‫الرئيسية‬ تحقيقات حوارات 6 أبريل رواية ثائر
حوارات - 6 أبريل 2021

6 أبريل رواية ثائر

إيمان فضل السيد:
مهادن الزعيم اسمه الحركي، أما اسمه الرسمي فهو عثمان.. التقته “مداميك” لكونه أحد الثوار الذين صنعوا الثورة وكانوا جزءاً من أدق تفاصيلها، وكثيراً ما كان يدون مذكرات عن أحداثها اليومية وتفاصيل المواكب التي يشارك فيها لحظة بلحظة. بل كان من المرابطين في ساحة الاعتصام منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية. ها هو اليوم يروي لنا عن أمسية السادس من أبريل بعد نهار حافل بالمواكب المليونية التي تُوجت باعتصام القيادة العامة وبعد أن بدأ الثوار في تثبيت أقدامهم في ساحة الاعتصام وشرعوا في نصب الخيام، وأي امتحان صعب مروا به في الأيام والليالي الأولى لاعتصام القيادة العامة.
الوقائع كما رواها مهادن الزعيم
منتصف ليل السبت 6 أبريل تعرضنا لهجوم كبير من قبل قوات الأمن بالرصاص الحي وسقط منا ثلاثة شهداء وتصدى لهم نقيب من القوات المسلحة اسمه (حامد) بـ  (الدوشكا) حتى سقط مصاباً وقضينا الليل كله في حراسة المتاريس، وكان عددنا ليس بالقليل، ولكن إيماننا بعدالة قضيتنا وحتمية سقوط النظام كان أكبر، وهو ما جعلنا أكثر قوة ويقين في التصدي لهم.
ما إن شرقت شمس الأحد 7 أبريل حتى واجهنا هجوماً آخر ابتدرته الشرطة بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة أصابتنا بالاختناق وتراجعنا قليلاً ليقوم أفراد من أمن النظام بإزالة المتاريس وفتحها أمام تاتشرات جهاز الأمن (هيئة العمليات) لتهاجمنا مرة أخرى بنية فض الاعتصام بالقوة مهما كانت الخسائر.
تراجعنا لنحتمي بالجيش أمام بوابة القوات الجوية التي أغلقت في وجهنا ووقف جنود الجوية ليمنعوننا من الدخول وسقطت قنابل البمبان داخل قيادة الجوية بكثافة، وهنا كانت اللحظة المفصلية. قمنا بعمل مخاطبات وجهناها إلى أفراد البحرية فأخبرونا فيها أنهم مقيدون بالتعليمات وعلينا توجيه مخاطباتنا تلك إلى الضباط.
رابطنا أمام بوابة الجوية وهتفنا في وجه كل ضباطها وهم يهمون بالدخول إلى القيادة وأجبرناهم على الاستماع إلينا على الرغم من أن كلامنا في تلك اللحظة كان مشحوناً بالغضب والانفعال. في تلك اللحظة حملت عدداً مقدراً من الكمامات ووقفت أمام البوابة، وكنت أوقف أي عربة ضابط وأطرق الزجاج بعنف لاضطره إلى إنزاله، وبعدها أتحدث إلى الضابط بكل الغضب والدموع تتساقط كالمطر من أعيني وأعين رفاقي ليس من البمبان فحسب، ولكن من أننا نهان ونذل ونحن في حرم قيادة قوات الشعب المسلحة.
ما إن يقوم الضابط بإنزال زجاج السيارة حتى أهديه كمامة وأقول له “يا سعادتك الشرطة والجهاز شغالين بمبان كثيف وأكيد ح يوصل لحد مكتبك عشان كدا شيل معاك كمامة عشان ما يجيك اختناق وما تخاف نحن بره ما بنخليهم يقتحموا القيادة إلا نموت كلنا”.
بعضهم كان يواسيني ببعض كلمات الاطمئنان وبعضهم التزم الصمت إلا ضابط برتبة لواء فتح باب العربة واحتد معي في النقاش ومن ثم دخل إلى مكتبه غاضباً من قلة أدبي كما قال وكان يحيط بي أربعة من أصدقائي كلما اعترضت سيارة ضابط خوفاً من أن أتهور أو يصيبني مكروه.
كنا نلاحظ الغضب وقلة الحيلة في وجوه صغار الضباط ونحن نهتف لهم “الجيش جيش السودان.. الجيش ما جيش كيزان” ولم يكونوا قادرين على رفع رؤوسهم في وجهنا. بعد ساعة خرج إلينا صغار الضباط وعلى وجوههم عزيمة وإصرار وأجبروا الجهاز والشرطة علي إيقاف الهجوم.
اليوم الثاني
مواكب الإسناد وانحياز الجيش
بعد توقف الهجوم بساعة لاحت بشائر النصر بقدوم أول موكب إسناد في الساعة التاسعة والنصف صباحاً واذكر أنني هرولت نحوهم كالمجنون أريد احتضانهم جميعاً وبعدها توالت المواكب. أحضروا لنا معهم أكلاً ومياهاً وشاياً وقهوة، ولكن لم يكن هناك نفس لأي شيء سوى النصر.
استمر يوم الأحد مع بعض المناوشات هنا وهناك حتى حلول الليل وارتفع عدد المعتصمين بطريقة تدعو للاطمئنان النسبي، وما إن أشارت الساعة إلى الثانية والنصف صباح الاثنين 8 مارس حتى بدأ هجوم آخر أكثر شراسة وأكبر قوة من ذي قبل حتى حسبناها الضربة القاضية. قاومناهم قليلاً ولكن هيهات أن يصمد حجر في مواجهة التاتشرات المسلحة بالأسلحة النارية فانسحبنا إلى داخل قيادة القوات البحرية وقيادة الفرقة السابعة مشاة وقد أثبتوا لنا عملياً إن هناك جيشاً وأنه عصي على التركيع ولولاهم لانفض الاعتصام في تلك اللحظة.
قاوموا الهجوم بشراسة وقوة وسقط منهم بعض الجرحى والمصابين وتم صد الهجوم لنخرج بعدها ونرقص فرحاً أمام القيادة وتم تحويل أحد “دفارات” مكافحة الشغب الذي هرب أفراده وتركوه إلى مكب نفايات في ميدان الاعتصام. لتشرق شمس يوم الاثنين 8 أبريل وأيدينا علي قلوبنا تحسبا لأي هجوم قادم.
كالعادة قدوم المواكب إلينا نهاراً كان يبعث في دواخلنا الأمل والعزيمة والإصرار واستمر النهار بطيئاً والشمس تحرق وجوهنا لأن الشارع مكشوف ليس به أشجار ولم يكن هناك خيام بعد، ولا نستطيع ترك الشارع أمام القيادة حفاظاً علي الاعتصام.
ارتفع عدد المعتصمين أكثر من يوم أمس، كان صمودنا في صد أي هجوم يضاعف من أعدادنا ويقربنا من النصر أكثر.
حل ليل الاثنين 8 مارس والهدوء سيد الموقف وعند منتصف الليل سمعنا إن هناك قوات تقترب من ميدان الاعتصام بشارع السيد عبد الرحمن.
انطلقنا إلى المتاريس هناك ووجدنا نحو  14 “دفار” محملة بشرطة مكافحة الشغب توقفت علي بعد أكثر من مائتي متر من المتاريس، وفجأة انسحبت لتأتي من اتجاه وزارة الدفاع.
قضينا الليل كله في حراسة المتاريس وتفقدها وكان تحليلنا صحيحاً من أول يوم وهو أن النظام سيهاجمنا من اتجاه الغرب ليجبرنا علي الانسحاب باتجاه بري ولن يخاطر بمهاجمتنا من الشرق حتى لا ندخل إلى منطقة السوق العربي ووسط الخرطوم.
اليوم الثالث
انحياز القوات البحرية للثورة
نحو الساعة الثالثة والنصف صباحاً حضرت 10 “تاتشرات” تابعة للشرطة العسكرية وقام أفرادها بإدخال أفراد الجيش المنتشرين أمام بوابة البرية إلى الداخل ومن ثم صنعوا حاجزاً يحول بيننا وبين بوابة البرية وارتدي كافة أفراد الشرطة العسكرية كمامات وكانت هذه إشارة واضحة إلى هجوم وشيك.
حراسة بوابة الجوية انسحبت إلى الداخل أيضاً وقاموا بإغلاق البوابة بالسلك الشائك كما لاحظنا أن أفراد الحراسات كانوا غير مسلحين.
بحلول الساعة الرابعة من فجر الثلاثاء بدأ الهجوم من اتجاه شارع الجمهورية، حيث أطلقت الشرطة قرابة ال200 عبوة بمبان اضطرتنا إلى الانسحاب شرقا قليلا ومن ثم هاجمتنا قوة قوامها 50 تاتشر تقريبا فانقسمنا كالعادة إلى داخل الفرقة السابعة مشاة وقيادة البحرية.
قائد البحرية أخبرنا أنه لن يتوانى عن حمايتنا رغم علمه بأنه سيتعرض لمحاكمة عسكرية، بعدها حاولت القوة المهاجمة اقتحام البحرية، ولكن صمد ضباطها رغم قلة عددهم وعتادهم (نحو 100 من ضباط وجنود + 3 كروزرات عليها دوشكا) وبدأ إطلاق النار بكثافة أصيب إثره أكثر من 12 من جنود وضباط البحرية والفرقة السابعة، كما قامت القوات المهاجمة بحرق مخزن تابع للفرقة السابعة مشاة واستمرت المعركة لأكثر من ثلاث ساعات قبل أن تأتي مدرعة يقودها ملازم أول اسمه (أحمد) تابع للقوات المحمولة جواً وبعدها حسمت المعركة لصالح الجيش في الساعة السابعة من صباح الثلاثاء 9 أبريل وهربت القوات المهاجمة تاركة خلفها ثلاث “تاتشرات” وخلع بعض المهاجمين “الكاكي” الذي يرتدونه وهربوا بالملابس الداخلية حتى لا يقعوا في الأسر.
من الغريب في الأمر أن القوات المهاجمة كانت ترتدي كافة أنواع “الكاكي” وعرباتها بدون لوحات. علمنا لاحقاً أنها تتبع لكتائب الظل التي تحدث عنها علي عثمان محمد طه.
تم عمل معرض من المخلفات. التي تركتها القوات المهاجمة (كاكي، خوذات ودرقات) وتم تعليقها جميعاً في ساحة الاعتصام، كما تم تحويل “التاتشرات” الثلاث التي استولى عليها أشاوس البحرية إلى مكبات نفايات في ساحة الاعتصام.
مضى نهار الثلاثاء ونحن مشبّعون بالنصر الذي تحقق وانحياز القوات البحرية الكامل لنا حتى أصبحت بوابتها هي مركز اعتصامنا بعد أن هجرنا بوابة الجوية التي تم تركيب سلك شائك عليها كي لا نقترب منها.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 5

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. الف تحية لك أيها المناضل العنيد، وانت تسيطر أروع ملاحم الصمود والتصدي لطغمة الكيزان ورفاقك الاخرين ،…
    أشهد لك بالدور الكبير الذي قمت به، في تهيئة إعلام الثورة وإيصال صوتها قبل أن تندلع…
    التاريخ لن ينس شجاعتك و دورك البطولي الذي قمت به في هذه الثورة العظبمة…
    فالف تحية وتقدير كبيرين لك وانت تحتفي ونحتفل وتجتر ذكرى إندلاع الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *