‫الرئيسية‬ مقالات السادس من أبريل يوم الوصول إلى القيادة .. «خوف، ترقب، وتحدٍّ»
مقالات - 8 أبريل 2021

السادس من أبريل يوم الوصول إلى القيادة .. «خوف، ترقب، وتحدٍّ»

إدريس عبد الله

لا يمكني أن أسرد تفاصيل ذلك اليوم العظيم، وبالطبع لن أكون ملماً بكل تفاصيله، ولكن من أجل تلك اللحظات، يجب أن نوثق ما كنا عليه شهود دون تزييف للحقائق أو نفاق، والدافع وراء ذلك لا يخرج من سياق التوثيق لتجربة عظيمة كان لي شرف أن أكون جزءاً منها، خاصة بعد أن لاحظت البعض يسعى لتشويه وتغيير الحقيقة بداخلها، لذا سأحاول جاهداً أن أسرد ما رأيته وما كنت جزءًا منه.

6/أبريل/2019م

كان اليوم على غير العادة، فقد كنت دائماً ما أستيقظ في وقت متأخر أي قبل ساعتين من الموكب، بعد أن أرتب مع رفاق النضال كل شيء في ساعات متأخرة من الليل. ولكن ليلة السادس من أبريل، اكتملت كل التفاصيل لتسيير المليونية، فقد كان موكب التحدي، ونجاحه يعني الانتصار، وعدم نجاحه يعني انتهاء موجة الثورة. لم أستطع النوم، كنت أقلب أفكاري محاولاً تصور كيف يكون المشهد، وهل سوف نحقق ما نريد، ونصل القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية؟!

بعد كل ذلك المجهود، وأنا أحاول النوم، انتظرت حتى ينفلق الصباح، لكنني انتظرت طويلاً، وأنا أتحرك من مكان إلى آخر، تواصلت مع أفراد كنت أعمل معهم في العيادات الطبية المتحركة للقطاع الصحي للحزب المؤتمر السوداني، باعتباري أحد مسؤولي التأمين، واعتذرت عن القيام بتأمين أي عيادة بسبب تكليف آخر من شبكة الصحافيين السودانيين، هو عملية رصد المناطق حول نقطة الانطلاق ومحيط القيادة العامة للقوات المسلحة.

أشرقت الشمس بإيقاع هادئ وبطيء، خرجت من الشعبية ببحري متجهاً صوب الخرطوم، الشوارع خالية، لا أحد من المدنيين إلا القليل، يسيطر عليها الأمن والأجهزة البوليسية للنظام متلهفة لضرب الثوار، ينظرون إلى المواطنين بسخرية لا تخفى على أحد، ولا تستطيع أن تقول شيئًا خشية الاعتقال ونقص عدد الموكب.

هم يرسمون جداراً بعرباتهم من المؤسسة بحري حتى كبري المك نمر، يجهزون الأسلحة، وآخرون يخاطبهم ضابط يؤكد تفريغ المظاهرات في أسرع وقت ممكن، كنت أسترق السمع، كان قلبي يخفق بسرعة شديدة، ولكن كنت أرد على من يحاول استفزازي بابتسامة تعكس أنني لا أعرف «ما مقصوده» مما يدور، ولا أعرف ما يدور في البلاد.

تحركت من كبري النيل الأزرق إلى الخرطوم، كانت الساعة نحو الثامنة والنصف صباحًا، وحينما وصلت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية كانت خالية من أي بشر، ولا يوجد بها شيء كأنها أرض جراء. ولكن استوقفني ما يدور داخل القيادة العامة من استعدادات على غير العادة، فلم أتردد لحظة في النزول من العربة، وجلست حول أقرب بائعة شاي، طلبت كوب قهوة ذاهباً بنظري للقيادة العامة، غير مهتم بما يدور حولي، وكل الحديث يدور عن المليونية، استمتعت بالقهوة، ولكن سرعان ما اختفت تلك الحركة داخل القيادة وأنا أراقب بتركيز شديد، حتى أفراد الجيش، أصبحت لا أرى أحداً منهم، مما جعلني في حيرة وتراكمت جملة من تساؤلات وتخمينات ولغز لم أستطع حله، أو لم أستطيع فهم ما يجرى، وكان يهاجمني سؤال: هل سيقف الجيش بجانبنا، أم سنكون أكلة شهية لتلك الذئاب المتعطشة؟!

لم أجد أجابة، تحركت فوراً إلى شارع الجرائد في الخرطوم شرق، ووجدت الخرطوم خالية من أي فرد سواء أكان مدنيًا أو عسكريًا، وبينما أنا أتجول في شوارع الخرطوم، عندما وصلت إلى مباني جريدة (التيار) وجدت أفرادًا من الجهاز قربها، كنت على ثقة أنهم لن يقبضوا عليَّ في تلك اللحظة، ولكن رغم ذلك كان لابد أن «أكسر الدش» في يدهم واتجهت نحوهم، وألقيت عليهم التحية سألتهم عن السجل المدني الذي أحفظه كما أحفظ بيتنا، وشكرتهم على الوصف.

بدأت أتجول في شارع بالقرب من نقطة انطلاق موكب الشبكة، ولكن لفتت انتباهي تحركات لدراجات نارية تجوب شوارع الخرطوم، عرفتها من لوحاتها بأنهم عناصر من الجيش، فأجبت في نفسي بكل ثقة عن التساؤل السابق الذي كان بخاطري، أن الجيش عنده خياران الآن: إما أن ننجح ويناصرنا، وإما نفشل ويرتاح منا. لم أحبط قط، تذكرت بيت شعر للشاعر أبو القاسم الشابي كان يردده رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، دائمًا والذي يقول فيه:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة**فلابد أن يستجيب القدر

…….  لابد لليل أن ينجلي  ** ولا بد للقيد أن ينكسر

حدثت نفسي بعدها بضرورة العودة إلى منطقة القيادة العامة، كانت الساعة الحادية عشرة صباحًا، وعندما وصلت قاعة الزبير محمد صالح، وجدت أن الجيش بدأ في الانتشار، ارتاح قلبي قليلًا، ولكن كالعادة ليست هناك ثقة في العساكر، إنما هي لعبة سياسية وضعتهم هنا، لذلك كان أمرًا واقعًا لابد أن نتعامل معه.

عدت عبر شارع الجامعة إلى شارع الجرائد مرة أخرى، وكان من الضروري أن أؤكد معلومة انتشار الجيش حول محيط القيادة، فرفعت تقرير بعدها إلى عضو سكرتارية شبكة الصحافيين السودانيين، علي فارساب، بانتشار الجيش حول القيادة، بينما أنا متحرك بدأت الأجهزة الأمنية تعتقل في الشباب والشابات دون مبررات، وصلت مجدداً مباني صحيفة (التيار)، ورأيت الأجهزة الأمنية تراقب مبنى الصحيفة بشدة، طلبت من فارساب عدم القدوم للصحيفة، ثم تحركت إلى صحيفة (الجريدة)، ووجد عدداً من الزملاء والزميلات هناك، تحدثنا حول تسيير نقطة انطلاق موكب شبكة الصحافيين، وكنا أنا ومحمد الأقرع وماجد القوني، وسيد أحمد.

قال القوني: “لابد أن نصل بهذا الموكب للقيادة ولا يتم تفريغه، هذه مهمتنا”. قبل الزمن المحدد بدقائق بدأ بعض الصحافيين بالهتاف، تحركنا سريعًا حتى نلحق بالموكب، لكن كانت عربات الأجهزة الأمنية أسرع منا، وتم تفريع الموكب، ونحن في المصعد جاءت مجموعة من الصحافيين يحاولون الصعود خوفًا من ضرب الأجهزة الأمنية، وقوة تأثير الغاز المسيل للدموع، تراجعنا خطوات ورتبنا للعودة بعد تحرك موكب الأطباء في مستشفى الأسنان.

خرجنا مجددًا نهتف أمام صحيفة (الأخبار) جوار مكتب الأمن الاقتصادي، وتوجد مجموعة من أفراد الأمن أمام المباني يضحكون بسخرية، وكان الأستاذ حاتم درديري يرد على سخريتهم بهتافات نرددها معه، حتى هذه اللحظة لم تكن لدينا خطة واضحة لعبور هؤلاء الأمنجية، حتى أتى موكب لم أر نهايته يهتف ويهز الأرض، حتى وصل القيادة، بعدها حاولنا تغيير سير الموكب خوفاً على الثوار من هؤلاء الأمنجية وتوجه الموكب إلى شارع السيد عبد الرحمن.

تحدثت مع أحد الشباب قلت له: “هذه مكاتب الأمن الاقتصادي لن يدعونا نمر”. رد علي: “ح يقتلوا كم؟! مائة، مئات، الآلاف، ما فارق ..نمشي بس”. لم أتردد لحظة، سرنا، حتى أصبحنا في مواجهة معهم، ولكنهم لم يواجهونا، بل فتحوا الشارع خوفًا من الموكب الهائل بعد محاولتهم الفاشلة لتخويفنا وإرهابنا.

سرنا حتى وصلنا إلى تقاطع المك نمر مع السيد عبد الرحمن، ووجدنا مجموعة قد وصلت وتدفقت الحشود في كل الاتجاهات، ثوار ليست لهم حدود، ولكن الجدار البشري لأفراد الجيش صار حاجزاً بينا والقيادة، وتوقفت الأجهزة الأخرى عن إطلاق الغاز المسيل للدموع إنما تطلقه بعيداً. انتبه إلى ذلك أحد الثوار وقال لنا: “ملاحظيين إنهم ما بضربوا بمبان هنا عشان ما يحكتوا مع الجيش”. بعدها قلت لهم الحل في استفزاز الأجهزة الأمنية بأساليب مختلف حتى يطلق الغاز المسيل للدموع نحو الجدار البشري،

وكانت فرصة سانحة لتدفق الثوار نحو القيادة، لم تستطع القوات الموجودة توقيفهم مرة أخرى، لم تكن هذه هي المحطة الأخيرة حتى نصل للقيادة، لكن سأسرد بقية القصة في مقالة أخرى إن شاء الله.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 6

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *