانتقالية. أحلام الشباب/ات الذين خرجوا من أجل الحرية والسلام والعدالة تصادمت مع مصالح قوى محافظة أو غير ثورية تعمل على إعاقة التغيير؛ قوى محمية بأجهزة عسكرية وأمنية ومليشيات، قوى تعمل على المحافظة على الأوضاع والامتيازات التي كان يوفرها نظام البشير . أكثر ما يعيق التغيير هو تحالف المال مع السلطة واستخدام مؤسسات وأجهزة الدولة للتكسب المادي”.

أضافت: “في الوضع الراهن ما زال هنالك تعتيم على المعلومات وتفشٍ لظاهرة التسريبات، أي إننا لا نعلم شيئاً عن ماهية عمل الحكومة، برامج عملها والاتفاقات التي تجريها باسم الشعب. أرهقت لجان المقاومة نفسها بكثير من المواكب والاحتجاجات والبيانات مطالبة بالعدالة لضحايا مجزرة القيادة، ولم تلق أي استجابة تذكر من قبل السلطات. الآن، ابتعد كثير من لجان المقاومة عن المشهد والحراك السياسي، خاصة لجان الأحياء الفقيرة، نسبة للأوضاع الاقتصادية المتردية”.

أبو ذر داؤود حسين – تنسيقية لجان المقاومة بكادوقلي، جنوب كردفان، قال: “السادس من أبريل ٢٠١٩ كان الأنفاس الأخيرة لنظام الجبهة الإسلامية المتجبر، لأن النظام فقد خاصيته البتميز بيها، اللهي العنف والبطش، وذلك بسبب تدفق الثوار وعنفوانهم وسلميتهم، الآن تمر علينا الذكرى التانية لمليونية ٦ أبريل التي صنعت الاعتصام الجميل وهزمت أسوأ نظام لحكم الدولة السودانية، وكان الشعار الرئيسي للحراك الشعبي حرية سلام وعدالة. تمر علينا بعد سنتين ولم يتحقق من الشعار إلا القليل جداً، ملف العدالة صفر كبير، حيث لا يزال البشير وعناصر نظامه الذين ارتكبوا الفظائع في حق الشعب السوداني، يحاكمون بحفنة دولارات زعمت الحكومة أنها ضبطته بها لحظة السقوط، وهو يتاجر بها، وحكمت عليه بالسجن لمدة سنتين، الآن قضى منها ما يزيد من النصف، وبعدها سيطلق صراحه، وعناصر نظامه المجرمون الآخرون نشاهدهم في جلسات محاكمة انقلاب ٣٠/٦/١٩٨٩ يحضرون إلى الجلسات بأبهى هندامهم وعطورهم الباريسية الفواحة، في مسرحية تافهة جداً مستفزة لمشاعر الشهداء وأسرهم ورفاقهم.. قضايا فساد ملف البترول وملف فصل الجنوب وغيرها لم تفتح بعد، والانتهاكات التي تمت في جبال النوبة ودارفور لم يحرك فيها شيء، كذلك ملف السلام حتى الآن لم يوقع سلام حقيقي يعالج الأسباب التاريخية للنزاع، حيث وقع سلام جوبا وحتى تاريخ كتابة هذا الموضوع لا تزال دارفور وبالأخص الجنينة تشهد نزيف الدماء التي أصبحت رخيصة لأبعد الحدود، فلذلك رغم ما تم من اتفاق سلام، ولكن حتى الآن لم نتحسس السلام العادل الشامل المستدام. أما قضايا الحريات نوعاً ما فيها تقدم طفيف، أما الواقع المعيشي  فمترد جداً، مرتب الشهر لا يسد احتياجات يومين في الشهر، أضف لذلك تحرير سعر الوقود والدقيق والكهرباء والدواء، فأصبح المواطن يعاني من سياسات الدولة والحكومة ومغلوب على أمره، كل تلك المسببات والعوامل تجعل من مسألة خروج الشعب السوداني في مظاهرات تدعو للخروج على السلطة الانتقالية في ذكرى ٦ أبريل ٢٠٢١، أمر موضوعي جداً”.

أضاف: “الجميل في الأمر هو أن هناك كثيراً من اللجان تعمل الآن على مستوى قاعدي أكبر، وتدرب عضويتها على كيفية عمل أجهزة الدولة وإدارة الحكم المحلي والبرلمان. أتمنى لو انتبهت كل اللجان لأهمية هذا الأمر ووضعته ضمن برامج عملها وخططها. اليوم بعد مرور سنتين على 6 أبريل، نحتاج إلى أن نركز جهودنا أكثر على تفتيت السلطات وإنزال السلطة مجدداً للشعب، لإدارة شؤوننا العامة والمشاركة في صنع القرارات”.

عفراء عبد الحميد – ناشطة في العمل الطوعي، عضو لجنة مقاومة بالعيلفون، قالت: “كان تصورنا في مرحلة الثورة في الشارع مرتبطاً بأن مشكلتنا الوحيدة هي نظام الإنقاذ والكيزان، ورأينا في الاعتصام والعالم الذي بنيناه داخله، بأنه الوطن الذي سنبنبه أيضاً. لم يكن لدينا الإدراك الكافي بطبيعة المشكلات والتعقيدات التي تحيط بنا وبعمق وتاريخية هذه المشكلات. أرى أن “متلازمة الزول” هي جزء من الأزمة أيضاً، أرى أن تكرار المشكلات السياسية له علاقة بحالة الفساد السياسي والإداري الذي تصالحنا معه، المشكلة صارت بالنسبة لي لا تتعلق بطريقة تفكير الأحزاب السياسية في التغيير، بل بطريقتنا كأفراد تجاه المسؤوليات التي بين يدينا”.

أضافت: “ما يحدث الآن أيضاً أننا ننضج ونتعلم أكثر، حين بدأنا في تكوين لجان الخدمات والتغيير، لم تكن هنالك مشاركة أو حماس لها على الإطلاق، وواجهنا مصاعب كثيرة في تشكيل لجان الخدمات والتغيير في بداياتها، الآن صارت المشاركة كبيرة، وصاروا يراقبون عمل هذه اللجان، يبدو أن انطباع الناس السابق عن اللجان الشعبية وفسادها وسوء إدارتها لسلطاتها. وكانت سعادتنا كبيرة حينما صاروا يعقدون اجتماعاتهم بدون أي مشاركة منا، ويعقدون انتخاباتهم الدورية. صار لكل هذا معنى. وهذا اتجاه كبير نحو الوعي بالحقوق الديمقراطية.

صرنا نتجه أكثر نحو تحميل الدولة لأدوارها، فبدلاً من أن تقوم منظمات المجتمع المدني بتقديم الدعم الاجتماعي وسد فراغ برامج الحماية الاجتماعية، كما كان يحدث في السابق، صرنا ندفع الدولة في اتجاه القيام بأدوار الحماية وتقديم العون للفقراء، وينخرط المواطنون في ترتيب وتوصيل هذه المساعدات أيضاً. لم نعد نعتمد على المنظمات في تجهيز وتوزيع حقيبة الصائم مثلاً، بل أعدنا هذا الدور لمؤسسات الدولة ولديوان الزكاة مثلاً، وصرنا نسأله عن دوره هذا. وهذا مستوى من ربط المواطن بحقوقه. المحليات أيضاً صارت أعباؤها تحت مسؤوليتها”.

واصلت: “بشكل شخصي، تعلمت عدم الخوف من السياسة. خوفنا السابق من السياسة جعل آخرين يتحدثون باسمنا، ويدعون تمثيلنا، بل يجب علينا أن نمارس العمل السياسي، وأن يكون لدينا وعي سياسي بما يحدث حولنا، وأن نكون شركاء في اتخاذ القرار.
اللوم الشديد الذي نواجه به في الشارع، إحباط الناس من مسار التغيير الثورة، أمر مفهوم والمصاعب التي يواجهها السودانيون والسودانيات بشكل يومي، هي واقع لا يمكن إنكاره. ويجب أن نفهم أن اللجان لا يصلح أن يتم توظيفها كذراع تنفيذية، وهذه هي نفس الطريقة التي فكر بها الإنقاذيون أيضاً، خلق ذراع تنفيذية خارج الدولة، وخارج السيستم أيضاً، فبدلاً من أن تكون المحليات ولجان الخدمات المنتخبة هي الذراع الرسمية للتنفيذ والرقابة، تمت مقاومة هذه الفكرة، ليكون هنالك جسم أشبه بالدفاع الشعبي، في يدها صلاحيات وسلطات كبيرة، لكن لا يمكن ممارسة أي رقابة أو محاسبة عليهم. يبدو أن جميع السياسيين في السودان يقرأون من نفس الكتاب. الحل لا يتمثل في استبدال الأفراد، الحل بكل تأكيد يتمثل في بناء نظام جديد يعمل على تفكيك كل الأزمات التي ورثناها، وبناء الدولة من جديد”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *