‫الرئيسية‬ مقالات بئر العزلة ….الإساءة الجنسية من قبل المحارم
مقالات - 6 أبريل 2021

بئر العزلة ….الإساءة الجنسية من قبل المحارم

د.ناهد محمد الحسن
طالعتنا مؤخراً على الفيس بوك في بث مباشر فتيات يحكين قصص تعرضهن للإساءة الجنسية من قبل المحارم، على الأقل فيما اطلعت عليه كان المعتدي في إحداهن أب، وأنا أتابع ردود فعل المعلقين على الفيديو لاحظت أنها تفاوتت بين التصديق والتكذيب والاستنكار الذي يطعن حتى في شرف الأم؛ لأنه من المستحيل أن يعتدي أب على ابنة من دمه. وردود الفعل الغاضبة والمستنكرة هي طبيعية لمجتمع اعتاد أن تصمت فيه الضحايا عن هذا النوع من الأذى وتنزوي خجلاً وخوفاً من العيب والعار، لذلك لم أتعجب من الأصوات المكذبة والقامعة؛ لأنها تخشى لو امتلك جميع الضحايا صوتاً، فهذا يعني أن بعضهم سيتم فضحه.. ورغم الحكايات المؤلمة التي قيلت إلا أنني شعرت بالفخر و الامتنان، الفخر لأن الناجيات من الإساءة الجنسية من قبل المحارم أخيراً وجدن أصواتهن واستطعن أن يخرجن من بئر العزلة ويواجهن الجناة والمجتمع بشجاعة كبيرة.. يفهمها فقط الذين تعرضوا لها أو الذين عملوا في مجال تقديم الدعم النفسي للناجين/ات من هذا النوع من الإساءات. والامتنان لأنهن بحديثهن هذا سيشجعن الصامتات و الصامتين ويكسرن العزلة ويبدأن أولى خطواتهن نحو الشفاء.. أن يكنَّ ناجيات و ليس ضحايا..
ما هي الإساءة الجنسية ولماذا يعتدي البعض على الأطفال أو على أطفاله؟
هنالك تعريفات كثيرة للإساءة الجنسية للأطفال وفقاً لوجهة النظر النفسية والاجتماعية والقانونية، وجميعها تتفق في أن الإساءة الجنسية هي إشراك الطفل في فعل جنسي لا يدركه ولا يستطيع إعطاء موافقه عليه مع شخص بالغ أو طفل أكبر منه والهدف هو إشباع متطلبات المعتدي. الإساءة الجنسية للأطفال فعل مجرّم أخلاقياً وقانونياً في كل العالم وفي السودان يُعدُّ جريمة يعاقب عليها القانون وفقاً لقانون الطفل 2010 وقد تصل عقوبتها الإعدام في حالات الأذى الوخيم والوفاة.
تقسّم الإساءة الجنسية للطفل وفقاً لنمط الإساءة (اتصالي/ غير اتصالي)، درجة القرابة مع الضحيّة (قريب (من العائلة)/غريب (خارج العائلة)). فالإساءة الجنسية الاتصالية هي التي يتم فيها ملامسة أو إيلاج عضو ذكري أو أداة في مهبل أو شرج الطفل الضحية، مداعبة او احتكاك بالأعضاء الجنسية للطفل خارج الملابس، إرغام الطفل على مداعبة الأعضاء التناسلية للمعتدي، ملامسة ثدي الطفلة أو أعضاء الطفلة والطفل التناسلية بالأيدي.. الخ.
الإساءة الجنسية غير الاتصالية: كإظهار المعتدي أعضاءه التناسليّة للطفل، موضعة الطفل بشكل جنسي، أو تصويره بشكل جنسي لأفلام اباحية، إرغامه على مشاهدة أفلام إباحيّة، استخدام العبارات الجنسية في التعامل معه، إرغامه على مشاهدة فعل جنسي، الخ.
يستخدم مصطلح سفاح القربى لوصف العلاقة الجنسية مع بالغين أو الإعتداء الجنسي على الأطفال من شخص داخل العائلة ولكنه لا يعني ذات الأشخاص والأفعال في مختلف الدول والثقافات. فمصطلح سفاح في القانون السوداني المستمد من الشريعة الإسلامية والذي: يُعدُّ الشخص مرتكباً لجريمة سفاح القربى إذا قام بالاتصال الجنسي ما يعدُّ (زنا، لواطاً، أو اغتصاباً) مع أحد أصوله أو فروعه، أو زوجاتهم، أو أزواجهم، أو مع أخ، أو أخت، أو فروعهم، أو خال، خالة أو عم أو عمة.
إلى وقت قريب كان موضوع الإساءة الجنسية يُعدُّ من المسكوت عنه وقد ظهرت قمة جبل الجليد منه فقط عبر حالات وخيمة تعرضت فيها الفتيات للموت أو التمزق والتهتكات الشديدة التي استدعت عمليات جراحية وحدثت فيها مضاعفات. والإساءة الجنسية على الأطفال منتشرة في السودان وفي دول كثيرة حول العالم. في أمريكا طفل وسط كل أربعة اطفال يتعرض للإساءة الجنسية يومياً. وضحايا الإساءة في العالم غالباً فتيات وفي السودان يتعرض الصبية والفتيات للاعتداء الجنسي بالتساوي وفقاً لبعض الدراسات. والمعتدي في الغالب شخص معروف للضحية وأهله وقد يكون موضع ثقة وقد يكون متزوج وهو في الغالب رجل وقد يكون حتى مشهور بالصرامة الأخلاقية و التدين. ونسبة لطبيعة علاقات القربى في السودان فإن كثيراً من الحالات التي نلتقيها في العيادات نادراً ما تصل الشرطة بالذات التي تحدث من قبل الآباء أو الأقارب. وعلى عكس ما هو منتشر نسبة قليلة فقط من الاعتداءات تحدث من قبل الغرباء 14%. والمعتدي في الغالب يعتدي على أكثر من ضحية قد تفوق الـ 11. لذلك من المهم تشجيع الضحايا على التبليغ لنمنع ما يعرف وسط العاملين في حقل رعاية الأطفال بالوباء الصامت.
هنالك بعض المدارسة الفكريّة التي قدّمت مساهمات نظريّة لفهم الاعتداء الجنسي؛ منها النظرية البيولجية، والنظريّة الاجتماعيّة، النظرية النفس – ديناميكية، النظرية النفسية، النظرية النسويّة والنظريّة المتكاملة.. الخ.
النظرية النفس – ديناميكية:
من أكثر النظريات قدما وشهرة التي تقوم على مرتكزات أساسية كالمكونات الثلاثة للنفس؛ الهو والأنا والأعلى. حيث يمثل (الهو ID) الرغبات والغرائز الإنسانيّة التي تبحث دائماً عن اشباع. و (الأنا الأعلى super ego) الذي يشكّل ما يعرف بالضمير والذي يُعدُّ المنظم الأخلاقي للسلوك والذي تكوّن من تفاعل الطفل مع والديه والمجتمع في سنينه الأولى. حيث يتطور في نهاية الطور الأوديبي (نهاية السنة الخامسة) والتي تنتهي في الأحوال الطبيعية بأن يستبطن الطفل دور الوالد من نفس النوع كأن تبدأ الطفلة بمحاكاة الأم في اللبس والمشي والكلام والمواقف ونحو ذلك. ويواصل الأنا بعد ذلك دور الوالدين عبر النفس ويعاقب الأنا بالقلق والشعور بالذنب عند ارتكاب فعل غير أخلاقي. (الأنا ego) الذي يوازن بين احتياجات الهو والأنا الأعلى. من هنا أضاف فرويد ما يعرف بمكنزمات الدفاع النفسي self defense mechanisms التي تعمل على إشباع الهو بطرق مقبولة للأنا الأعلى. ووفقاً لهذه النظريّة فإن فعل الإعتداء هو نتيجة لخلل في التطور النفسي للطفل في مرحلة الخمس سنوات الأولى في علاقته مع والديه. وذلك لأسباب مختلفة كـ (1) ضعف الأنا الأعلى بسبب قلّة مثبطات السلوكيات غير المقبولة اجتماعياً من قبل الوالدين مما يجعل الحدود الأخلاقية واهية تجعل الشخص في المستقبل يتصرّف وفقا لرغبات الهو. (2) انحراف الأنا الأعلى، وذلك حين يكون الوالدين أو أحدهما يعاني من اضطراب في السلوك كأن يكون لصّاً أو منحرفاً، وبالتالي يطور الطفل أنا أعلى غير قادر على انتقاد أو رؤية السلوك المنحرف. (3) القوة المبالغة للأنا الأعلى: رغم أنّه يبدو من الغريب أن يسهم الأنا الأعلى القوي في سلوك الاعتداء إلا أن فرويد يرى أن هذا النوع من الأنا الأعلى يسبب كبتاً وضيقاً لصاحبه باستمرار في أي وقت يشبع رغبات الهو. أو حين لا يجد الهو فرصة لإشباع رغباته عبر مكنزمات الدفاع النفسي، فهذا قد يجعل الشخص يعتدي لينال العقاب الذي يعتقد أنّه يستحقه. وقد يكون هذا تفسيراً لحوادث الاعتداء إلى تنجم عن أشخاص يعدوا متدينين ومحافظين بشدّة كالقساوسة والشيوخ ورجال الدين بصورة عامة، المعلمين وغيرهم. وقد قام Megargee 1966 بتوثيق حالات مشابهة كالطفل الذي وصفه الجميع بالتهذيب والحياء وبلا تاريخ في العنف والذي قام بطعن شقيقه 34 طعنة بسكين.
تعرّضت هذه النظريّة للكثير من الانتقادات التي اتهمتها بعدم العلميّة وتقديمها لمصطلحات لا يمكن معرفة مكانها ويصعب قياسها واختبارها كالنفس والهو واللاوعي وغيرها. كما وصفوها بأنّها عاجزة عن تحليل السلوك قبل حدوثه. وكونها قامت على إفادات المعالجين وتفسيرهم الشخصي لمقابلات مع عدد قليل من المرضى. بمعنى آخر أنّ هذه النظريّة لم تخضع للتأكيد العلمي. رغم هذا فإنّ إسهام هذه المدرسة في تطور المدارس الفكريّة في علم الجريمة. فتركيزها على دور العلاقة مع الوالدين والأسرة وخبرات الطفولة الأولى قالت بها الكثير من النظريات عن العنف. بالإضافة إلى أنّ عدداً مقدّراً من النظريات الاجتماعيّة وفي علم الجريمة وصفت المجرمين بأنّهم اندفاعيون ويفتقرون للتعاطف.وهذا ما تحدّث عنه ايغوست كورين في 1935 والذي يعزى إلى إسهامات المدرسة التحليلية في علم الجريمة، ففرويد لم يدرس الجريمة، ولكنه وضع المبادئ الأساسية للمدرسة التي استخدمها في شرح الجريمة من منظور النظرية النفس- ديناميكيّة. والذي أكّد أنّ الضغوط لا تؤدي للجريمة الّا عند من لديهم ما يعرف بالجنوح الكامن الذي ينتج من ضعف في النمو الاجتماعي للطفل والتي تظهر في شكل احتياج لإشباع الرغبات الآنيّة وعدم القدرة على التعاطف والشعور بالذنب. وهي الفكرة التي جعلت التحليلين اللاحقين يعرفون المعتدي بأنّه شخص تحت سيطرة الهو غير قادر على التحكم في رغباته وغرائزة وينقاد للمتع الآنية.
النظرية النسويّة:

أسهمت الحركة النسوية في أمريكا بمساعدة العاملين في مجال حماية الأطفال في تسليط الضوء على قضية الإساءة الجنسية للأطفال في سبعينيات القرن المنصرم. لما لهما من قدرة و خبرة في عرض المشاكل الاجتماعية وجلب المناصرين لها حيث كان تركيز الرأي العام وواضعي السياسات عليهما كبيراً في ذلك الوقت.
الحركة النسوية كانت تنظر للإساءة الجنسية داخل إطار الأبوية والاغتصاب، وهي نظرة تختلف عن الطريقة التي يفهم بها مجموعات حماية الأطفال هذه المشكلة. ومتى ما اختلفت النظرية اختلفت طريقة حل المشكلة.
النظرية النسوية تنظر للإساءة الجنسية كمشكلة ناتجة من الوضع الدوني للنساء والأطفال في المجتمع والطريقة التي يشكل بها الرجال وعيهم الذكوري وهويتهم النوعية ودورهم المجتمعي. وبالتالي تلوم وسائل الإعلام التي تسوق النساء والأطفال كأهداف جنسية في سوق الإعلام وتجارة البورنوغرافي.
مع ثورة الشباب والثورة الجنسية و الموجة النسوية الأولى تغيرت مفاهيم كثيرة حول الجنس و المقبول في العلاقة الجنسية واهتزت معارف قديمة كسيطرة الوالدين والمرجعيات الدينية ونحوه. هذه التغيرات المجتمعية غيرت أدوار النساء الخانعة إلى أدوار فاعلة، وبالتالي صار للنساء رأي في كل شيء حتى العلاقة الجنسية وصارت لهن مطالب.. مما يجعل الرجال غير الواثقين من أنفسهم أو يشعرون بأن أداءهم تحت التقييم يبحثون عن شركاء أصغر عمراً أو أكثر خضوعاً واستسلاماً.. وهذا قد يشرح جانباً من سلوك المعتدين في البحث عن ضحية طفل.. وربما يشرح أيضاً ميل بعض الرجال المتعلمين في السودان مع انتشار التعليم والوعي إلى الزواج من طفلات..
الإساءة الجنسية من المنظور النسوي هي رغبة في السيطرة والتعدي أكثر منها بحث عن المتعة الجنسية.. بنفس طريقة الاغتصاب.. أهم شيء فيها إرغام وإخضاع شخص للجنس والتحكم فيه وإذلاله. المنظور النسوي يركز على الرجال كمعتدين والنساء والطفلات كضحايا.. لذلك مثلاً فن موقفه تجاه حادثة الاعتداء داخل الأسرة تشدد على معاقبة المعتدي وحماية الضحية عبر أخذها من محيط الاعتداء لحمايتها.. وهو مدخل يختلف عن مجموعات حماية الأطفال التي ترى الاعتداء الجنسي داخل الأسرة كخلل في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، حيث يسهم كل فرد بنصيبه في حدوث واستمرار الاعتداء. حين يعتدي أب على طفلته في وجود أم منسحبة وخاضعة وأطفال آخرين، أما يتعرضون للإساءة أيضاً أو يشعرون بالغيرة من الاهتمام الذي تلقاه الضحية، ويقوم الأب بعزل الضحية من البقية بإثارة غيرة والدتها وحنقها عليها.. ويساعد في ذلك أي سلوكيات تحدٍّ أو بعض أعراض السلوكيات الجنسية تجعلهم يعاملونها باحتقار.. تؤخر الضحية التبليغ بسبب ارتباكها المعرفي وخوفها من فقدانن السند ورغبتها بحفظ الأسرة عبر جسدها.. هذه النظرة جعلت مجموعات الحماية تطالب بأحكام أقل تطرفاً لتشجيع التبليغ وعلاج لكل الأسرة وليس الضحية فحسب.
لا أستطيع أن أقول إن الاهتمام بقضية الإساءة الجنسية في السودان كان بفعل الحراك النسوي أو بفعل مجموعات حماية الأطفال.
نشأت الحركة النسوية في الخمسينيات ولكنها كانت حركة محافظة وليست راديكالية ركزت على الحقوق السياسية وبعض الحقوق الاقتصادية للعاملات في الخدمة المدنية الحكومية كالأجر المتساوي للعمل المتساوي والحقوق المعاشية ونحوه. كان موضوع الجنس بصورة عامة من التابوهات إلى مطلع الألفية الثانية. وبدون تبني الحركة النسوية أو أطباء الأطفال أو العاملين في مجال حماية الأطفال لقضية الإساءة الجنسية ستظل هذه القضية في يد المؤسسات العدلية في البلاد، كوحدة حماية الأسرة والطفل التابعة للشرطة، والتي رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها إلا أنها تتبع خطى النظام الحاكم ونهجه و سياساته وأولوياته.. وبدون ضغط شعبي عام تقوده جهات محددة يكون هناك نقص كبير في طبيعة وكم الاهتمام اللازمين لقضية بهذا الحجم.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *