‫الرئيسية‬ مقالات التيجانى الطيب بابكر.. رفقة على ظهر نهارات قصيرة (2-5)
مقالات - 9 أبريل 2021

التيجانى الطيب بابكر.. رفقة على ظهر نهارات قصيرة (2-5)

في العام التالي زار التيجاني موسكو وقدم ندوة سياسية عن الوضع السياسي بالسودان بقاعة من قاعات جامعة الصداقة بين الشعوب وأذكر أنَّي قد قابلته للتحية بعد الندوة.
في تلك الزيارة رفض لنا التيجاني الطيب ونحن مجموعة من الطلاب الشيوعيين الاجتماع به كرغبة منَّا جاءت بدافع إثارة ومناقشة بعض المشكلات التنظيمية لفرع الحزب هناك. أجاب التيجاني وحسب ما جاء به موقدنا له أن برنامجه للزيارة يخلو من اجتماع كهذا الذي نوده.
التصور الذهني لنا كشيوعيين متمردين وقتها نحسب أنفسنا كحداثيين ماركسيين غير مدجنين أنَّ التيجاني الطيب يمثل رأس القضب المتصلب الرافض لأي إصلاحات أو تجديد في الحياة الحزبية التي كنا نرى أنَّ لها حاجة قصوى في الإصلاح والتحديث. كنا – وهذا اعتراف متأخر – ننظر إلى الحزب بعيون شباب الفنانين والأدباء ونرى فيه مؤسسة للإبداع والثورة على المفاهيم التقليدية، بينما الحزب في زاوية نظر المؤسسين من الأحياء كالتيجاني الطيب أمانة حياة ومهمة تأمين مقدسة دونها التضحية بالنفيس الغالي.
تركت الحزب ومعي مجموعة من راغبي الإصلاح والناقدين لأوضاع الفرع بموسكو دون ضجيج أو افتعالات أو حتى خصومة مؤجلة.
الآن، إذ بعبارته الواضحة الحازمة على ظهر العربة التي كانت تمضي بنا ببط على شوارع أمدرمان (كان همنا الحفاظ على حياة الحزب) تفتح باباً من المراجعات لمواقف أعطت الآخرين حق ضيق وتذمر، وللتيجاني الطيب صفة المتشدد الصارم. بينما الرجل وحين تعرفه عن قرب وكما وصف مكسيم غوركي فلاديمير اليتش لينين كان أسهل من الماء وأشد عطفاً من العطف نفسه.
عشرون عاماً ونيف مرت، وإذا بي أبدأ التفكير بنحو عملي لتحقيق فيلم عن عبد الخالق محجوب كحالة استثنائية كبرى في التاريخ السياسي والفكري السوداني.
كنت طيلة ترحالي واستقراري مدة ثلاثين عاماً ورغم تبدل صروف وصنوف الأيام أترصد وأسجل بذاكرتي المعلومات المستحقة وغير المستحقة عنه… تتسق هنا وتتعاكس هناك.
عبد الخالق طائر النور الذى عبر حياتنا على ظلمات آفاقها ولم نوثق له كسينمائيين أصبحت فكرة تحقيق فيلم وثائقي عن أسطورة حياته ومماته شاغلاً ضاغطاً استباح يقظتي ومنامي في الشهور الفائتة.. الشهور التي سبقت هجرتي الجديدة عن الأرض التي وصمتها السياسة الجاهلة الفاسدة بحروبها واستعمرت أرجائها مؤسسة الغرباء، فاستحكمت بكل عتادها من بشر ومادة حتى أحالتنا إلى متفرجين وأغلبيات صامتة كأنها تشاهد إحدى مسرحيات أوجين يونسكو في مسرح اللا معقول، تلجم ألسنتها الدهشة ويعطل أبصارها كثيف برد.
ليس من كنز ثمين وما من راوٍ أفلح وأصلح من التيجاني الطيب. خرج منى القرار.. تحقيق فيلم وثائقي عن عبد الخالق عنى لي تجميع المعلومات على نحو نظامي من أفواه من صادقوه وعاصروه، وحاكموه وقتلوه، ولم يوفروا جنازة له كي يمشوا خلفها.
فاتحت الأصدقاء أحمد عبد المكرم والبروفيسور منتصر الطيب والمخرجين السينمائيين سليمان محمد إبراهيم وناصر المك كما الأستاذ كمال الجزولي والدكتور عبد القادر الرفاعي (شفاه الله وعجل بعودته سالماً معافى لأرض الوطن) بالأمر وبذات أقرأ بالانترنت مقتطفات من كتاب (عنف البادية) – الأيام الأخيرة لعبد الخلق محجوب – للصديق الدكتور حسن الجزولي الذي اتصلت به فيما بعد.
كنت أشعر في قرارة نفسي بأني قدمت ما قدمت لمالك عقار ومركزه بالدمازين وإن الوقت قد حان وأزف للتفرغ لمشروع فيلم عن عبد الخالق محجوب.
ما هي إلا أيام إلا وجدت نفسي أجالس العم التيجاني مساء يوم صيفي فى أحد بيوت (الثورات الجديدة) وكأننا كنا على ميعاد مسبق أو ترتيب مشترك.
كنت قد قدمت لمشاركة إحدى أخواتي فرحتها بتقدم ابنها لطلب يد إحدى الحسان. بينما كان هو ممثلاً لأهل وأصدقاء والد العروس وبجانبه قد جلس العم الأستاذ حسن العبد.
كان عنوان المناسبة التعارف بين الأسرتين ولكن امتلاء المكان بالبشر جعله أقرب إلى يوم زواج. حاولت تذكيره بشخصي ولكنه ابتسم بذكاء أعرفه من عينيه المعبرتين معقباً بهدوء: “متذكرك ومتابع لكتاباتك وأخبارك”.
حدثته بإيجاز عن مشروعي فرحب وأعطاني رقم جواله على أن أتصل به بعد عودته من نيروبي التي يزمع السفر لها بعد يومين. بعد مقابلة التيجاني ثمة يقين ملأ جوارحي وثقة قد أحلت مواضع شتي قررت أن تكون ضربة البداية مع عبد القادر الرفاعي أي تسجيل شهادته بالكاميرا حول أيام عبد الخلق الأخيرة بأبروف جئت ومعي المصور القدير حامد تيراب ومساعد للإخراج لمنزل الرفاعي وسجلنا شهادته.
تصوري كان لشهادة التيجاني أن أتمهل وأحاول قدر المستطاع من الإحاطة بخارطة ومسارب العلاقة وخباياها بينه وبين عبد الخالق حتى أعبر بعدها للتسجيل.
الرفاعي الذي كنت قد فاتحته في أمر الفيلم أعلمني بعد أيام عن عودة التيجاني. اتصلت به في الجوال نهار خميس وضربنا موعداً الأحد بمباني الصحيفة في الثانية عشرة ظهراً.
حضرت قبل ربع ساعة من الموعد وظللت انتظره عند مدخل الاستقبال حتى الواحدة ولم يأت. اتصل موظف الاستقبال بسائقه وعلم بأنهم في بيت عزاء في أم بدة. فهمت أنَّ الرجل قد يكون نسي الأمر وعدت أدراجي إلى مكتبي بالجامعة. تفسيري كان لنسيان التيجاني في تقدم السن وأن خللاً أصاب الذاكرة النادرة من كثرت ما حملت وحفظت. لم أعتب بل رأيت معاودة الكرة.
بعد يومين هاتفته وشرحت له ما أريد القيام به بالتفصيل. وافق واقترح أنْ أحضر لأخذه للصحيفة وأن بالإمكان الحديث أثناء ذلك. وصف لي موقع المنزل بالثورة الحارة العاشرة.
ذكر أنَّه سيكون جاهزاً منذ التاسعة صباحاً. في التاسعة والنصف حضرت ولم أتعرف على المنزل مباشرة رغم أني كنت على بعد أمتار منه. مر من جانبي رجل قالت ملامحه أنه من أهالي الحي فسألته وكلي ثقة في أنَّه دليلي إلى المنزل ولكن كم كانت المفاجأة عندما أجاب بأن لا فكرة له عن المنزل أو صاحبه.
أوقفت العربة ونزلت أسأل صاحب بقالة أمامها شجرة نيم على ما أذكر وقف تحتها زير بائس. نظرت أولاً إلى الزير فوجدت به بقايا ماء. ألقيت سلامي على الرجل الذي بدا بلا عمل يقوم به. تأكد لي ذلك وأنا أرى البقالة خاوية الرفوف إلا من بعض بضاعة تقنع صاحبها بجدوى جلوسه القاسي ذاك وأن ثمة عمل بانتظار الإنجاز. لم يخيب الرجل السبعينى ظني وأشار إلى المنزل الذي أمامي بأنَّه منزل التيجاني الطيب. لم أشعر من رد فعله البارد باية خصوصية معرفية لديه عن التيجاني. كتمت استغرابي وقلت في نفسي أنهم سكان أم درمان ما بعد الإنقاذ لا يعرفون أحداً أبعد من موطئ أقدامهم.
نظرت إلى البيت فألفيته بيتا متوسط الجمال وأنَّ ميزة طوبه الحراري الداكن عن بقية البيوت. طرقت على الباب فإذا بالعم التيجاني يرد.
في أقل من دقيقة كان قد خرج بعصاة. نزلت.. سالمته وعدت إلى مقعد القيادة. صعد بصعوبة إلى مقعد العربة العالية يجلس ويسألني بهدوء: كيف حالك؟
ما إن تحركت العربة قليلاً ونحن بعد فى شوارع ترابية جانبية لم نصل بعد إلى الشارع الرئيس المعبد حتى حيا التيجاني رجلاً ستينياً يرتدي قميصاً وسروالاً يجلس على كرسي أمام أحد البيوت. رد الرجل السلام بحرارة وابتهاج تسلل من ترددات صوته المرتفع.
قلت للتيجاني:
– لا بد أنْ هذا الرجل بالمعاش انتهى به الحال إلى التبضع في التحيات للمارة، والرقابة الاجتماعية الشعبية للأسر الجارة. ابتسم العم التيجاني وصار يضحك بصوت خفيض متقطع. حكى أنَّ هذا الرجل كان كثير السلام عليه قبل شهور، وثمة شعور قوى كان عند التيجاني بأنَّ في صدر الرجل شتى يريد إخراجه وإيصاله إليه حتى فاجأه ذات مساء بزيارة قصيرة للغاية ذكر له فيه أنه كان شيوعياً في يوم ما وأنه يعرفه حق المعرفة، وقد لاحظ تقدمه في السن وبذا…. فإنَّه ينصحه بالإكثار من شرب اللبن المخلوط بعسل النحل ففيهما ديمومة الشباب ونضارة الجسد.
التيجاني الرجل المهذب قام بشكره أيما شكر – وعاد وسيماء وجهه قد اكتنزت بالسعادة والبهجة.
سألته عن البيت وملكيته وكنا قد مضينا قليلاً في شارع الوادي. ذكر التيجاني أن الأرض التي بنى عليها المنزل كانت عبارة عن خطة إسكانية وتم بناؤه. بعدها سألته عن حي العرب وطفولتهم به، ثم عبرت رأسي فكرة أن نعرج عليه في ذلك الصباح ووافق التيجاني وانحرفنا بالعربة من نهاية مقابر أحمد شرفي من محطة البترول الواقعة في نهاية المقابر ومنها تتفرع الشوارع باتجاه الشرق حتى مررنا بالمسالمة ثم بدأت طلائع بيوت حي العرب في الظهور.
بدا التيجاني الطيب في ذاكرة باهرة الحضور وأصبح يشير لي على البيوت بأسماء من سكنوها من الأسماء المعروفة في الحياة الاجتماعية والسياسية والفنية والرياضية ونحن نتحرك ببط سلحفائي، إذ شكل الزقاق الذي يفصل بين حي العرب والسوق ذروة الزحام.. بضاعات شتى محمولة، وركشات، وعربات كارو، وبشر مطحونين، غرباء في غدو ورواح. لا مظهر لتطور حضاري بالمنطقة ولا تغيير كبير أصابها.
كنت في تلك اللحظات أحس بأنَّنا لم نزل في ثلاثينيات القرن الماضي، كل عناصر الزمن الخالي كانت شاخصة وكأنَّ ما غاب وتبقى فقط هو استدعاء الشخوص الحقيقيين بلحمهم وشحمهم إلى مسرح الحدث.
فجأة أشار لي إلى بيت بدا وبمعايير اليوم بيتاً لأحد أعضاء الطبقة الوسطى وقال: هذا بيتنا. عاينت في البيت ذي الطلاء الأصفر والمنقسم إلى جزءين وسألته إن كان به قاطنون الآن؟ وكأنما أجابني بأنَّ أحد أقاربه أو أخ له يسكنه.. لست متأكداً من دقة المعلومة… غير أنَّي أذكر بأنَّه أكد أنَّ البيت لا يزال ملكاً للأسرة. وقال إنَّه وعندما تم تحرير الناس لهم من سجن كوبر بعد انتفاضة أبريل أنه اختار النزول هنا أولاً.. قاطعته: لماذا؟
أوضح أنَّ حنيناً طاغياً لا يجد له من تفسير الآن كان يشده إليه ولكنه فوجئ بأنْ لا أحد يعرفه… تغير المكان كان والزمان. وأضاف: ما بالك الآن؟
في ناصية هذا الشارع وأنت تتجه نحو اليمين أشار لي إلى جزء من بيت وظهر أنَّه يحسب على الجزء الذي يشغله السوق وخاطبني بابتسامة هادئة قائلاً: وده كان بيت جدك أبوصلاح وهنا سكنت معاهو زينب وكامل.
أقول إنَّه لم يكن ببيتا بالمعنى، ولكنه (بيتوت) على واجهته دكاكين ينبئك معمارها وتفاصيلها بالقدم والمحافظة. في الشارع الذي سبقه كان يشير بسبابته إلى الخلوة التي درسوا بها.
غرقنا كنا في زقاقات حي العرب.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال