‫الرئيسية‬ مقالات أعزائي.. فلنوثق للانتفاضة
مقالات - 6 أبريل 2021

أعزائي.. فلنوثق للانتفاضة

مجدي إسحاق

كنت طالباً في السنة النهائية في كلية الطب وقد كنا نحضر اجتماعات نقابة الأطباء فرعية الخرطوم. بعد الاجتماع الذي تم فيه الدعوة للإضراب طلب مني أعضاء مكتب النقابة أن نقوم بالمساعدة بطباعة البيان الداعي للإضراب والاستفادة من إمكانيات اتحاد طلاب جامعة الحرطوم، خاصة وأن المستشفى كان مراقباً.
حملت البيان لدار الاتحاد وقابلت رئيس الاتحاد المهندس عمر الدقير الذي كان له دور تاريخي في التنسيق بين النقابات. طلب مني الدقير أن نقوم بعملية الطباعة فوراً وألآ يعلم أحد بما نقوم به سوى عامل الطباعة نسبة لازدحام مكتب الاتحاد بمجموعات العمل الصيفي. أكملنا طباعة البيان ونقلناه بواسطة عربة د.أحمد عثمان سراج الذي كان موجوداً في دار الأساتذة إلى مكتب د.حسين أبوصالح الذي لم يكن متوقعاً هذه الكمية من البيان، وطلب أن يترك في مكتبه. طلب منا مكتب نقابة الأطباء لمستشفى الخرطوم طباعة بيان آخر موجه للشعب. حملت البيان وذهبت إلى دار الاتحاد إلى غرفة رئيس الاتحاد عمر الدقير الذي كان في الانتظار. بعد طباعة البيان في الرونيو كنت أجلس مع الدقير في انتظار عامل الطباعة وبينما كنا متحركين نحو غرفة الطباعة دخلت مكاتب الاتحاد 3 عربات بوكس محملة بكلاب الأمن حاملين مدافع صغيرة الحجم وتم اعتقال كل من في مكاتب الاتحاد وأعلنت الحكومة القبض على وكر في جامعة الخرطوم يخطط لإسقاط النظام.
كان المعتقلون نحو ثلاثة عشر أذكر منهم الأخت ناهد جبرالله والإخوة المنتصر أباصالح محمد الرشيد شداد وعمر صالح أسامة الكيني واثنين من طلبة كلية الفنون الجميلة هم علي الأمين وعلي الهادي كانوا يعملون في تصميم مجلة الاتحاد. قضينا ليلتين في رئاسة الجهاز وليلتين في سجن دبك وأربع ليال في سجن كوبر.
في زنزانات الأمن انضم إلينا د. الجزولي دفع الله واثنان من نقابة فني الأشعة هم عبدالله موسى والعم حسن ثم انضم إلينا العزيز صديق الزيلعي ود.محمد محيي الدين أبوسيف.
تم التحقيق معي بواسطة رائد أمن يدعى كبوش و قد كان واضحاً أن وتائر الأحداث كانت أسرع من مقدراته، ولم يكن التحقيق طويلاً فلم تكن لديه معلومة محددة، ولم يكن يعلمون كيف وصل البيان إلى دار الاتحاد ورغم أنهم قد استجوبوا عامل الطباعة الذي اعترف بطباعته البيان وأنكر معرفته بمحتوياته.
أذكر ونحن في زنزانات الجهاز وجدنا شاباً مألوف الملامح اعتقدنا أنه طالب في جامعة الخرطوم ولكن بعد فترة عرفنا أنه ملازم في الأمن وقد كان يسكن مع أحد معارفه في داخليات الجامعة بدعوى أنه يسعى للإغتراب وحقيقة مهنته كانت رصد النشاط السياسي في داخليات البركس، وقد أخبرني بأنه قد أمضى مدة عام في داخليات الطب، وقد فوجئنا بالقدر الهائل من المعلومات التي يلم بها عن الكوادر السياسية في الجامعة. وقد ذكر بأنه اعتقل لأنه استولى على مبلغ 15 ألفاً كانت مرسلة من جهاز الأمن لاتحاد الكيزان الذين فوجئوا بفوز قائمة التحالف فطلبوا من الجهاز تغطية العجز في ميزانية الاتحاد وقدكان منه أن حول المبلغ لحسابه الخاص، وقد كان يفتخر بمسلكه لأنه يؤمت بأن “الكيزان يستاهلوا يتفضحوا”.
في دبك وجدنا مجموعة من المعتقلين فيهم بكري عديل وكمال الجزولي، وقد تمت الدعوة لاجتماع لتكوين لجنة للمعتقلين، وذلك بعد أن طلب د.حسين أبوصالح من خالد محيي الدين، و على ما أذكر فقد كان طالباً في جامعة القاهرة الفرع أن يشرف على شؤون المعتقلين بعد أن ظهر للجميع تمرس خالد في المعتقلات ومقدرته في التعامل مع ضباط السجن، وقد رفض خالد القيام بهذا الدور إلا إذا تم من خلال تفويض ديمقراطي من خلال جمعية عمومية للمعتقلين وقد كان.

وقد تم ترحيلنا إلى سجن كوبر مع إرهاصات تقديمنا لمحكمات عاجلة وقد كان ضباط السجون يتعاملون معنا بكثير الاحترام والعطف بعد أن صرح نميري بأنه سيعود وسيضرب بيد من حديد خاصة وكر الجامعه. كوبر كنا معتقلين في قسم كامل للإخوان المسلمين منهم صادق عبدالله والحبر ومحمد يوسف محمد وحافظ الشيخ الزاكي و موسى حسين ضرار، وكان معنا الجزولي دفع الله ود.محمد أبوسيف.
في يوم السادس من أبريل في الصباح الباكر فتح باب القسم في المرور الشهري للفريق سجون، وقد خاطب مجموعتنا، فقد كنا طلبنا أن نتحول من قسم الإخوان السدنة إلى قسم آخر، وقد كنا نشعر بالعار والخجل أن نكون مع سدنة مايو وقضاة محاكم الطوارئ: “لقد سمعت بطلبكم أن تتحولوا إلى قسم آخر بعيداً من معتقلي الإخوان المسلمين و أظن مافي داعي لتحويلكم لأن الوضع العام ماشي نحو الانفجار”.
بعد مرور الفريق بدأنا نسمع أصوات الهتافات وبدأت الجماهير في تسلق حائط السجن وكسر بوابة السجن الرئيسة. في هذه اللحظة اقترح الجبهجية أن ندخل زنزاناتنا وإغلاقها علينا تحسبا من أي عنف قد يصيبنا من الجماهير ورفضنا، فلسنا من يخاف من الجماهير، وكنا نرى الخوف في عيونهم، خاصة أن مجموعة منهم كانوا قضاة في محاكم الطوارئ التي كانت أداة للذل والقهر.
بعدها بدأت الجماهير في التسلق والوصول إلينا وقد كنا مجموعة الجامعة نهتف بينما انزوى الجبهجيون لزنزاناتهم. أذكر أول من اقتحم قسمنا ثلاثة شباب يحملون لافتات حزب البعث وعلم السودان القديم وبعدها امتلأت ساحة السجن بالجماهير في تلك اللحظة حاول أحد كوادر الجبهة عيسى بشرى أن يخرج من زنزانته ويخاطب الجماهير ولكن أمسكت به مجموعة من المتظاهرين واستطعنا بعد جهد أن نخلصه من أياديهم عند تلك اللحظه انتبه المتظاهرون لوجود كمية من كوادر الجبهة وقد بذلنا مجهوداً خارقاً حتى لا يتعرض لهم أحد، وقد قال د.الجزولي في ذلك اليوم كلمة حق “نحن ما حنبقي زيهم نحن حناخد حقنا منهم بالقانون”، وقد أصبح د.الجزولي رئيساً للوزراء ولم نشاهد تحقيق مقولته.

إن لحظة قيام الشعب الأعزل بهدم سجن كوبر لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين لهي لحظة من روعة وعظمة هذا الشعب لن ينساها التاريخ و لن أنساها ما حييت.. وقد حملتنا الجماهير وهي تهتف واختلطت زغاريد الفرح والدموع، وكل هذه الحشود الهادرة كانت تحاصر سجن كوبر من الصباح الباكر، ولم تتهيب السلطة، وهجمت على سجن كوبر، وقد تسلقه البعض وحطمت الجماهير الأبواب، وقد وقف الكثيرون أمام مقصلة ما يعرف بالعدالة الناجزة تخنقهم الدموع والآلم على كل مناضلينا الذي مروا عليها باسمين. وفي وسط الجموع شاهدت أصدقائي د.أكرم علي التوم ود.سلوى الشوية يحطمون جدار قسم الشرقيات لإطلاق سراح بقية المعتقلين لا فرق بين امرأة ورجل إلا بحبهم لهذا الوطن ولنضالهم من أجل الحرية. وخرجنا لنجد الشوارع ممتلئة على مد البصر واستمرت المظاهرات ابتهاجاً في ذلك اليوم إلى ما بعد منتصف الليل.
من هذا البوست أبعث التحية للعزيز المهندس عمر يوسف الدقير رئيس اتحاد جامعة الخرطوم آنذاك، فالتاريخ لن ينسى له دوره في الانتفاضة، وأتمنى لو أسهم في كتابة تجربته خاصة وهو الذي قاد عملية الاتصالات منذ محاكمة الأستاذ محمود مع بقية النقابات للتضامن والعمل لإسقاط النظام التي توجت بالانتفاضة..
ولكل الأعزاء المكبلين بالإحباط و اللاجدوي أقول إن الشعب الذي قام بأكتوبر و أبريل لهو قادر أن يبني وطناً ينعم بالسلام الديمقراطية، فلنبدأ بالتوثيق للانتفاضة، فهي زادنا وسندنا للتغيير وضوؤنا الذي سيضيء لنا المستبقبل ولننحت الذاكرة ولنبدأ الكتابة.. ولكم الود.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *